رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 19 اب( اغسطس ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2025

تقرير يروي تفاصيل لعبة روسيا في كردستان

أربيل ـ رويترز

في شهر تشرين الثاني الماضي، كانت الأزمة السياسية في اقليم كردستان قد بلغت الذروة، فيما بعث إيغور سيشين، رئيس شركة روزنفت الروسية، رسالةً الى وزارة النفط الاتحادية، لكن بغداد أظهرت "عدم الاهتمام" بالرسالة، ومحتواها وهو عرض شركة روزنفت تطوير حقول نفط جنوب العراق، بحسب الرسالة التي اطلعت رويترز على نسخة منها.

وكانت كردستان المنطقة التي يبلغ فيها عدد السكان ستة ملايين نسمة، حاولت الاستقلال عن بغداد، لكنها سرعان ما فشلت بعد ان ارسلت بغداد قواتها للسيطرة على كركوك، التي كانت مصدر الدخل الرئيسي لكردستان.

رئيس الشركة الروسية حاول ان "يبتز" بغداد سيما بعد تردد الاخيرة بالعمل مع روزنفت، لذلك حاول المقرب من الرئيس الروسي فلاديمر بوتن سيشين ان يتعامل مع كردستان التي اظهرت اهتماماً كبيراً لتوسيع نشاطها الاستراتيجي رغم تعرضها لفشل هائل خلال محاولة الانفصال.

رسالة سيشين لم تكن تلميحا واضحا لكردستان، لكنها كانت تعهدا صارخا باستثمار مليارات الدولارات في كردستان وسط غضب بغداد. ولم تكن العاصمة بغداد ومسؤولوها يعرفون أن سيشين هو رجل قوي ذو نفوذ، وفقاً لمصادر على دراية كاملة.

وقبل ايام من ذلك، استحوذت روزنفت على ملكية انابيب تصدير النفط في كردستان نحو تركيا مقابل 1.8 مليار دولار. كان الهدف من الصفقة بالنسبة للشركة الروسية ليس تجارياً، كان تعزيزاً لتأثير روسيا السياسي في العراق ومنه الى الشرق الاوسط، وفقاً لمصادر حكومية عراقية وكردية.

وقالت مصادر، إن "السيطرة على خطوط الانابيب اعطت لروزنفت دوراً مركزياً في المحادثات الجارية بين حكومة اقليم كردستان وبغداد بهدف استئناف الصادرات النفطية الكاملة التي تعطلت عقب الاستفتاء".

تمتلك كردستان احتياطيات نفطية كبيرة - ربما ثلث اجمالي العراق - وصادراتها الحيوية للاقتصادات الاقليمية والوطنية على حدٍ سواء.

يقول مسؤولو كردستان عن نفوذ شركة روزنفت الروسية، انها اقدمت على عدم استئناف تدفق النفط وتحويل الاموال ما لم تدفع حكومة بغداد الرسوم عبر خطوط الانابيب الروسية نفسها، وفقاً لثلاثة مصادر في صناعة النفط.

وزير النفط جبار اللعيبي، اعترف بدور الشركة المتنامي في كردستان حين التقى بالرجل الايمن لسيشين وهو ديديير كازيميروڤ في بغداد هذا الشهر، وقال إنه مستعد للتعاون مع روزنفت لتطوير خطوط الانابيب.

لم تستجب شركة روزنفت وسيشين ومكتب رئيس الوزراء الى هذه المعلومات والمزاعم بعد طلب تعليقاتهم بشأن الحراك الاخيرة للشركة. مكتفية الشركة بالقول عبر رئسيها سيشين ان مشاريع روزنفت هي تجارية بحتة وليست سياسية. فيما امتنعت وزارة النفط عن التعليق بشأن وجود شركة روزنفت في كردستان.

تصرفات شركة روزنفت في كردستان، وهي منطقة حليفة للولايات المتحدة، تقدم نظرة ثاقبة عن كيفية استخدام الكرملين لروزنفت ومديرها التنفيذي الجريء كأداة سياسية خارجية روسية في جميع انحاء العالم، لذلك يمكن القول ان عملها امتد من اربيل الى كاراكاس ونيودلهي.

استخدمت الشركة نفوذها في العديد من البلدان بما فيهما ايطاليا وفرنسا، وشكلت شركات النفط ادوات سياسية خارجية، لذلك استخدام موسكو لروزنفت بهذه الطريقة ازداد بشكل كبير خلال العقدين الماضيين في ظل حكم بوتن.

وبالنسبة لكردستان، يمثل النفوذ الروسي المتنامي انعكاسا حيوبوليتيكيا حادا. فكانت المنطقة متماشية بشكل وثيق مع الولايات المتحدة منذ الاطاحة بنظام صدام حسين خلال الغزو الامريكي للعراق عام 2003.

عاموس هوشتاين، الذي شغل منصب مبعوث الولايات المتحدة الخاص للطاقة في ادارة اوباما يؤكد عمل روزنفت ككيان سياسي لتحقيق ارباح هائلة، مبيناً بالقول "انهم مسؤولون مباشرة امام الرئيس بوتن، ليست كل صفقة يقومون بها سياسية، لكن حين يريد بوتن اجراء صفقة سياسية، فإنهم سيفعلون ذلك، لان روسيا لديها الكثير من الادوات لممارسة التأثير السياسي، والطاقة هي الأكثر كفاءة".

وجدت بغداد التي لا تعترف بالاتفاق على خطوط الانابيب، نفسها في وضع صعب. وقد توترت الحكومة مالياً بسبب معركتها ضد تنظيم داعش لذا لم يكن امامها المال الكافي لبناء خطوط انابيب جديدة في كردستان، في حين انها تكره تعطل تدفقات النفط في المنطقة ولو لحظة واحدة، لان تريد ايصال ايرادات بسرعة.

"وزير الخارجية الثاني"

الدور الذي لعبته روزنفت في تعزيز سياسة الكرملين الخارجية ليس فريداً بالنسبة للعراق، كما انه لعب في مناطق اخرى من العالم، وفقاً لمصادر في قطاع الطاقة والصناعة.

يقول احد المصادر "سيشين يتصرف كوزير خارجية روسي ثانٍ، لانه يمثل السياسة الخارجية للشركة النفطية في تعاطيها مع الازمات والاستفادة منها، فضلاً عن انه يمثل القوة الاقتصادية التي تقف وراء السياسات الروسية وكثير من هذه السياسات هي استهداف حقيقي للامريكيين".

في فنزويلا اقترضت روزنفت حوالي 6 مليارات دولار لدعم الحكومة، وكان يمكن ان ينتهي الامر بامتلاك الشركة مصافي الحكومة في تكساس المملوكة حالياً لشركة النفط الفنزويلية على اعتبار ان المصانع هي ضمانات مقابل الدين.

في الهند استثمرت روزنفت 13 ملياراً في مصفاة - سعر مرتفع بشكل غير عادي لمعالجة النفط - كما سعت الى منافسة شركة ارامكو السعودية الحليف الابرز لامريكا.

قال سيشين في وقت سابق من هذا العام خلال مقابلة نادرة معه إنه واثق من ان كلاً من فنزويلا وكردستان ستقومان بسداد ديونهما بالكامل، نافياً ان تكون الصفقات في المنطقتين سياسية.

ورداً على سؤال بشأن ما اذا كان يرى نفسه سياسياً، اجاب صاحب (57 عاماً) إنه سؤال صعب غالباً ما اشعر كأنني عشت بالفعل حياة مختلفة "اعتقد ان الكلمة الصحيحة هي مدير". وولد المدير التنفيذي لشركة روزنفت سيشين في سان بطرسبرج وتم ارساله في الثمانينات ليعمل مترجما فوريا في موزنبيق وانغولاً حيث كانت موسكو وواشنطن تتقاتلان بالوكالة.

استفاد بوتن من سيشين الذي كان يعرفه في اوائل التسعينات في سان بطرسبيرغ، واخذه معه حين وصل الى السلطة وساعده في تأميم الكثير من صناعات النفط الروسية وعينه رئيساً تنفيذياً لشركة روزنفت في عام 2012.

جادل الاكراد منذ فترة طويلة بأنهم اقليم مستقل عن العراق ولديهم سلطة توصلهم الى اتفاقيات مع شركات اجنبية عملاقة بشأن ضخ النفط في اراضيهم. وفي عام 2014 بدأوا تصدير النفط بمعزل عن موافقة بغداد الى تركيا.

إلا أن الحكومة المركزية في العراق تقول، إن اي صفقات كردية مع شركات اجنبية او تصدير نفط كردستان، تعتبر غير قانونية. وكانت روسيا، القوة العالمية الرئيسية الوحيدة التي لم تعارض الاستفتاء، قالت انها تفهم التطلعات الكردية للاستقلال، بينما حثت الولايات المتحدة والاتحاد الاوربي وتركيا وايران واربيل على تأجيل التصويت على الاستقلال.

وبينما كان وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، يتفاوض بشأن تأجيل التصويت على الاستقلال، كان سيشين مشغولا في التفاوض على صفقة خطوط الأنابيب.

وفي الأيام التي أعقبت الاستفتاء، نقل مسؤولون أكراد، بمن فيهم وزير الموارد الطبيعية أشتي هورامي، جواً إلى موسكو لمقابلة المسؤولين التنفيذيين في روزنفت ومسؤولين في وزارة الخارجية الروسية، وفقاً لاثنين من المصادر.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي