رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2062

الفراغ السياسي ..!

 

قاسم حول

وكأننا نعيش حالة الإمتلاء السياسي حين ندعو المواطنين العراقيين لمقاطعة الإنتخابات، فيصرخ الفاسدون، "إحذروا المؤامرة فسوف نعيش حالة من الفراغ السياسي" وكأننا ممتلئون سياسة وإطمئنانا وعدالة إجتماعية، ويتطور إقتصادنا، ويرتفع معدل الإحتياطي النقدي من العملات الصعبة في المصرف المركزي، ويحسب العالم لنا ألف مليون حساب حين يفكر ببناء السدود في مسار الأنهار الدولية، لأن هذا العالم سوف يخاف من صوتنا بالأمم المتحدة التي حتى الآن أنا شخصيا لا أعرف من يمثلنا في تلك المنظمة الدولية، فوزارة الخارجية العراقية مذ تسلمها الزيباريون باتت ملاذاً للمنتفعين والقوادين والمومسات، فسقطت الدبلوماسية السياسية ولا تزال ساقطة! يحكمنا دستور يمثل بحد ذاته قمة الفراغ السياسي، ومع ذلك فثمة دستور سماوي أقوى منه يجري تطبيقه وفق هوى وعاظ السلاطين، وقانون آخر أقوى من الدستور وهو قانون العشائر العراقية الذي صرنا نتداول "الهوسات" عبر وسائل التواصل الإجتماعي، ونضحك من سيرتنا عبر الهواتف النقالة!

السياسة بحر .. هكذا كان يعبر عنها "سوادي" الشخصية الشعبية في محلة الخندك والذي كتبت عنه في روايتي "الخندك" التي سوف أصدرها بصيغة ثانية تحت عنوان "ما بين النهرين" كان سوادي يقول السياسة بحر واللي ما يعرف يسبح يغرق" .. وطن عراقي لم يعد يحترمه الآخرون فيما كانت بلدان الجوار تحسب له ألف حساب حين يهان مواطن عراقي في حدود هذه الدولة أوتلك. أما الآن فلقد بات جواز سفرنا مضحكا ونكتة تنتمي إلى الكوميديا المرة والكوميديا السوداء!

الأطفال الأيتام المشردون والصبايا المقنعات يدخلن حاويات النفايات فجراً ليجمعن قناني البلاستيك التي تباع لشركات المياه الغازية المصنعة في البيوت، ويلتقطن بقايا سترة يسترن بها ما هو ظاهر وباطن. مدارس مهدمة ووطن يعيش دونما كهرباء واللصوص من أيتام الدكتاتور يملأون الوزرات وينهبون الوزرات، وكل ذلك إنعكاس للواقع السياسي الفارغ والذي لم يعد له معنى يقاس بمقاييس السياسة!

لا تنتخبوهم أيها ألمواطنون وعلى مسؤوليتي فسوف لن يحصل فراغ سياسي. هم يفلسفون السياسة بالفراغ السياسي، وحقيقة الأمر هو الخوف من الإنتفاضة الشعبية حتى وإن كانت إنتفاضة غير محسوبة وخالية من القيادات السياسية الواعية والوطنية. نعم يخافون الإنتفاضة، فإنتفاضة آذار التي حصلت في زمن الطاغية المجنون، حصلت بسبب إطلاقة من بندقية جندي عاد من الصحراء في حرب الخليج بعد أن أكلت الذئاب أقرانه وتوجه آخرون لرفع قمصانهم يقبلون البصاطيل الأمريكية فعاد منهكا جائعا صوب الوطن، وأطلق النار على جدارية الطاغية فهب العراقيون من جنوب العراق حتى شماله ومن شرقه حتى غربه للإطاحة بالنظام الدكتاتوري الفاسد، لولا مبادرة الجيش الأمريكي لحمايته ويفرضون عليه الشروط في خيمة "صفوان" .. إنتفاضة آذار الذي تصر المؤسسات الدينية بتسميتها "الشعبانية" لم تحصل بسبب الطلقة الموجهة نحو جدارية الدكتاتور، بل هي مخزون من الغيظ تراكم في الذات العراقية، المكبلة بالذل والإحتقار ونهب المال والحروب التدميرية والحصار الإقتصادي والنفسي والثقافي، فكانت إطلاقة الجندي الفقير هي إشارة الثورة وإشارة الإنتفاضة، وهذا ما يخشاه دعاة الفراغ السياسي. لأن الإنتفاضة لو هبت فلن تبق أخضرَ ولا يابس حين يبس كل إخضرار العراق وذبلت سعفات نخيله وبات التمر "حشفا" يابساً صرنا نستورده من بلدان الجوار وحتى الصحراوية منها. فعن أي فراغ سياسي تتحدثون أيها الفاسدون؟ هل نحن نعيش حالة إمتلاء سياسي. نحن في فراغ سياسي وفراغ إقتصادي وفراغ مناخي ليس فيه أوكسجين ولا أكسير حياة، ليس فيه طعم ولا لون .. ولا نسمة هواء تنعش الحر المستفيض في الذات العراقية وفي الوجدان العراقي .. إرحلوا فلستم من أبناء شعبنا والحسين بريء منكم وعلي بن أبي طالب بريء منكم وأبا الفضل العباس بريء منكم ومسلم بن عقيل وهانيء بن عروة والعقيلة زينب كلهم براء منكم أيها الفاسدون .. إرحلوا عن بلادنا. إنني أدعو المواطنين العراقيين لمسح كل الأعلانات الإنتخابية بـ "الفضلات" ولا تنتخبوا فسوف لن تعيشوا فراغا سياسيا كما يدعون، فعدم منح أصواتكم هو قمة الإمتلاء. فليأت الخراب الجميل، ولترتفع الراية السومرية عاليا، وقفوا تحتها أيها الحفاة  المتعبون، مرددين :

عش هكذا في علو أيها العلم ..!

سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا 

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي