رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 23 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2044

يهود العراق في الصحافة والدراسات الجامعية بعد 2003

مازن لطيف

 

نبذة مختصرة عن تاريخ يهود العراق الكتابة عن تاريخ الاقوام والأمم والاديان، ليست بالمهمة الهينة، لا سيما حين يكون هذا التاريخ جزءا من صراع سياسي واجتماعي. لذا ان تقويم وتقييم تاريخ الشعوب والامم لا يخلو من تأثير الماضي وارث والحاضر واشكالاته ومشاكله وضغطها على الباحث والتقييم الاجتماعي والقومي. وضمن هذا السياق يمكن الاتفاق مع الفكرة التي وضعها تويني عما اسماه بقراءة التأريخ، وكأنه القصة التي كُتِبت وستكتب بذات المعنى لكن مع زمن متغير وأبطال جدد.

وعليه فإن قراءة التأريخ تحتاج في ظل تلك الرؤى المتناقضة والمتداخلة الى موقف ورؤية منصفة ومجردة من الاهواء والمصالح الضيقة والعابرة في قياس موازين تفسير ما كان قد حدث وما سيحدث، إن كنا نخضع الروية التاريخية الى التحليل الدقيق والاستنباط المنطقي.

ومن بين حقب التأريخ العراقي الذي تداخلت فيه وانصهرت مختلف الأقوام والثقافات يشكل العبرانيون والتراث العبراني واليهودي منه بالاخص حلقة او طبقة مهمة فيه. وتستند هذه الاهمية والقيمة على ثلاث ركائز دينية واقتصادية واجتماعية. وتلازمت هذه الركائز عند المكون اليهودي ــ العراقي في كل الحقب منذ السبي البابلي وحتى التهجير القسري والطوعي لهم من العراق في العهد الملكي وما تلاه.

ترك يهود ما بين النهرين إرثا دينيا وثقافيا له خصوصيته واثره في المجرى التاريخي لصيرورة الثقافة العربية والاسلامية الكبرى. وشاركوا بصنعها الى جنب المكونات والطوائف في مختلف اصقاع ومدن الخلافة من بغداد حتى المغرب والاندلس.

كوّن المجتمع اليهودي البابلي (العراقي) خلال 2500 عام منذ سبي بابل طائفة متجانسة واستطاع الحفاظ على هويته الدينية وثقافته وتقاليده على مر القرون، على الرغم من الغزوات المتعددة والانتفاضات السياسية والحروب والاوبئة الفتاكة. وامتاز اليهود عن مواطني العراقي بلهجتهم العربية القديمة التي تطورت خلال العصر العباسي الاول، والمعروفة بالعربية – اليهودية المليئة بالمفردات والاشارات التوراتية والامثال العبرية التوراتية وخليط من الكلمات الفارسية والتركية والآرامية.

اما في العصر الحديث فقد ساهم انتشار التعليم في اوساطهم، واتساع نشاطهم التجاري ليشمل دولا كالصين وشبه القارة الهندية وبريطانيا، والانفتاح على العالم، ادى ذلك الى ان يلعبوا دورا لا يستهان به في بناء العراق الحديث، في مجالات التعليم وادارة المؤسسات، وفي المرافق العامة والتجارة وبيوت المال والمصارف. كما كان لهم دور ثقافي ملحوظ في مجالات الادب والشعر والصحافة والنشر والموسيقى.

هناك حقيقة هامة اخرى جديرة بان تؤخذ هنا بنظر الاعتبار وهي ان الانكليز الذين احتلوا العراق في الحرب العالمية الاولى استعانوا في ادارة شؤون البلد بالمثقفين اليهود الذين يحسنون اللغتين العربية والانكليزية، الامر الذي لم يرق في اعين المسلمين لسببين؛ الاول، انهم اعتبروا اليهود متعاونين مع المستعمر. وثانيا، ان اليهودي باشغاله مناصب عالية اصبح له نفوذ في ادارة شؤون بلد يخص المسلمين.

وعلى الرغم من ان ذلك لم يدم طويلا الا انه ترك اثره في اذهان المسلمين بان اليهود تجاوزوا حدودهم وتعاونوا مع المستعمر. وكان ذلك احد اسباب التحفظ من اليهود وعدم اسناد مناصب هامة لهم اثناء الحكم الفترة الثانية من الحكم الملكي بعد وفاة الملك فيصل الاول.

يهود العراق جزء منه ومن تاريخه. بل ان اصولهم عراقية استنادا الى التوراة، وشخصية النبي ابراهيم وسلسلة من الأنبياء الآخرين.

تعرضت حالة اليهود في التعامل الى مرحلتين؛ الأولى، مع ظهور الاسلام في الجزيرة. والقصة معروفة بما في ذلك تبعاتها الدينية والعقائدية إلا انها ظلت محكومة بالشريعة بوصفهم أهل الكتاب. والعالم الوحيد الذي لم يتعرض فيه اليهود للأذى هو عالم الاسلام والعربي منه بشكل خاص. اضافة الى ما لليهود من اصول إثنية مشتركة مع العرب، وعلاقات ثقافية ودينية على امتداد زمن طويل.

خضعت الحياة الفكرية للمجتمع اليهودي في بغداد الى تحول كبير في عقد العشرينيات من القرن الماضي. وقد قاد التغيير حفنة من المثقفين المشبعين برؤية التكامل مع الثقافة العربية. ويمثل اندماج اليهود في مختلف جوانب الحياة الثقافية انعكاسا دقيقا لشعور المجتمع اليهودي، وخصوصا خلال عقدي العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، عندما كان العراق وطن اليهود الأوحد والوحيد.

يهود العراق بعد 2003 في الصحافة العراقية

سوف اركز هنا على ما هو متوفر من معلومات دقيقة عن حالة اليهود وتناولها في الصحف والمجلات العراقية ما بين اعوام 2003 - 2018.

بعد الهجرة الجماعية ليهود العراق عام 1951 بدأت الصحافة العراقية، حملات هجومية على اليهود وقبلها عام 1948 بدأت حملة ضد "اسرائيل"، خاصة الصحف القومية مثل جريدة الاستقلال لصاحبها عبد الغفور البدري، واليقظة لصاحبها سلمان الصفواني وغيرها. واعتبرت اي موضوع يذكر فيه يهود العراق انه موضوع صهيوني او اسرائيلي، لذا فالصحافة العراقية بعد الهجرة الجماعية ليهود العراق حتى عام 1951 لم تنشر مقالا صحفيا يوضح دور واهمية يهود العراق.

كان الخطاب العام بالصحافة العراقية متشنجا بصددهم، بعد أن استنام على ماض قومي متحجر وطائفي شوفيني متعجرف، أوغل في مسخ الهوية الثقافية والذاتية العراقية وتهميش باقي الأقليات العريقة.

لكن بعد احداث نيسان 2003 ظهرت فسحة من الديمقراطية وبدأت بعض الصحف العراقية، نشر مقالات وحوارات عن يهود العراق. بل ان بعض الصحف نشرت كتبا كاملة بشكل حلقات يومية مثل كتاب (كل شيء هادئ في العيادة) تأليف سلمان درويش، والذي صدر عن رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق بالاتفاق مع البروفيسور سامي موريه، ونشر في صحيفة (العالم) البغدادية.

من اهم الصحف العراقية التي نشرت مقالات عن يهود العراق هي صحف المشرق، البينة الجديدة، المدى، والعالم، وغيرها من الصحف العراقية ذات التوجه العلماني. هذا يؤشر على ان الصحافة العراقية لم تعتبر موضوع يهود العراق ودورهم في بناء العراق الحديث من المحظورات. بعد ان كان هذا الموضوع مؤشرا خطرا لأي صحيفة تنشر عن يهود العراق، لكن في الوقت نفسه كانت هناك صحف اسلامية وقومية لم تنشر او تحذر من نشر مقالات عن يهود العراق بسبب توجهها، كجريدة الزمان ذات التوجه القومي، وجريدة الدعوة والبيان ذات التوجه الاسلامي (الشيعي). كما كتب بعض الباحثين والصحافيين عشرات المقالات تدافع عن يهود العراق. لذا تدوين الذاكرة الصحافية والرقمية، يعد اليوم مشروعا لا بد منه، لاعادة كتابة تاريخ العراق الحديث على وفق رؤى جديدة لكن على اسس علمية.

هناك بعض الصحافيين القلائل من تخصص بكتابة المقالات والحوارات مع يهود العراق. ولعل كاتب هذه الورقة يعد اولهم واكثرهم شهرة وانتاجاً.

وايضا قامت بعض الصحف بنشر مقالات لكتاب اسرائيليين من اصل عراقي: (شموئيل موريه، نسيم قزاز، تسيونيت فتال)، وهذا مؤشر جيد بمعنى هناك ما يعتبره العراقيون والعرب تطبيعا ثقافيا مع اسرائيل، في وقت تمتنع بعض الصحف من نشر اي كاتب اسرائيلي من اصل عراقي. وايضا نشر حوارات عديدة مع يهود عراقيين في الصحف العراقية (ايلي عمير، نسيم قزاز).

يهود العراق في الرسائل الجامعية (2003 - 2018)

ان تزايد اهتمام الأوساط الأكاديمية في العراق، 2003 - 2018، بدراسة تاريخ يهود العراق (اقتصادياً، تاريخياً، ثقافياً، فنياً، اجتماعياً) لا سيما بعد ان اصبح العراق يمتلك فسحة من الديمقراطية التي شهدت تدخلاً خارجياً أطاح بالنظام البعثي الذي حكم العراق (1963 - 2003) وافرز واقعاً جديداً.

كتب الكثير عن تاريخ يهود العراق منها كتاب للدكتور صادق السوداني، النشاط الصهيوني في العراق 1914 - 1952، بغداد، دار الحرية للطباعة، 1980 وكتاب فاضل البراك، المدارس اليهودية والايرانية في العراق، بغداد، مطبعة دار الرشيد، 1984 وكتاب لخلدون ناجي معروف "الاقلية اليهودية في العراق 1921 - 1952"، جزأين، مركز الدراسات الفلسطينية، 1975 وكتاب يعقوب يوسف كوريه "يهود العراق.. تاريخهم، أحوالهم، هجرتهم"، ط1 ، عمان، الأهلية للنشر والتوزيع، 1988، وكتاب صباح عبد الرحمن زنكنة، النشاط الاقتصادي ليهود العراق 1917 - 1952"، بغداد، بيت الحكمة، 2002 ط1، بغداد. وشامل عبد القادر "تهجير يهود العراق"، وهي كتب صدرت من منظور "اعرف عدوك".

اما اغلب الرسائل والاطاريح فقد كانت ترمي الى تشويه سمعة يهود العراق ككل، لتظهر للقارئ صواب طردهم من العراق. فهي أحادية الموقف تجاه يهود، لأن ظروف العراق في وقتها كانت لا تسمح بل تمنع منعا تاما الاشارة اليهم والكشف بصورة موضوعية عن دورهم الخاص في تاريخ العراق القديم والحديث.

أخذت الرسائل والاطاريح الجامعية في العراق التي تتخذ من يهود العراق موضوعاً لها، تكتسب أهمية غير قليلة، انطلاقاً من اعتبارات عدة منها:

1. الانفتاح الثقافي والاكاديمي بعد تغيير النظام العراقي بعد 2003.

2. موضوع يهود العراق ظل من المحظروات في الجامعات العراقية طيلة عقود.

3. الانقتاح والاتصال بيهود العراق في اسرائيل واوربا من خلال وسائل الاتصال الاجتماعي والبريد الالكتروني وغيرها، بمعنى هناك اتصال بين الباحثين والادباء داخل العراق بيهود العراق في الخارج.

وبعد تحرير العراق من القمع السياسي والفكري، شرع الكثير من الباحثين في تدبيج المقالات والدراسات والرسائل الجامعية عن يهود العراق. نذكر منها على سبيل المثال: "الاقلية اليهودية في لواء الحلة"، ورسالة عن "مير بصري، ورسالة "ساسون حسقيل" ورسالة "النخبة اليهودية والموقف من الهوية العراقية" و"البيئة البغدادية في رواية سامي ميخائيل"، ورسالة عن انور شاؤول، واطروحة عن الروائيين العراقيين اليهود.. وغيرها من الرسائل والاطاريح الجامعية. وما يزال هذا الموضوع مثيرا للاهتمام العلمي في الجامعات العراقية؛ اذ تم اصدار الكثير من هذه الاعمال بهيئة كتب تحتوي على اقدار مختلفة من الرؤية الموضوعية والعلمية وما يناقضها ايضا.

وايضاً نشرت اغلب هذه الاطاريح والرسائل في ما بعد بشكل كتب مطبوعة. واللافت للنشر، انه بعد 2003 الى 2018 نشر اكثر 50 كتابا عن يهود العراق، طبعت في بغداد. هذا الشيء جعل اغلب الباحثين والقراء يتعرفون على الكثير من الامور التاريخية التي غيبت لاكثر من 50 عاما. واصدرت وزارة الثقافة العراقية رسالتي (النخبة اليهودية والموقف من الهوية العراقية)، (انور شاؤول) ككتاب ورقي. هذا يدل ايضا على ان وزارة الثقافة تمتلك بعض الانفتاح على موضوع يهود العراق. وقد سبق ذلك نشر كتاب الصحافي سليم البصون (الجواهري بلسانه وبقلمي)، (2013).

استنتاجات

• الخطاب العام بالصحافة العراقية (1951 - 2003) متشنجا بصدد يهود العراق، بعد أن استنام على ماض قومي متحجر وطائفي شوفيني متعجرف، أوغل في مسخ الهوية الثقافية والذاتية العراقية وتهميش باقي الأقليات العريقة التي كونت في السابق عبقرية العراق الفذة.

• يهود العراق جزء منه ومن تاريخه، انه كيان عراقي قديم واصيل.

• بعد عام 2003 كتبت اغلب الدراسات الجامعية بشكل موضوعي بسبب وجود فسحة من الحرية وظهور مصادر مهمة كتبت باقلام مستشرقين وباحثين عراقيين.

• من اهم الصحف العراقية التي نشرت مقالات عن يهود العراق هي صحيفة المشرق والبينة الجديدة والمدى والعالم وغيرها من الصحف العراقية. بينما لم تتطرق الصحف الدينية والقومية العربية الى هذه القضية وتجاهلتها.

* مازن لطيف، باحث متخصص بشؤون الاقليات بالعراق

قُرأت هذه الورقة في مؤتمر برلين الاخير حول اليهود في المجتمعات الاسلامية

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي