رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الثلاثاء - 17 تموز( يوليو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2002

الحرب في منطقة الويست إيند: غراهام غرين يبحث عن عشاء في ليلة الأربعاء

روب بايكير

 

حينما انطلقت صافرة الغارة الجوية كان غراهام غرين ودوروثي غلوفير يشربان الكحول في بار هورس شو، وهو بار واسع في الطرف الجنوبي من توتينهام كورت رود. حصل ذلك في يوم الأربعاء من 16 نيسان 1941 وغرين بعمر 36 عاما، وقد نشر عشرة روايات. ومنها (السلطة والمجد) التي ظهرت قبل عام. وكان في تلك الحقبة قد بدأ صداقته مع دوروثي من حوالي ستة شهور، واعتاد أن ينفق أمسياته يوميا في شقتها في غاوير ميوز. وكان كلاهما يعمل ملاحظا خلال الغارات الجوية في المنطقة. واستغربا حينما انطلقت الصافرات- فالوقت حوالي التاسعة وبالعادة لا تبدأ غارات سلاح الجو الألماني "لوفتفاف" إلا بعد هذا التوقيت بساعة. أسرعا بإنهاء شرابهما، وذهبا للبحث عن مكان لتناول الطعام. وعبرا الشارع إلى مطعم ليونز كورنير هاوس، وهو في زاوية أكسفورد ستريت- وكان يفتح بشكل طبيعي طوال الليل، و لديه قبو مجهز بشكل  ملجأ ضد الغارات، بالإضافة لأجهزة كشف القنابل على السطح. وخلال الحرب كانت مشارب الشاي ومطاعم الزاوية التابعة لشركة ليونز في لندن مزدحمة، ولا سيما في الصباح حينما يهرول المتضورون من الجوع من الملاجئ، و يكون العديد منهم دون استعداد ولا وقت لتجهيز الإفطار. ولكن لم تكن بطاقات التموين تصلح للطعام خارج الملجأ. ومن الشائع أن مطاعم الزاوية واسعة، وتضم أكثر من أربعة أو خمسة طوابق يعمل فيها ما يزيد على 400 موظفا. ولكل طابق تصميمه الخاص به، ويتضمن البرنامج معزوفات موسيقية ترافق الطعام في النهار والليل. مع صالونات حلاقة ومكاتب لحجز تذاكر المسرح، ولفترة من الوقت كانت الإدارة تلبي طلبات الأطعمة إلى أي مكان في المدينة مرتين في اليوم. ومع أن هذه المطاعم تبدو مرتفعة التكلفة، فالوجبات بشكل عام ضمن إمكانيات معظم سكان لندن غير العاطلين عن العمل. وفي نهايات عام 1960 أغلق مطعم زاوية أكسفورد ستريت أبوابه مع أحد عشر بيت شاي وذلك بعد أن باعتها جماعة ميكا ليشير. وهذا الإغلاق كما قالت الشركة سيعوض بافتتاح ثلاثين بارا جديدا باسم ويمبي- وهو اسم تجاري اشتروا حقوقه في عام 1954. وكانت تلك نهاية مرحلة - فقد كان ليونز كورنير هاوس يخدم أهالي لندن لما يزيد على 60 عاما. ولكن المطعم لم يكن جاهزا في تلك الليلة لاستقبال غراهام ودوروثي، فالساعة تجاوزت التاسعة بقليل، وصافرات الإنذار تقرع في الجو، والمكان ممتلئ، وأبوابه مغلقة.

انتقل الإثنان فورا إلى مطعم فراسكاتي المعروف، وهو بالجوار، في 32 أكسفورد ستريت. وكان فراسكاتي الأنيق والواسع مستعدا للحفلات، ويجتمع فيه منذ سنوات مضت نادي الطهاة لتناول وجبتهم الشهرية. وآخر وجبة انعقدت في كانون الأول من عام 1939. وكان الطعام يحتوي على مواد لا تغطيها بطاقة التموين (مع أن البطاقة لم تفرض إلا في الشهر التالي). وتضمنت الوجبة القريدس الأبيض وحساء الكرفس وشرائح اللحم وأجنحة الدجاج مع معجون الفطر والأجاص المفروم المطبوخ بمستخلص الفانيللا مع فانيلا مجمدة، وجبنة الشيدر والروكفور مع الجوز المخلل. ولم تتوفر الزبدة. وكانت تحلية القهوة بالساكارين. ولسوء حظ غراهام ودوروثي كان المطعم مغلقا أيضا، ولذلك تابعا على طول واردور ستريت نحو شيز فيكتور، وكان عنوانه في الرقم 45. كانت جدران هذا المطعم مغطاة بالمرايا، وقد فتح أبوابه قبل 40 عاما، وفي الأعوام السابقة على الحرب العالمية الثانية، وكان الموسيقيون والمطربون مثل ليسلي 'هاتش' هاتشنسون يرافقون الطعام بأناشيد وترنيمات كول بورتير وروجيرز وهارت. وخلال وبعد الحرب لم تعد الأجواء كالسابق، ولكن في الستينات استعاد المطعم جوه الساحر واجتذب المشاهير. وإنما في 2011، وبعد 110 سنوات أغلق شيز فكتور أبوابه نهائيا. وللأسف لم يحالف الحظ غراهام ودوروثي. فالمطعم لا يقدم خدماته في ساعة متأخرة. ولم يعد أمامهما غير العودة إلى شافتسبوري أفنيو، مرورا من دين ستريت نحو 49 يورك منستير. وهنا أيضا خاب أملهما لأن الطاهي كان على وشك السفر إلى مدينته. وكان يورك منستير بإدارة فرنسي اسمه فكتور بيرلمونت وهو غير محبوب لأنه يحارب السكارى ويطردهم. ولا يتورع عن تقريع أي مشاغب قائلا:"على ما أعتقد يتوجب على واحد منا أن يغادر، ولن يكون هذا أنا". وفي بعض الأوقات حمل هذا البار اسم البيت الفرنسي (ووفر لرواده النبيذ). وخلال الحرب حاز على ما تسميه بيكتشير بوست "تصنيفا متدني الرتبة". ويقال إن شارل ديغول أطلق نداءه للجيش، بعد الغداء، من الطابق الثاني من مطعم يورك منستير. لكنه هو وضباطه الفرنسيون بشكل عام اعتادوا على ارتياد إسكارغوت وكوكويل وشيز فكتور. وقد ذكرت واحدة من الصحف أنه رغم التقتير في الأطعمة، في فترة الحرب، كان المطبخ العادي، الذي ينتمي لطبقة المراتب المعتدلة من المطاعم الفرنسية المنتشرة في سوهو، لا يزال متنوعا وغنيا. ومع أنه "بإشراف إدارة فرنسية ساق الخروف لن تكون إلا ساق خروف في جميع الأحوال، ولن يكون لديك أي كلام آخر".

وأخيرا وجد غراهام ودوروثي في نهاية شارع يورك منيستير مكانا يقدم الطعام وعنوانه هو 79 دين ستريت. وهو كاسادرا الهنغاري. وعلى الرغم من النقص الحاد في البابريكا في وقت الحرب، كان المطعم قد تغاضى عن مخاطر الإنفجارات واحتفظ بنوافذ من زجاج، واستمر بتقديم حساء اللحم والخضار. إلا أنه حساء دون لون أو قوام.

وكان بالجوار في لوير ريجينت ستريت، وربما على مسافة بعيدة، وبالاتجاه المعاكس لثنائي جائع، مطعم هنغاري آخر هو هنغاريا، وله جاذبيته رغم ظروف لندن الأمنية، وبالأخص أنه يوفر قبوا عميقا مزودا بأبواب ضد الغاز والماء. ومن الشائع أن بعض العمال ينامون فيه، وتلقوا تدريبات على الاستعداد للغارات الجوية والإسعاف. وإذا كان هناك من بين البرواد من لا يرغب بالمبيت يوجد سرب من السيارات الخاصة التي يقودها سائق بخوذة معدنية ولديه خبرة بالقيادة في مناطق القصف وبقايا القنابل. وكان شعار المطعم:"نحن ضد القنابل وضد الضجر- ونهتم بسلامتك كما نهتم براحتك".

ومع أن كاساردا اهتز من قنابل سقطت بالجوار، فقد صمدت النوافذ الكبيرة. وكتب غرين في كتاب سيرته (طرق للخلاص) يقول عنه إنه:"في تمام العاشرة كان من الواضح وقوع انفجار قوي. لذلك غادرت في العاشرة والنصف وعدت راجلا إلى غاوير ميوز. وتمنيت لو أن خوذتي الفولاذية معي. في البيت بدلت ثيابي، وخرجت برفقة د.، وهي مراقبة إطفاء. وقفنا على سطح مرآب سيارات وشاهدنا اللهب وهو يخمد، وتتصاعد منه خيوط الدخان؛ وكانت تجري مع النسمات كأنها زهور فاوانيا صفر عملاقة".

وصل غرين إلى مكتب ملاحظ الحريق في منتصف الليل، وكان الوضع هادئا نسبيا حتى الثانية  تقريبا. وفجأة هبطت  ألسنة اللهب كأنها تسقط من مكان فوقه مباشرة، ثم انتشرت في عرض شارلوت ستريت. وبعد دقائق قليلة انفجرت قنبلة سقطت بمظلة فوق نادي فكتوريا في ماليت ستريت، وكان ينام فيه 350 عسكريا كنديا. وعلى طول غاوير ستريت كان الناس ينزفون من جراء جروح بالزجاج المتطاير. وكانوا يخرجون من مداخل بيوتهم "بثياب نوم قذرة وعليها غبار الشظايا". تواصل إطلاق النار والقصف، ومر غرين بجثمان قتيل "كان هادئا ومكوما وكأنه جزء مسالم من الحطام". وأعقب ذلك ثلاث قنابل هبطت وهي تصفر، وألقى الجميع أنفسهم على الرصيف، وحط بحّار فوق غرين الذي جرح يده بزجاج مكسور وبدأ ينزف. غير أنه لم يكن خائفا  فقد -"امتنع المرء عن الإيمان باحتمال مرور هذه الليلة وهو حي يرزق". وفي النهاية تدبر غرين أمره للاتصال بملجا في غاوير ميوز حيث كانت دوروثي ملاحظة. وفي الوقت نفسه هبطت قنبلة أخرى بالباراشوت وانفجرت في بلومزبري ستريت وحطت قنبلة تقذفها المدافع على نادي البنات اليهوديات في ألفريد بلايس (ومات من جرائها أكثر من 30 شخصا واستمر حمل الجثث من بين الأنقاض طوال اليوم التالي). وأخيرا، وحوالي الساعة الخامسة، انطلقت صافرة الأمان تلعلع لتعلن نهاية الغارة. وبنظر الويست إيند في لندن تعتبر ليلة 16/17 نيسان 1941 فظيعة وهي الأسوأ  بين أيام الحرب. وعرفت ببساطة باسم "الأربعاء". ومن المقدر أنه مات خلالها 2000 شخصا، ومنهم المطرب المعروف أل باولي. وكان في السرير يقرأ قصص الكاوبوي حين انفجرت قنبلة باراشوت عند منعطف جيرمين ستريت وديوك ستريت سانت جيمس. ولم يعد للشهرة دور أو قيمة بعد سقوط العديد من الضحايا ومنهم باولي، فقد كتبوا اسمه في شهادة الوفاة بتهجئة خاطئة، واستغرق دفنه عشر أيام، حيث واروه الثرى في مقبرة مسيحية متفرعة من أوكسبريدج رود. يقول غرين عن تلك الليلة المرعبة إنه حصل على قليل من النوم وربما لم يغمض أبدا، ورغم ذلك توجب عليه في صبيحة اليوم التالي السفر إلى أكسفورد لإلقاء كلمة في جمعية  نيومان الكاثوليكية. ولم تكن لديه فرصة ليحلق لذلك زار في أكسفورد صيدلية وطلب منها علبة شفرات حلاقة. فصاح الرجل الواقف خلف منصة المبيع قائلا :"ألا تعلم يا صاح أنه توجد حرب تدور رحاها؟".

 

روب بايكيرRob Baker : هو كاتب إنكليزي ومؤلف كتاب (حمقى جميلون ومجانين أذكياء)، و(أبنية شاهقة ومعنويات منخفضة) وغير ذلك...

 

ترجمة د. صالح الرزوق عن التلغراف، عدد 8 أيّار 2018

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي