رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 24 ايار( مايو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 1969

لو كان نهرو معكم لما قاطعته

نوزاد حسن

  قبل يوم من الانتخابات التي جرت في الثاني عشر من شهر مايو، كنت افكر بعدد الذين سيرفضون هذه السلطة رفضا قاطعا. كنت في الواقع افكر وانا اعيش ثورة داخلية اشعلها في لحمي نهرو, وبعض الكتاب الاخرين.

   ليس من السهل ان يقول الانسان لا لاغراء يعرض عليه, او رغبة يبتعد عن تنفيذها.. في هذه الحالة تحصل معركة داخل اسوار الروح بين الرفض والقبول. انا اتذكر اول حالة رفض قمت بها بحيث استغرب الشخص الذي قدم لي فرصة على طبق من ذهب. وكان المئات يحلمون بما عرض علي. بهدوء شرقي كما لو كنت من تلاميد لاوتزو قلت انا ارفض هذه الفرصة. الشخص صاحب العرض استغرب. وسالني معقولة ترفض. قلت نعم ارفض. وفي البيت دخل عقلي على الخط وحدثني قائلا: كيف ترفض فرصة يأتيك منها مبلغ من المال. فكّر جيدا لان راتبك قليل, والايام غير مضمونة. هذا ما كان عقلي يقوله, ولاني تأملت في طبقات روحي صرت اعرف نغمة الكلام التي تأتي من القلب والكلام الذي يأتي من العقل. 

  في كلام العقل يوجد شيء تفوح منه رائحة المنفعة. لا يمكن ان يرفض العقل اية فرصة فيها مكسب مالي او مكسب على مستوى الوظيفة. يبرر العقل قبول الاغراء ببراعة. لكني لن اخدع بسهولة, وأتنازل عن كلام قلبي الفطن العميق.

  قبل الانتخابات بيوم قررت ان ارفض العملية كلها. كان مبرري هو هذه الرواتب والامتيازات التي يقبضها اعضاء مجلس النواب والحكومة. فلا يعقل ان تكون رواتب المسؤولين عالية ورواتب الموظفين في ادنى مستوياتها، ناهيك عمن لا يستلمون اي راتب.

  ما اريد قوله بالتحديد هو هذه النقطة: لقد شعرت ان هذه الطبقة السياسية لا تمتلك اي شيء يجعلنا ننتخبها. فلا هي طبقة مثقفة, ولا هي طبقة نزيهة, ولا هي طبقة مثابرة, ولا هي طبقة تريد ان تقدم خدمة واحدة للمجتمع.

  ان غضبي وانزعاجي تكوّن طيلة 15 عاما من ثرثرة السياسيين وشتائمهم واحاديثهم عن كعكعة تقسمت بينهم او رشوة اخذت او امتياز حصلوا. انا ابن هذه الامراض التي ملأوا روحي بها. وبعد هذا يطلبون منا ان ننتخبهم.

  انني في الحقيقة اعجب لمن ينتقد موقف من قاطع هذه العملية البائسة بحجة دعم التيار المدني، ويتناسى هذا المنتقد حجم الفساد والامتيازات التي اهدرت على طبقة لم تتعلم شيئا من سنوات السلطة، الا الجشع والتلاعب بمقدرات الناس. كل هذا جعلني اصرخ بصمت قوي اني رافض لهذا الوجود المحمي خلف جدران عالية والمتنعم برواتب لم يحصل عليها نبلاء قصر لويس الساس عشر.

 نعم، رفضنا جميعا كل ما يأخذه النواب والوزراء من رواتب وامتيازات. رفضنا هذه السذاجة في السلوك وفي الكلام. أيعقل ان لا اسمع من نائب او نائبة جملة واحدة تدل على ان تجارب السلطة تعلمهم. اين تعلم نهرو وجيفارا وعبد الكلام وجيفرسون .لقد تعلموا في مدرسة السلطة؟ لكن برلمانيي زماننا والمسؤولين حولوا هذه المدرسة الى مكان للربح والخديعة والكسب.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي