رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 23 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2044

السينما ومتجاوراتها

فراس الشاروط

هناك توكيد على ضرورة البحث في معنى السينما وماهيتها من خلال الكشف عن العلاقات التي تربطها بالأشكال الفنية الأخرى وإظهار الفروقات الجوهرية بينها، وذلك في محاولة لاكتشاف طبيعة السينما وجوهرها ولغتها وإمكانياتها.

لقد كان المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي يعارض بشدة المفهوم القائل بأن الصورة السينمائية مركبة من عناصر فنية مختلفة، ويراه مفهوما خاطئا لأنه يدل ضمنا على أن السينما قائمة أو مؤسسة على خاصيات تابعة لأشكال فنية شقيقة، ولا تملك على الإطلاق شيئا خاصا بها. وهذا يعني إنكار حقيقة أن السينما فن.

كذلك كان تاركوفسكي يرى أن السينما لا تزال تبحث عن لغتها، وان مسألة ما يؤلف لغة السينما هي ليست بسيطة، كما أنها ليست واضحة بعد حتى بالنسبة للمحترفين.. وأن ما يقرر ويحدد اللغة السينمائية مسألة لم يتم حلها بعد.

عندما يبدأ المخرج السينمائي في قراءة السيناريو فانه يشرع في رؤية الشخصيات والأحداث بصريا.. أي تشكيليا. ثم يبدأ عمليا ـ بعون من الكاميرا والعناصر الفنية الأخرى ـ في تحويل كل ذلك الى تكوينات بصرية، وفي تحقيق ذلك يوظف الضوء والظل والنسق اللوني، ويعالجها وفق تجربته وإدراكه وعاطفته وحساسيته الجمالية والفكرية.

عندما سأل أنتونيوني: هل تعتقد بأن هناك صلة وثيقة بين الرسم والسينما؟ أجاب "لا. اعتقد بأن السينما قريبة من كافة الفنون. بمعنى أنها تضاهي كافة الفنون. إنها وسط أغنى وأكثر امتلاء".

إذا جئنا الى الفروقات فسوف نلاحظ بأن السينما فن يعبّر عن الواقع بالواقع نفسه.. بأشياء ومواد وكائنات الواقع، وذلك بخلاف الفنون الأخرى، ومن بينها الفنون التشكيلية، التي تعبّر عن الواقع بعدد من الإشارات أو الرموز.

في ما يتصل بالمشاهدة، نجد أن ثمة دائماً مسافة بين اللوحة والمتفرج، مسافة مرسومة ومعينة التخوم سلفا. ثمة وعي أو إدراك لدى المتفرج بأن ما يوجد أمامه، سواء أكان قابلا للفهم أو غامضا، ما هو إلا (صورة) للواقع ولا يمكن على الإطلاق مطابقتها مع الحياة.. حتى لو كانت شبيهة بالحياة أو تحاكي الحياة الواقعية بدقة تامة.

أما في صالة السينما المظلمة فان المتفرج يفقد إحساسه بمن حوله، بواقعه، ويتطابق مع ما يراه على الشاشة، بمعنى أنه يجتاز المسافة التي تفصله عن الشاشة ليدخل فيها كما لو يدخل في حلم، مؤمنا بأن ما يراه هو شرائح من الحياة.

هناك أفلام تتيح لنا أن ننفذ الى عملية الإبداع وسر الخلق الفني، دون أن يكون الفيلم درسا في الفن أو في تاريخ الفن. إن التركيز على فعل الخلق والبحث عن عناصر إدراك الفنان التي رافقت تحقيق اللوحات، هي محاولة لكشف الصلة بين حياة الفنان وتعبيره الجمالي، أي أن يكون الفنان نموذجا لسبر واستكشاف مسألة سيكولوجية الإبداع الفني.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي