رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 17 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2062

الصراع الروسي ـ الأمريكي حول المشرق العربي وإيران (1)

ميثم الجنابي

بديهيات التاريخ واحتمالات المستقبل

إن إحدى بديهيات الفكر السياسي المعاصر تنطلق من حقيقة الترابط العضوي بين الأحداث العالمية وتأثيرها المتبادل. فقد كانت نهاية القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين تبدو كما لو أنها بداية "مرحلة جديدة" لما "بعد الحرب الباردة". غير أن الأحداث الحالية، وبالأخص ما يتعلق منها باشتداد المواجهة الإعلامية والدبلوماسية والسياسية والعسكرية المبطنة بين روسيا والولايات المتحدة في القوقاز (جورجيا) والأطراف الروسية (نوفوروسيا – اوكراينا) وإيران والعراق وسوريا وليبيا واليمن، تكشف عن أن "الحرب الباردة" و"ما بعد الحرب الباردة" هي مجرد حلقات في تنافس الأمم وصراع المصالح. وجرت محاولات عديدة لإخفاء هذه البديهة تحت شعارات شتى مثل "نهاية التاريخ" و"النظام العالمي الجديد" وما شابه ذلك. بينما كشفت وقائع الأحداث السريعة، عن أن ذلك لم يكن أكثر من نزوات أيديولوجية لامعة لما كان ينمو وتتضح معالمه عن "القطب الواحد" و"القرن الأمريكي الجديد". بمعنى محاولات اختزال التاريخ والمستقبل والبدائل إلى إرادة "القوة العظمى الوحيدة"، والعمل بوعي أو دون وعي حسب قواعد "الانتقام والتشفي" الملازمة "للانتصار التاريخي" للولايات المتحدة على "القطب السوفيتي". ولا يخلو هذا الاستنتاج من صحة، غير أنه جرى تضخيمه عبر موجة كاسحة من دعاية "العلاقات العامة" وتغطية إعلامية ضخمة بتنظيم فائق الدقة والإحكام.

لكننا نعرف بان للمنطق قواعده في التاريخ أيضا، كما أن للدعاية والعلاقات العامة قواعدها الخاصة. وما بينهما تفاوت شاسع. وكان يكفي حدث عابر في سوء الاستعمال المتعمد لانجازات التكنولوجيا الحديثة، كما جرى في أحداث الحادي عشر من أيلول، لكي تنقلب المعادلة "التاريخية" رأسا على عقب. بمعنى أنها أبرزت بصورة فضيعة الشهوات الدفينة للهيمنة، كما كشفت بدورها عن أن "حصانة " "القوة العظمى الوحيدة" لا تصمد حتى أمام مجموعات إرهابية من فيافي أفغانستان المتخلفة والممزقة. وهي مفارقة كانت في طي الكتمان، كما كان من الصعب تأمل نتائجها "المنطقية" في رؤية الآفاق السريعة الزوال "للانتصار الأمريكي".

فقد احتوت أحداث الحادي عشر من أيلول على رمزية يقوم فحواها (بغض النظر عن كل ما قيل ويقال عن سيناريوهات العملية الإرهابية والقوى القائمة وراءها) في أن بداية "القرن الأمريكي" تتسم بقدر كبير من اللاعقلانية والحرب الساخنة.

فقد سعت الولايات المتحدة إلى التهام أكثر واكبر مما تستطيع هضمه. بمعنى التهام أوربا الشرقية وضم كل ما يمكن ضمه إلى الحلف الأطلسي. ومحاصرة البقايا السوفيتية وبالأخص روسيا بوصفها الوريث الشرعي للدولة السوفيتية. وجرت محاولة التهام أفغانستان من اجل الدخول إلى وسط آسيا، أو بصورة أدق إلى وسط المنطقة المتاخمة لروسيا والصين والهند وإيران. واستسهلت الأمر في احتلال العراق، لكنها واجهت هنا للمرة الأولى اعتراضا دوليا جديا. بينما كشفت الأحداث اللاحقة للاحتلال عن أن العراق لم يكن لقمة سائغة بل دبوسا خربا! أما الحصيلة فهو اللهو الأمريكي والغوص في مشاكل شتت الإرادة الأمريكية وخلخلت أيديولوجية "الانتقام التاريخي" وكشف عن ضعفها الفعلي في مجرى أحداث وسلسلة الحروب التي جرت بين جورجيا وروسيا، وتعثرها في مجرى ونتائج الحرب الاوكراينية الحالية على نوفوروسيا (شروق وجنوب اوكراينا)، وتأزمها في الموقف من سوريا، وتوقفها شبه التام أمام إيران، وإعادة خلخلتها في العراق بعد هروب الممثل الصنيعة لايديولوجيا الفوضى الخلاقة من مسرح الأحداث الدمشقية إلى أطراف البادية السورية العراقية بهيئة دواعش فواحش!

فقد كانت الضربة الروسية لجورجيا تحتوي من حيث أبعادها السياسية والعسكرية على تحجيم عملي حاد للقوة الأمريكية وردعها غير المباشر والفعال. بحيث يمكننا القول، بان الأحداث الدامية التي جرت في القوقاز وتجري الآن في اوكراينا تعيد صدى الغزو الأمريكي للعراق. وتكشف عن ترابط الأحداث ونتائجها. وليس مصادفة أن تتصاعد وتيرة الدعاية السياسية عما يسمى باستعادة "الحرب الباردة" وما شابه ذلك. بمعنى إننا نكتشف في استعادة مصطلح "الحرب الباردة" بحد ذاته على تحسس ورؤية الأشباح القديمة المخيمة على خيال وذاكرة الغرب الأطلسي، الذي يجد في كل ما يعارض تمدده "تهديدا" للسلام و"المصالح الدولية" و"الأمن العالمي". أما في الواقع فإننا نقف أمام تمدد في محاولات روسيا لاستعادة دورها العالمي. ولعل تحول المشرق العربي وإيران من جديد إلى بؤرة محتلمة للصراع، ليس إلا إحدى أصوات الصدى العنيف للحرب الروسية الأمريكية العلنية والمستترة في القوقاز واوكراينا، بوصفها آخر القلاع التي تنوي الولايات المتحدة احتلالها من اجل الإشراف على الحدود الروسية المباشرة!

 إن الانكسار الأولي والجزئي في السلسلة التي أرادت الولايات المتحدة تطويق روسيا بها قد بدأت تتهاوى، أو على الأقل إن السياسة الروسية تسعى من الآن فصاعدا لكسرها بمختلف السبل والوسائل. الأمر الذي يجعل من منطقة المشرق العربي وإيران في الفترة القريبة القادمة الميدان المباشر للصراع. لاسيما وانه كان وما يزال ميدان المصالح العالمية الكبرى، أي القوة التي تحدد إستراتيجية الدول الكبرى وسلوكها العلني والمستتر. الأمر الذي يرشح هذه المنطقة لكي تصبح "بؤرة" الصراعات العالمية الكبرى. وهي إمكانية واقعية مائة بالمائة بأثر الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لها (المشرق العربي وإيران وعبرهما دول الخليج)، أي كل تلك المنطقة التي تختزن الرصيد الأكبر لمصادر الطاقة العالمية (النفط) والغاز أيضا. كما تختزن إحدى اكبر واشد البؤر توترا للصراع المباشر وغير المباشر للسياسة الأمريكية من اجل الهيمنة التامة في منطقة ودول المشرق العربي، وبالأخص إيران والعراق وسوريا. الأمر الذي يحدد بقدر واحد تكامل المثلث العراقي الإيراني السوري من جهة والتنسيق والتحالف المستقبلي بينه وبين روسيا. فهو الأسلوب الأكثر واقعية في ظروف الصراع الحالي في المنطقة من اجل تحقيق المهمة التاريخية الكبرى للمنطقة القائمة في استرجاع هويتها الذاتية وقوتها المستقبلية. ومن ثم كشر شوكة التدخل والاحتلال الغربي القديم والحديث في شئون منطقة، أي لكي لا تكون منطقة للصراع أو أداة فيه لمصالح الآخرين، بل قوة قائمة بذاتها لذاتها،مع إدراك دقيق لإستراتيجية المستقبل ونوعية التحالفات الإستراتيجية فيه أيضا.

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي