رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 15 اب( اغسطس ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2023

السينما بين حقبتين:

أزمير ـ قاسم حول
بدعوة من كلية الفنون في مدينة "أزمير" التركية شملت السينمائي العراقي قاسم  حول والسينمائي الروسي فاليري بندراكوفسكي، والسينمائي التركي سمير أصلان يورك، لكي يحاضروا أمام طلبة الكلية في أخطر عنوان سينمائي وهو الإتجاهات السينمائية في العالم قبل وبعد إنهيار المعسكر الإشتراكي. وكانت الكلية قد عرضت ثلاثة أفلام للمخرجين، (المغني) لقاسم حول و(الشلال) لسمير أصلان يورك وفيلم (ذهب ولم يعد) لفاليري بندراكوفسكي. ودار حوار مع المخرجين حول طبيعة هذه الأفلام الفكرية والفنية الجمالية.
انهيار الاتحاد السوفيتي لم يكن حدثا عاديا ولا عابرا. هو انهيار الفكر العلمي، وإنهيار الإشتراكية العلمية، وإنهيار العدالة الإنسانية وإنهيار الحلم. وقد حدث الإنهيار بسبب عوامل داخلية، وبسبب قوة الميديا الخارجية التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية مستعبدة شعوب العالم. قدم المخرجون لجمهور طلبة كلية الفنون في نبذة موجزة عن حياتهم وأعمالهم. 
قاسم حول
سينمائي وكاتب روائي وقاص وباحث سينمائي، له العديد من الأعمال السينمائية؛ حيث حقق أكثر من ثلاثين فيلما وثائقيا بين الفيلم الطويل والمتوسط الطول، وهو مؤسس أفلام اليوم في العراق، وقد كتب وأنتج فيلم الحارس العراقي ومثل أحد الأداور الرئيسية. أخرج أربعة أفلام روائية طويلة، وفيلما روائيا متوسط الطول، شغل رئاسة وعضوية لجان تحكيم مهرجانات عربية ودولية وتم تكريمه في بلدان عربية وأوربية، إضافة إلى تكريمه من قبل منظمة السلام العالمية في جنيف. له أربع روايات وخامسة تحت الطبع وأكثر من عشرين قصة قصيرة نشرت في كتاب منامات. روايته الأخيرة المطبوعة "سوق مريدي" ترجمت إلى اللغة التركية، وسوف تصدر في غضون الشهرين القادمين. أعطي الكلام لقاسم حول لكي يبدأ المداخلة عما حصل للثقافة عموما والثقافة المرئية السينمائية بشكل خاص بعد إنهيار المعسكر الإشتراكي.
بدأ حديث السينمائي قاسم حول قائلا "عنوان هذه الندوة هو عنوان خطير وهام جدا. ويكشف طبيعة ونهج الإنتاج السينمائي، حيث بإنهيار المعسكر الإشتراكي إنهارت قيم إنسانية وأحلام إنسانية، وبالتالي ومع مرور الوقت ظهر جيل جديد منفتح على فوضى الحياة النهمة التي تثرى فيها طبقة إجتماعية في مجتمعات رأس المال، فنشأت علاقة جدلية جديدة قائمة على أساس تدني الوعي وتسطيح الثقافة في جانب، مع طبيعة الإنتاج الثقافي والسينمائي التي تقوم فيها وتنتجها مؤسسات رأسمالية سينمائية، إنتاجات قائمة على العنف مستفيدة من القفزة التقنية في عالم السينما لإنتاج أفلام تنعدم فيها الحدود الدنيا لإنضاج الوعي، وعي التلقي. هذه العناوين المتعلقة بطبيعة الإنتاجات السينمائية والمتعلقة بالقفزات التقنية التي حققتها الأجهزة الرقمية ينبغي أن تناقش بالاستفاضة وبالتفاصيل التي تضع الأخوة الحاضرين في صورة التحول السينمائي بعد إنهيار المعسكر الإشتراكي. وبهذا الصدد تحدث قاسم حول عن الذاكرة الإنسانية التي بدأت تختفي بإضمحلال الصورة كصورة كانت الأفلام السينمائية تحققها على شريط السليلويد، فيما تحفظ الرقمية والتقنية الجديدة الصورة على شكل معلومات تتحول إلى صورة. إنها صورة وهمية وإفتراضية، تحفظ في الذاكرات وضرب بهذا الصدد مثلا عن الأرشيف الألماني حين بكى مدير الإرشيف وهو يعلن عن إنجاز تحويل كافة الأفلام السينمائية إلى ذاكرات رقمية. قاسم حول شرح بالتفصيل الدوافع العلمية التي جعلت مدير الأرشيف يبكي في احتفالية إنجاز حقبة في تاريخ الذاكرة الألمانية. شرح بالتفصيل فوائد الفيلم السينمائي وسلبياته قياسا بأفلام الذاكرة الرقمية، وفوائد وسلبيات الذاكرة الرقمية في الوقت نفسه. وشرح قاسم حول مليارات الأمتار من الأفلام الأمريكية التي عقدت شركة سوني مع الشركات المنضوية تحت لافتة مدينة هوليوود والتي نقلت إلى اليابان لتحولها شركة سوني العملاقة إلى ذاكرات رقمية. وضرب قاسم حول أمثلة من تاريخ السينما العالمية وأمثلة عن مخرجين باتوا إشارات عبقرية في فن السينما، لكن أفلامهم الآن لم تعد بذات الألق على مستوى  المشاهدة والتلقي، إذ أن الجيل الجديد الذي لم يعد محصنا بالقيم الثقافية والإنسانية لم يعد يكترث بتلك الإنجازات العبقرية في فن السينما على مستوى الأفكار والشكل الفني والجمالي للفيلم السينمائي. إن صالات السينما في العالم تزدحم بالمشاهدين لمشاهدة أفلام قائمة على الحيل السينمائية في خلق أنماط بشرية تمهد السينما لاستقبالها، على أساس أنها من الخيال العلمي وهي ليست كذلك. في الماضي كانت ثمة أفلام من الخيال العلمي وكان يساهم في كتابة نصوصها وكتابة السيناريوهات لها، علماء يعدون لمستقبل التطورات في مجال العلوم والفضاء والتطور الإنساني، وكانت شركات إنتاج عملاقة تنفذ تلك الأفلام وكان لها جمهور واسع يتلقى المعرفة الثقافية والجمالية مثلما يتلقى المعلومات العلمية وإستشرافها، وكانت تلك الأفلام تتسم بالصدق لأن العلماء أنفسهم كانوا يساهمون في كتابة نصوصها".فاليري بندراكوفسكي
 كاتب سيناريو ومخرج من خرجي معهد "الفكيك" بموسكو وكان مديرا لاستوديو يالطا، وهو الآن من مخرجي موسفيلم، أخرج العديد من الأفلام الروائية وآخرها فيلم "ذهب ولم يعد" وهو فيلم متميز في حداثته وفنيته.
 "تحدث فاليري عن الأفلام الروسية الكلاسيكية التي شكلت نهجا متميزا في صناعة السينما في العالم، وكانت كثير من الأفلام قد أخذت من الروايات الروسية العظيمة مثل أعمال ليو تولستوي وأعمال تشيخوف القصصية والمسرحية وأعمال غوركي وتورجنيف وغيرهم من الكتاب الروس، وقد تحدث عن التحولات السياسية بعد أن انهارت تجربة الاشتراكية العلمية ممثلة بالإتحاد السوفيتي. وعزا تدهور القيم الفنية والجمالية والقيم الفكرية في الأفلام العالمية الجديد ليس فقط إلى سياسة الشركات المنتجة بل أيضا إلى دور المخرجين بالانخراط في هذا النهج المطلوب تجاريا من قبل شركات الإنتاج السينمائية؛ إذ أن المخرجين وموافقتهم على تقديم مثل هذه الإنتاجات، إنما يسهمون بشكل مباشر في عملية تسطيح الثقافة، ولم تعد الأفلام المتميزة ذات النهج الجمالي والفكري والفني قابلة للمشاهدة سوى في بعض المهرجانات السينمائية ليشاهدها عدد محدود من المشاهدين ويمكن تسميتهم بمشاهدي النخبة. ظاهرة الثقافة المسطحة وظاهرة الثقافة السينمائية المسطحة تلبي حاجة المتلقي المسطح لثقافة التوتر وأفلام التوتر والجنس والعنف، فلم يعد المشاهد الذي صنعته الأحداث السياسية والاقتصادية براغب في مشاهدة أفلام شاعرية وأخرى تحليلية، إنما يبحث عن أفلام الحركة والحركة العنيفة واختراق الواقع بأفلام ذات أبطال خارقين على شاشة السينما".
سمير أصلان يورك
بروفسور بدرجة أستاذ. كان في بداية حياته نحاتا، نحت تمثال عن العامل الشيوعي وبطريقة فنية أدت إلى منحه بعثة لروسيا عام 1979 ثم تحول إلى السينما فدرسها في معهد السينما "الفكيك" بين العام 1980 – 1986 وقد أخرج خلال تخرجه من المعهد فيلمه الأول "يارا" وعاد إلى تركيا ليقوم بالتدريس في جامعة مرمرة، فن السينما وهو لا يزال يمارس التدريس بدرجة بروفسور، ولا يزال يمارس هواية النحت ويعمل في مجال السينما ومن أعماله الروائية الطويلة فيلم "الباحات السبع" وفيلم "الشلال" وفيلم "الصامت" وفيلم فوضى"، سمير أصلان متميز في أفلامه الشاعرية وهو مهتم كثيرا في استقاء موضوعاته من التاريخ وتاريخ المنطقة والأساطير والحكايات الشعبية فيسقطها على الحاضر. 
"سمير أصلان يورك لا يقبل التنازل على قيمه الاشتراكية والديمقراطية ولا يساهم في إزعاج المشاهد واستلاب حريته من أجل المال، فهو مخرج متشبث بالقيم السياسية والأخلاقية ولا يساوم على المستوى الفني والجمالي. ولذلك فهو يعزو تدهور السينما إلى تدهور الإنسان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. يقول "لقد تغير الإنسان، ولم يعد الإنسان إنسانا يستقبل الصورة الجميلة والصورة الفنية والمستوى البنيوي للسينما. لقد تغير نمط الإنتاج السينمائي، ليس هذا فحسب، بل أن المافيات دخلت عالم السينما وهيمنت على الإنتاجات السينما قوى معروفة بأهدافها ذات الطابع التدميري، من أجل ابتزاز المال وتحقيق أرباح خيالية لأهداف غير نبيلة. حدث هذا بعد غياب التوازن في العائلة الإنسانية على أثر انهيار المعسكر الاشتراكي الذي كان يسعى لبناء الإنسان المتوازن فكريا وتطوير قيمه الجمالية ليصبح إنسانا مستعدا لاستقبال الثقافة الحقيقة التي تعكس مشكلات المجتمع ومشكلات الإنسان الفرد". 
يمضي سمير أصلان يورك في تشخيص تلك المؤسسات التي كانت موجودة أصلا في زمن الصراع الاشتراكي الرأسمالي، وكانت تلك المؤسسات تعمل على تهديم المجتمع الاشتراكي خوفا من انتصاره على معسكر رأس المال، فساهمت شركات الإنتاج تلك، في تهديم التجربة الاشتراكية العلمية التي تستهدف بناء الإنسان والمجتمع، واليوم تمكنت هذه المؤسسات الغريبة على تقديم أفلام مسطحة تشد المتلقي وتبتز رغبته في المشاهدة السينمائية فتبتز عواطفه وتذكرته ليشاهد ثقافة مسطحة. لقد حولوا السينما من ثقافة إلى محض تجارة. بعد أن أنهى المحاضرون مداخلاتهم كان طلبة الأكاديمية قد سجلوا ملاحظاتهم الدقيقة وتوجهوا بالأسئلة إلى المحاضرين للدخول في تفاصيل الأفكار والعناوين التي تناولوها في مداخلاتهم وأستمر الحوار ما يقرب من ثلاث ساعات بعدها قدمت شهادات للمحاضرين موقعة من قبل عمادة كلية الفنون بأزمير.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي