رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 18 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2063

زاحم جهاد مطر.. يعيد الاعتبار لفن المقامة التراثي

قيس العذاري
هناك اجناس ادبية، اعتقدنا بانها انقرضت؛ منها فن المقامة الذي يقوم على فنون كتابية، كنا نعتقد كذلك بانها انقرضت كالجناس والطباق والسجع والبديع وسواها من اساليب قديمة، كانت تشكل مساحة واسعة من ادبيات تراثنا القديم. وركن النقاد الى ان فن المقامة اقتصر على عصري الهمذاني والحريري، الذي وصل فيه فن المقامة ذروته كجنس ادبي مستقل، لا يشبه الشعر ويختلف عن النثر باستخدامه للمؤثرات التي يشغلها الطباق والسجع والجناس والبديع وسواها، اضافة الى الصوت، فهي تعتمد في جزء كبير منها على الاصوات، سواء بتبديل الحروف او الحركات الاعرابية او بتقابل الحروف والحركات، لتؤدي معاني مختلفة تأتلف احيانا وتتناقض في احيان اخرى، كما في المقطع الآتي من مقامة حكايات بغدادية 2 :
"فقد نَضَبَتْ أنْهارُنا وجَّفَتْ آبارُنا ويَبُسَتْ اشْجارُنا وأفَلَتْ أقْمارُنا؛ خَيْرُنا إنْحسَرْ وشَرُّنا إنْتَشَرْ؛ مَوارِدُنا تَذْهَبٌ إلى غَيْرِ مَواضِعها وأمْطارُنا تَأتي في غَيْرِ أوانِها؛ فأصْبَحْنا في زَمَنٍ لا يُطيقُنا ولا نُطيقُه؛ وطَقاطيقُنا غَيْرَ طَقاطيقِه؛ طَقاطيقُنا أغاني جَميلةٌ وألحانٌ وطَقاطيقُه، إنْفِجاراتٌ وغُبارٌ ودُخانٌ؛ وعلى هذا المِنْوالُ سارَ ويَسيرُ الحالُ".
فن المقامة يقوم على اللعب بالألفاظ والمعاني المتقاربة شكلا والمختلفة معنى واداء، ومثل هذا الفن يحتاج الى قدرة استثنائية ومعرفة واسعة بمعاني المفردات ودلالاتها المعنوية والصوتية، ليؤدي فكرة الكاتب او المؤلف او يوصلها الى القارئ بشكل صحيح، وعلى قدر من المتعة والفائدة. ونجد في مقامات زاحم جهاد افكار ومعاني عصرية او معاصرة في منحى مقاماته ولولا ذلك لظن القارئ بأنها تنتمي او من عصر الهمذاني والحريري، ويكاد القارئ لا بعرف غير هذين الاسمين اللامعين في فنون كتابة المقامة ماضيا وحاضرا، ولكن زحم جهاد استحق بمقاماته المسماة مقامات بغدادية التي اصدر منها ثلاث مقامات مطولة، استحق الانضمام الى كتاب المقامة الاوائل بمقاماته الجديدة والمعاصرة بمواضيعها ولغتها .
وهناك مواضيع معاصرة، لكنها يمكن ان تنطبق على عصور اسلامية عديدة قديمة وحديثة كالحوار التالي الذي يشكو سوء المسؤولين والحكام، وهذه الشكوى تمتد بعمق في التاريخ العربي والاسلامي لأكثر من 1400 سنة، عدا فترات قليلة بهذا التاريخ الطافح بالحكام الجائرين :
"جَعَلْناهُم وُلاةَ أمْرَنا فَجَنَوا خَيْرَنا وشَكَروا غَيْرَنا؛ وَعَدُونا بِالمَنَّ والسَلوى ووَهَبونا الفِتَنَ والبَلْوى؛ فَعادَتْ حواضرنا قُرى وغَدا ماؤُنا قِرى. قلت: ومَنْ هؤلاءْ؟
قال: أتَحَدَّثُ عَمَنْ يُريدُ أنْ يَعودَ مِنْ جَديدٍ بَعْدَما نَكَثَ بالوُعودِ والعُهودِ مُنْذُ زَمَنٍ لَيْسَ باِلبَعيدِ."
مقامات بغدادية "2" 
وهذا هو واقعنا بالفعل الان. فمن حكم 15 عاما ما زال متشبثا به، وبريد العودة للحكم باستعماله الوسائل والحجج والمكر والعهود والوعود الزائفة عن طريق انتخابات مشكوك بنزاهتها، بالف طريقة وطريقة التوائية. 
 ما يبذله الشاعر والاديب زاحم جهاد من جهود في اعادة الاعتبار لفن المقامة، جهد كبير لا يضطلع به الا قلة من الادباء والكتاب، لانه يتطلب جهدا مضاعفا بتطويع فنونه الصعبة كالطباق والجناس والبديع والسجع والحوار والقص وغيرها لتستوعب مواضيع معاصرة، سواء كانت ذات منحى سياسي او اجتماعي او لغوي باعتبار ان فن المقامة يقوم بالاساس على اللغة، وما يمكن ان يستخلص منها من تأثيرات صوتية ومعاني مختلفة، تؤدي الاغراض والمعاني التي يريد ان يوصلها المقاماتي الى القارئ، والمثال الواضح في هذا الصدد: مقامات بغدادية، التي اصدر منها مقامتين. اضافة الى توظيفه للموروث الديني وغير الديني، بطريقة عصرية ممتعة بلغتها ودلالاتها. كما في هذا المقطع من مقامة (مِنْ دالِ العُنْقودِ ولآلئ العُقودِ: (
" تَحْتَ سَقْفٍ مَرْفوعٍ غَيْرِ مَسْنودٍ؛ وعَلى بِساطٍ غَيْرَ مَزْرودٍ؛ جَزاءٌ مِنَ الحَميدِ الوَدودِ؛ كَما جاءَ في الكِتابِ المَسْرودِ؛ والحَديثِ المَسْنودِ؛ وكَلامِ أَسَدِ الأُسودِ أمامِ الشُّهودِ؛ فَكَيْفَ تَتَنَكَرُ الحُشودُ للعُهودِ والوعودِ؟" 
مقامات بغدادية "1"
جميعها تصور واقع الحال في العراق بشكل واقعي وحقيقي بتطويع فن المقامة، الذي يحتوي على وسائل او فنون كتابية تشد القارئ وتبعد عنه الملل كالطرائف والايحاءات الطريفة والممتعة لمعاني بعض المفردات وجناساتها، لتشكل في النتيجة لوحة فنية باهرة لا تدخل الملل في نفس القارئ، خاصة ان مواضيعها معاصرة، تنتقل بين اجواء حقيقية يمر بها المواطن على الصعيد السياسي او الاجتماعي او الاقتصادي . 
والشيء الجديد الذي اضافه المقاماتي والاديب زاحم جهاد لفن المقامة، اضفاء الطابع القصصي الحديث على المقامة، بتوسيع الحوار والسرد الذي يتخلل المقامة، واهتمامه بالمكان كأحد العناصر الاساسية. وهذه العناصر تدخل في اطار التقنيات القصصية او من مقومات كتابة القصة المعاصرة، اي اننا امام عمل يمزج فن كتابة المقامة بأساليبه وشكله التراثي مع استخدام التكنيك والتقنيات الحديثة بكتابة القصة وابرزهما الحوار والسرد اللذين يضفيان على المقامة طابعا ممتعا ومعاصرا. وهذا يدخل في التجديد والريادة بكتابة المقامة اي الحفاظ على اصولها والتجديد بالمضامين وأساليب وطرق الكتابة باستخدام التقنيات الحديثة، بحيث يمكن ان نطلق عليها اسم "مقامات معاصرة" لتمييزها عن "المقامة التراثية" التي اشتهرت على يدي الهمذاني والحريري .
لم يكن ذلك متنافرا مع المقامة؛ فهناك من يرجع المقامة او اصولها الى الحكواتي، او انها مستمدة منه وتمثل الوجه الاخر للحكواتي، فهذه العناصر ليست دخيلة او متنافرة مع فن المقامة بما فيها الحوار والسرد والقص والمكان والزمان وغيرها من عناصر القصة وتقنيات القص، ولكنها لم تأخذ طابعها المعاصر او ابعادها المعاصر في المقامة التراثية، كما يفعل زاحم جهاد، فقد استفاد من جميع هذه العناصر مع المحافظة على اصالة المقامة باستخدامه للبديع والجناس والطباق والسجع وغيرها.    
المقامات او النماذج المقاماتية التي قدمها زاحم جهاد مطر لحد الان ذات مستوى رفيع الى حد ما، لا يقل عما وصل اليه فن المقامة في ازهى عصوره كفن كتابي وتراثي ممتع ومفيد، وبذلك فانه اعادة الاعتبار اليه كفن تراثي بعد ان ركن للنسيان لقرون طويلة من خلال توشيحه بمواضيع معاصرة بلغة تتوسط الاعتماد على الجناس والطباق والسجع والبديع التي كادت ان تختص بفن كتابة المقامة وحدة، رغم وجودها بكثرة احيانا في العديد من النصوص والخطابات التراثية . 
وإذا اردنا ان ننقب عن المقاماتية في وقتنا المعاصر، نجد ان زاحم جهاد مطر ربما يكون الوحيد بين الكتاب والادباء تجاوز حدود كتابة المقامة الى محاولة التجديد في مضامينها واشكالها من كتاب المقامة في عصرنا، كذلك نجد اليازجي الذي استطاع ان يحاكي الهمذاني والحريري بلغته الرصينة، ومعرفته المتشعبة بأساليب الجناس والسجع والطباق والبديع، فاستحق ما كتبه بهذا الفن الصعب السهل، ان نطلق عليه اسم مقامة حاضرا وماضيا . 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي