رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 18 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2063

بنية رواية مسامرات جسر بزيبز للكاتب العراقي شاكر الأنباري

د. زهير ياسين شليبه*
أصبح "جسر بزيبز" الصغير الذي يربط محافظة الأنبار الغربية ببغداد مشهوراً في كل العالم بفضل المحطات التلفزيونية التي نقلت مشاهد نزوح آلاف العائلات العراقية هربا من تنظيم الدولة الإسلامي ووحشيته. هذه التراجيديا الكارثية العراقية بامتياز، التي لم يكن العراقيون بالذات يصدقون ما تراه أعينهم يسردها لنا هذه المرة الروائي والصحفي العراقي المعروف بتكريس كل قصصه القصيرة ورواياته السابقة لبلده العراق، الذي ولد وترعرع فيه وأضطر لمغادرته لكنه لم يستوطن بلداً آخر غير المنفى وبقيت روحه متعلقة به وذاكرته حية ينهل منها أعماله الأدبية.
تعتمد رواية شاكر الأنباري الثامنة والأخيرة حتى الآن " مسامرات جسر بزيبز "على طريقة عودة البطل إلى الديار، وأسلوب الذكريات المتوزعة على عدة فصول تمثل أصواتا متعددة تقترب من البوليفونيا نسبيا، لأن الشخصيات هنا لا تتحدث عن أنفسها بألسنتها، بل يتم كل ذلك عن طريق الراوي، الذي يمثل صورة الكاتب هنا، ويلعب دورا مهما في تشكيل بنية الرواية بطريقة إنسيابية غير معقدة أقرب إلى السيرة الذاتية.
وعلى الرغم من أن اخبار الموت أصبحت عادية في بانوراما العنف العراقية، إلا أن الكاتب يصورمقتل العم رشيد وكأنه مفصل مهم في تاريخ القرية، تتأسس عليه بنية الرواية "...هيأت نفسي للمغادرة..." ص 11
أحد عشر فصل يشكل كل واحد منها عمودا هاما من اعمدة الرواية، وكل فصل يبدأ بجملة تعكس معناه ومحتواه المكرس له كما سبق وأن أسلفنا بخصوص رشيد ونادية.
الفصل الأول يبدأ ب"أقيم في بيتي وسط مدينة أربيل،" ص7، والثاني ب"استيقظت صباحاً، وأنا اتأمل في ذلك الحلم...عمي رشيد" ص25، والثالث "هذا هو عمي.." ص 47، والرابع "خالتي سميعة" ص 65، والخامس "بعد الإجتماع مع الجنرال الأميركي بترايوس" ص 85، والسادس" أتذكر اليوم مثالا واحدا جّسّدَ عمي فيه غرابته" ص 101، والسابع "أفيق من النوم وأسمع نواحها" ص 115، والثامن "جدتي مياسة" ص 135، والتاسع "زواجي من نادية غيّر حياتي" ص 159، والعاشر "منذ نشأته وهو مدلل" 179، والفصل الحادي عشر والأخير "أخبرتني نادية بحلم آخر... تعبر جسر بزيبز... نحو المدينة...شاهدت بشير مبتسم ... يشير لنا بالإسراع" ص 193، وتتحقق بهذه البشارة من قبل الراحل بشير النهاية السعيدة للمنظومة الأليغورية المفترضة، فتلبي نادية نداءَه مسرعةً إليه، إلا أن ذلك حلما ليس إلا!
في المنظومات الروائية الأليغورية التقليدية القديمة: (لقاء- صراع وفراق وأهوال- نهاية سعيدة)، غالبا ما تكون النهاية سعيدة في الصراع بين الشر والخير، لكن الأنباري يكتب لنا رواية عراقية من واقع عراقي معاصر لا مكان فيه للنهاية السعيدة على النمط القديم، حيث إنه زمن عراقي بامتياز تتكالب فيه الكلاب على الضبع، كما يقول جد الراوي " ما الذي ورطك، أيها الضبع بين جيش من الكلاب؟...". ص 45
ولابد من الإشارة إلى أهمية اللغة السلسة والإنسيابية والمتدفقة في بنية النوع الروائي، الذي ينفر من التقريرية والمباشرة وإسقاطات أفكار الكاتب علي شخصياتها بحيث تظهر على مستوى واحد، وتكرار نفس المفردة في الجملة الواحدة (تافتالوجي) والإنشاء والإنطباعات السطحية وتكرارها، وهي كما يبدو مهمة عسيرة أمام الكتاب العرب بسبب تعقيدات اللغة العربية الفصيحة والمحكية وتنوع لهجاتها، لكنها ليست مستحيلة ويمكن أن تتحقق بالعمل الجاد وإعادة الصياغات والتحرير اللغوي المتأني. الرواية العراقية بحاجة اليوم اكثر من اي وقت مضى لتجاوز المستويات اللغوية السابقة لتتجه نحو الأصالة والإبداع والإستقلالية والتنوع والإنطلاق بعيدا عن التكلف والإفتعال، بحيث تصبح في قمة النتاجات العربية من حيث المستوى الفني. وأنا أقول ذلك اليوم رغبة في تحقيق الجودة والتفوق وتحقيق أعلى مستوى من الحرفية العالية في إنتاج السرد العراقي، لأن فرصة تَحوّل التراكم الروائي العراقي الكمي إلى فني متوفرة في هذه الأوقات أكثر من اي زمن مضى في تاريخ الأدب العراقي بسبب "الحرية" وسهولة الطباعة والنشر وجرأة المؤلفين في تناول مختلف الموضوعات.
وصف المكان
تتجسد الناستولجيا في وصف الأماكن التي مروا بها، وهو أمر عهدناه في سرديات الأنباري منذ قصصه الأولى ورواياته الأخرى وبالذات روايته الرائعة "أنا ونامق سبنسر". يصف الراوي المكان "حدثني جدي بقصص عن هجراتهم نحو الصحراء، أيام ما كانوا غير مستقرين، ينوسون بين البداوة والفلاحة، كيف يقضون الشتاءات في الصحراء مع غنمهم وجمالهم وحميرهم،...حيث أسس جده حامض وأولاده اللبنة الأولى للقرية. بيوت طين ابتكروها على عجل حسب مخططات متوارثة، تمتد في الجينات آلاف السنين، الطاقات الصغيرة في الجدران، الأبواب الخشب، السقوف المصنوعة من خشب الصفصاف، أو الحور...". ص 49
ويصور أربيل "المكان الآمن" ويحلم بالبقاء فيها، ويقول فيما بعد معبرا عن ناستولجيا الحنين إلى سحر الشرق مختزلا ذلك في السوق" كنت أجلس أمام القلعة، وأتأمل في تاريخها وبنائها،... النافورات الموضوعة في الساحة ص 56، ... في السوق الكبير،.. أتأمل بالمعروضات من السلع والوجوه التي تجول في الأزقة الضيقة،... فأحسب نفسي اسير في سوق، لمدينة عاشت قبل مئات السنين، حلب، أو أصفهان، أو تبريز أو سمرقند، أو بغداد قبل أن يغزوها المغول أنواع البهارات تتوزع في صناديق، و سلال ويفغم ضوعها الأنوف، سلال من الحلقوم التركي والإيراني... حوار يسقط في أذني من رجلين يتكلمان اللغة العربية قادمين من الموصل أو الرمادي أو النجف أو بغداد، تنط مثل جرادة ذكرى من ذكريات الماضي ... أنغمر ساعات في الكتابة". ص 57
يصور الكاتب الحاضر ليعود إلى الماضي، من زمكان أربيل إلى أماكن الإعتصامات قبل سقوط المدن الغربية بيد الوحوش الصغار عام 2014  "تتكون المدرسة من ست صفوف، كلها مبنية من الطين،.. مراحيض قديمة ذات باب خشبي متهالك. مراحيض المدرسة هي الوحيدة في القرية". ص21 
ويلقي الراوي نظرة على الطريق الدولي السريع الذي بنته الشركة اليابانية ويصبح مغلقا بيد الوحوش الملثمين، شاهدا على مقولة "الإنسان اثمن راس مال"، وأن تطور البشر أهم من البنايات والشوارع. هذه هي قصة العراقيين كلهم، يسردها الكاتب على لسان بطله الراوي في مسامراته التي هي في الحقيقة عن العراق كله. ينتقل الروائي بكامرته إلى بساتين النخيل في قريتهم والقرى الأخرى ويذكر أسماء الناس المتشابهة في كل العراق، بستان حمادي،  ص 32، والمعلم خوشابا، ص 32، ويعود  بذكرياته إلى نصف قرن مقدما للقاريء موزائيك عراقي جميل يناضل دائما وأبدا ضد قوى الظلام.
شاكر الأنباري. مسامرات جسر بزيبز، منشورات المتوسط، 2017
* الدكتور زهير ياسين شليبه/ أستاذ جامعي عراقي مقيم في الدنمرك

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي