رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 16 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2099

تقييم التجربة العراقية (2003 - 2018) (3)

ميثم الجنابي
نهاية الزمن الفارغ وبداية التاريخ الفعلي
 من بين البديهيات السياسية الكبرى التي يتوقف عليها مسار العملية السياسية المستقبلية في العراق هي استحالة تمثيل الفكرة العامة والبقاء ضمن حدود المكونات الجزئية. وهو سر الخلل الفعال في بقاء "العملية السياسية" العراقية تتراوح في محلها. فعندما نطبق ذلك، على سبيل المثال على فكرة الوطنية العراقية العامة والديمقراطية الشرعية، فإننا نقف أمام إشكالاتها النظرية والعملية. بمعنى كيفية ومستوى فهم المضمون الحالي والمستقبلي للفكرة العامة، ومن هي القوة الاجتماعية والسياسية القادرة على تمثلها وتطبيقها بمعايير الرؤية الوطنية والديمقراطية والشرعية.
فالفكرة الكبرى حالما تصبح جزء من برنامج القوى الجزئية، فإنها تؤدي بالضرورة إلى طريق مسدود. وهو أمر جلي في مجرى الصراع العنيف، الظاهر والمستتر حول "الوطنية العراقية" من جانب مختلف القوى السياسية. وظهر ذلك بوضوح أيضا من خلال مطابقة فكرة "الوطنية العراقية" و"الإجماع الوطني" مع فكرة استبدال "الاستحقاق الانتخابي" "بالاستحقاق الوطني". ويكشف هذا الاستبدال عن طبيعة القوى الجزئية وليس الفكرة. أما القوى التي جعلت من "المقاومة ضد المحتل" من اجل "تحرير العراق وعروبته"، فقد كشفت عن استحالة تحقيقها بفعل طابعها الجزئي، أي طائفيتها السياسية (السنية). ومن ثم لم تكن فكرة التحرير تعادل فكرة الحرية، كما أن شعار عروبة العراق لم يكن أكثر من عرابة السلطة! والشيء نفسه يمكن قوله عن القوى القومية الكردية بهذا الصدد. إذ لم يكن دفاعها عن "الديمقراطية" و"محاربة الطائفية" و"الاستحقاق الوطني" سوى الصيغة الظاهرية للعرقية المتآكلة في مجرى التغيرات الاجتماعية السياسية التي أعقبت فوزها الأول في ظل غياب "العرب السنة" في اقتسام السلطة. وذلك لأن القوى القومية الكردية قوى عرقية بالنسبة للعراق. إذ لا تمثل الوطنية العراقية بالنسبة لها أكثر من 9% والبقية الباقية "كردستانية". وحتى حالما تزيد هذا الرقم إلى 17% أو عشرين أو أكثر، فإنه ليس من اجل تأكيد العراقية بل للحصول على امتيازات عرقية. أما القوى التي تمثل الطيف الشيعي، فإنها القوة الوحيدة التي تحتوي في أعماقها على إرهاصات توسيع المدى الاجتماعي للفكرة الوطنية العراقية. وهي إرهاصات قائمة في صلب وتاريخ التشيع العراقي باعتباره تشيعا للعراق. أما "التكتل السياسي الشيعي" المعاصر فانه مجرد صيغة مؤقتة لاستعادة الفكرة الوطنية العراقية والقومية العربية الثقافية (وليست العرقية أو العنصرية). والسبب والمقدمة الواقعية لذلك يقومان في انه إذا كان منطق الديمقراطية الملازم لفوز الأغلبية يقضي في مجراه على شعور الغلبة، فإن القضاء على شعور الغلبة يفضي إلى سيادة فكرة المسئولية المشتركة والحقوق العامة. وهي عملية معقدة وطويلة نسبيا سوف تسحب الجميع إلى الاشتراك الفعال في تنظيمها بوصفه أسلوب تذليل فاعلية "النسبة" العرضية (من عرقية وطائفية وجهوية وأمثالها) بالنسبة لفكرة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. وفي هذا تكمن ضمانة التطور التدريجي للنظام الديمقراطي والدولة الشرعية والمجتمع المدني بوصفها منظومة مترابطة. لاسيما وأنها العملية الوحيدة القادرة على تحرير المجتمع والفكر من مختلف الأوهام. وقد تكون أوهام الزمن الطائفي والعرقي من بين أكثرها أهمية بالنسبة لتأسيس الدولة الجديدة وآفاقها المستقبلية. 
فالطائفية بشكل عام والسياسية بشكل خاص الواسعة الانتشار في ظروف العراق الحالية ليست إلا الوجه الآخر للانحطاط الثقافي العام وبؤس الحاضر. مما جعل منها على امتداد الصراع المتنامي ما بعد الصدامية الوتر الوحيد لعزف القوى "السياسية" الحزبية الضيقة. ويعكس هذا العزف أولا وقبل كل شيء بؤس الحياة والفكر والثقافة والمستقبل. لكنه بؤس له مقدماته الفعلية في مجرى تراكم التقاليد الراديكالية والإرهاب الشامل الذي ميز النظام الجمهوري في مراحله المختلفة. 
فقد فاجئ سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية المفاجئ الجميع بإمكانية احترابهم الهمجي. بمعنى أنه أفرز للمرة الأولى إمكانية إعادة ترتيب الأمور بطريقة تكسر هيمنة الرتابة الطائفية السياسية السابقة. ولا يمكن لهذا الكسر أن يكون شيئا آخرا غير توسيع وتعميق وتشديد الرؤية الطائفية السياسية ودفعها إلى النهاية، من اجل اكتشاف حدودها، بوصفها بنية تقليدية متخلفة ومن ثم غير قادرة على العيش والانتعاش طويلا في ظروف المعاصرة.   
وهي ظاهرة برزت ملامحها الجلية في اشتداد الاختلاف على مستوى "التمثيل الطائفي"، والمتشابه على مستوى "المنهجية" والرؤية والقيم. وهي نتيجة طبيعية. وذلك لان الطائفية من حيث مقدماتها وآلية فعلها واحدة، بوصفها بنية تقليدية مغلقة، أسلوبها الأمثل للسيادة هو الإبقاء على ثنائية السادة والعبيد، أو القادة والطائفة عبر مصادرة العقل وحرية الفكر. وقد أدى الغزو والاحتلال إلى تفجير وتعميق وتوسيع حالة التشوه الكامنة فيه، ومن ثم تخلخل القيم والمفاهيم والمبادئ والشخصية الوطنية. وحاصر هذا التحول التاريخي والانعطاف الراديكالي الجميع في بدايته كما هو جلي في ظهور تكتلات وأحزاب و"شخصيات" طائفية خاطفة! ثم إلى تشرذم طائفي سياسي. مع ما لازمه بالضرورة من احتراب داخلي وتنافس دموي، أي كل ما يعكس خلله الذاتي وانحساره الطبيعي. 
والشيء نفسه يمكن قوله عن نهاية أوهام الزمن العرقي (الكردي). ومن الممكن تتبع هذه الحالة من خلال تحليل السلوك العملي والخطاب السياسي للنخب الكردية "القومية" السياسية والمثقفة، أي القيادات التقليدية والمتعلمين، وبالأخص في مجرى "الاندماج" التعيس بمخطط الاحتلال الأمريكي للعراق والتماهي معه، بحيث لم يبق في العراق قوة تتحدث عن "التحرير" غيرها! ولم يكن هذا "التوافق" مع الاحتلال معزولا عن تراكم النزعة العرقية التي لا تصنع في مجرى "كفاحها" غير مختلف عناصر اللاعقلانية والانحطاط. وتراكمت هذه العناصر في مجرى "النضال القومي" للحركات والأحزاب الكردية في العراق من خلال انعزالها التدريجي عنه وانفصامها عن مستقبل الاندماج التاريخي والطبيعي به من جهة، والتكامل مع مختلف القوى التي ناصبته العداء من جهة أخرى.  
ولم تكن هذه الظاهرة معزولة عن طبيعة الصراع العالمي الإقليمي الذي لف المنطقة، وبالأخص بعد انهيار الحكم الملكي وحلف بغداد وصعود الراديكالية السياسية. لكنها ظاهرة تعكس من حيث مقدماتها الذاتية طبيعة الضعف الذاتي للحركات القومية الكردية و"القومية" الكردية ككل. ومن الممكن رؤية ملامح هذه  الظاهرة في "الرجوع" إلى العراق بعد انهيار الصدامية، أي في تناقض "التخلي عن الاستقلال" السابق للغزو الأمريكي والنضال من اجل "الفيدرالية". وتتعارض هذه الخطوة مع فكرة "التحرر القومي" وتشكل رجوعا إلى الوراء مقارنة بما كان من "استقلال"، لكنها نموذجية فيما يتعلق بكشفها لطبيعة النفسية والذهنية الملازمة للحركات القومية الكردية التي بلغت في مجرى "استقلالها" المحكوم بالغطاء الجوي الأمريكي البريطاني الفرنسي، درجة التقوقع العرقي. ويتمثل هذا التقوقع من حيث آليته وغاياته النموذج الصهيوني، أي "الاحتلال البشري للأرض!"، مع انه لا ارض كردية في العراق بل أكراد فقط.
لقد كان "سر" الرجوع الطوعي إلى بغداد جزء من إستراتيجية السرقة والتأثير "على المركز". ولم يكن المركز في الواقع سوى قوات الاحتلال. بمعنى العمل معها عن قرب من اجل التحضير والتأسيس لفكرة الانفصال. فقد كانت تتوازى هذه الفكرة مع كل الأفعال الظاهرة والمستترة "لقوى التحالف الكردستاني". بحيث نعثر عليها في نمط السرقة والابتزاز العنيف الذي ميز هجوم الميليشيات الكردية بعد سقوط السلطة الصدامية، وفي سلوكها تجاه فكرة ونمط "الفيدرالية"، التي لم تكن في الواقع أكثر من تنظيم يحدد نمط السرقة والابتزاز للمركز، وفي عملها تجاه ترسيخ مبدأ المحاصصة في كل شيء، وفي محاولات ابتزاز الثقافة والمثقفين من خلال "بيوت الثقافة" المأجورة ومهرجاناتها الركيكة، و"علاج" المثقفين المرضى، أي مختلف نماذج الرشوة المبطنة، والقيام بكل "المآثر" الممكنة من اجل تقويض فكرة مركزية الدولة والفكرة الوطنية العراقية.
غير أن النتيجة الجلية الآن هي بداية انهيار المشروع العرقي الكردي في العراق. وهي نتيجة حتمية! إذ يعكس هذا الصعود والهبوط بصورة نموذجية خلل الوعي "الوطني" و"القومي" الكردي، بدأ من الصراع من اجل "الحكم الذاتي" وانتهاء بمغامرة "الفيدرالية العرقية". فقد كان في مجرى تاريخه الكلي والجزئي مجرد عنصر من عناصر الصراعات الإقليمية والأجنبية في المنطقة بشكل عام وفي العراق بشكل خاص. أما "التحالف الكردستاني" فقد كان الصيغة السياسية العملية التي فرضتها الولايات المتحدة في أول الأمر من اجل توظيفه في إستراتيجية "إعادة ترتيب" أوضاع العراق، ومن خلاله "الشرق الأوسط". بينما الآن هو استمرار عادي لصراعات تقليدية وبينية. لكن النتيجة واحدة وهي انه جزء من لعبة عقيمة بالأصل لأنها جزء من مشروع أجنبي وغريب. وفي هذا تكمن حتمية ما أدعوه بنهاية الزمن العرقي.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي