رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 21 حزيران( يونيو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 1986

تقييم التجربة العراقية (2003-2018)(4)

ميثم الجنابي
داعش والورقة الكردية – "جوكر" الخداع الاستراتيجي
للأحداث التاريخية الجسام اثرها في صيرورة الوجود والعدم، او الحياة والموت، والتحدي والاستجابة لإشكاليات الوجود على مستوى الفرد والجماعة والشعب والامة والدولة والثقافة. وبالتالي، فان مصير الشعوب والامم هو من حيث الجوهر انعكاس لما فيها من استعداد للفعل والعمل. وينطبق هذا على الجميع، الامم الكبيرة، والاقوام الصغيرة، والحركات الاجتماعية السياسية والاحزاب ايضا. 
وعندما نتأمل حالة العراق ما قبل الغزو الامريكي وبعده منذ عام 2003، فان حصيلته الجلية تقوم في كونها حالة زمنية وليست تاريخية، بمعنى ان العراق عاش ويعيش بمعايير الزمن العابر وليس بمعايير المرجعيات التاريخية الثابتة. والمقصود بالثابتة هنا هو انبثاقها وتراكمها بمعايير التجربة الذاتية الحرة. بينما لم يعش العراق لحد الان بمعايير تجاربه الذاتية، من هنا كثرة ما ادعوه بالعابرين الجدد ما بعد عام 2003، وما قبلها عابرون هامشيون، والتي جسدت الصدامية احد نماذجها الرقيعة وليست الرفيعة. بعبارة اخرى، يكشف المسار العراقي على كامل امتداد القرن العشرين وبدايته القرن الحادي والعشرين عن انه لا وجود تاريخي فيه بل زمن عابر. من هنا سرعة تهشم ما فيه مع كل انقلاب فيه، ومع كل مواجهة جديدة لإشكاليات وجوده السياسي والاجتماعي. ومن هنا هشاشته الداخلية كما نراه بصورة دقيقة سواء على مستوى العامة (الجماهير) او الخاصة (النخب). فكلاهما اقرب الى الحثالة الاجتماعية والسياسية. ولعل الانتخابات الاخيرة (لعام 2018) احد المؤشرات الحية بهذا الصدد. فقد حصلت "سائرون" على اعلى النسب، رغم ان المرء لا يعرف الى اين هم سائرون، وكيفية سيرهم والغاية من السير. فالعراقيون الان يتمتعون بالمشي على الاقدام مئات الكيلومترات الى "الاماكن المقدسة" ولا يمشي أي منهم نصف متر من اجل تنظيف شارعه وجوار مسكنه. من هنا فيما يبدو الاثر الباطني لشعار "سائرون". المهم ان يمشي استنادا الى شعار "الحركة بركة". ولكنها في الواقع ليست بَركة الابداع والحق والرؤية العقلية بل بركة المستنقع الآسن! وفيها وامثالها نعثر على العينات النموذجية لما ادعوه بهيمنة فكرة الزمن العابر. فالسائر عابر! او كما نراها في شعارات "موصل هويتنا" و"ديالى هويتنا" و"الرمادي هويتنا" وما شابه ذلك. بمعنى تمثل الفكرة الجزئية الضيقة وليس الوطنية العراقية. مع ان المنطق يقول بانه لا موصل ولا ديالى ولا البصرة ولا حتى بغداد شيئا بدون العراق. والشعارات الكردية اسخف واتم في سخافتها بهذا الصدد، بوصفها التعبير الضيق والساذج والعرقي، رغم ان حقيقة العراق هو ليس تجمع اعراق بل هوية وطنية خالصة. وكل من ينفيها او يقتطعها فهو عابر ايضا لا علاقة له بالعراق، ومن ثم لا حقوق له فيه. كما انها غربة الاغبياء. كل ذلك يشير الى ان هيمنة الزمن وانعدام التاريخ عادة ما يؤدي الى الهاوية او الهباء. كل هذا بدوره لم يكن معزولا من ناحية التقويم الزمني عن طبيعة التحول الراديكالي العاصف الذي حدث بعد انقلاب الرابع عشر من تموز 1958. فما قبل ذلك كان العراق يخطو بمعايير التراكم التاريخي والمؤسسات رغم كثرة المآخذ عليها. وذلك لأنها كانت مرحلة تأسيسية في ظروف الصيرورة الاولية للدولة والمجتمع والثقافة والاقتصاد، أي مرحلة الخروج من تحت رماد العثمانية الى رحاب الاراضي السخية لوادي الرافدين. 
لقد ادى هذا الانقلاب الى صعود وهيمنة الراديكالية السياسية، والتحزب المغلق، والصراع الاجتماعي السياسي والمناطقي والقومي في العراق، أي كل ما ادى في مرحلة التوتاليتارية البعثية (بعد عام 1963) حتى عام الاحتلال الامريكي للعراق (عام 2003) مرورا بالدكتاتورية الصدامية الى تخريب الجميع. ولعل اهم نتائج هذه المرحلة (الجمهورية الثانية والثالثة) هو فقدان الهوية الاجتماعية والوطنية للفرد والجماعة والشعب العراقي ككل؛ وظاهرة التحلل الوطني؛ وظاهرة الاجتماع بالإكراه والعنف. وبعد الغزو الامريكي انهارت آلة القمع والاكراه ومن ثم هيكل "الوطنية" و"العراقية" كما لو انها لم تكن. وتحول احتراب الجميع فيما بينهم الى الصيغة الواقعية "للوجود العراقي". وتلاشت كل قيم الوحدة والاخوة والتكافل والثقة المتبادلة، باختصار كل القيم الضرورية بالنسبة لوجود الدولة والمجتمع والشعب. وعوضا عنها اندفعت القوى السياسية المتحزبة، باثر الفراغ الناتج عن الاحتلال كما لو انها قشة لا وزن لها ولا قيمة. واصبح انعدام الوزن والقيمة السمات الملازمة للجميع. وبالمقابل اصبحت السلطة بوصفها اداة الجاه والمال والثروة الغبية، الى العروة الوحيدة والمعصومة من الغرق في هذه المنافسة القذرة. فقد وقفت القوى الشيعية امام حالة استثنائية نوعية باثر تغييبها من السلطة لقرون رغم كونها القوة الحاملة للعراق بكافة المعاني. فتاريخ العراق منذ المرحلة السومرية ولحد الان هي عالم الشيعة الحالي.بينما اصيب "اهل السنة والجماعة" بانهيار معنوي شديد. وذلك لا "قوتهم التاريخية" كانت على الدوام مرتبطة بالسلطة على اساس القاعدة القائلة بضرورة الصلاة وراء الامام برا كان ام فاجرا. وبما ان السلطة كانت على الدوام اقرب الى الفجور، من هنا تراكم هذ الشخصية بمعايير الانغماس فيها والتلذذ بنتائجها. بعبارة اخرى، لقد كانت سنّة العراق محكومة بهوس السلطة. واغلب تاريخها هو زمن السرقة والعنف الهمجي. من هنا ولعها بالانقلابات التي هو الوجه الاخر لنفسية الغنيمة. فقد كانت وما تزال هويتها الذاتية وطبيعتها المتراكمة باثر الجغرافية الطائفية والمذهبية اقرب الى القوة الهامشية والاطرافية.اما الاكراد، فانهم يقتربون من "السنّة" بوصفهم قوة هامشية واطرافية مع ضعف ذاتي جوهري. الامر الذي جعل من هذه القوى باثر طبيعتها وتطبعها، على خلاف فيما بينها. وهو خلاف متحدد بالاقتراب من السلطة والثروة والجاه، أي اسخف واتفه انواع الخلاف. اذ لم يكن هذا الخلاف على برامج ومشاريع انتشال العراق من الورطة التاريخية وانسداد افق تطوره الذاتي باثر التخريب الهائل والشامل للدكتاتورية الصدامية، بل على العكس، انه كان يهدف الى تخريب بؤرة التوحيد الضروري لاستمرارية وتراكم فكرة الدولة والمجتمع المدني. الامر الذي اثار حمية التنافس والصراع والمؤامرة والمغامرة. بحيث اصبح الصراع حول كل شيء. وكل طرف يريد سحب البساط من تحت اقدام الاخرين، أي ان المؤامرة والمغامرة اصبحتا القوة الوحيدة الفاعلة في الذهنية "السياسية"، والتي وجد تعبيرها "المؤسساتي" في افكار وقواعد "التوافق" و"المحاصصة" و"الشراكة"، كما لو ان العراق اقطاعيات وعوائل وشركات.ئ
الامر الذي ادى الى نتائج اقل ما يقال فيها غربتها عن العراق والنزعة الطردية عن المركز، والانهماك بكل الرذائل الممكنة والمحتملة، أي كل ما يتعارض مع حقيقة العراق التاريخية وهويته الذاتية. بحيث اصبح العراق اشبه ما يكون بقطع خردوات في مزاد شعبي! بحيث اتخذ التمدد الكردي طابعا مفرطا، واصبح العراق بالنسبة للأكراد غنيمة ينبغي افتراسها، وتحولوا من قوة هامشية الى قوة مركزية. بينما تحول السنّة من قوة مركزية الى قوة هامشية. الاولى تخرّب بمعايير السرقة الشاملة بفعل جوعها التاريخي، والثانية مخربة بمعايير نفسية السلطة المفقودة. من هنا التقاءهما في الوسائل والغايات، أي التقاء المصالح. الاكراد كانوا يسعون لتخريب الدولة وتدمير مركزيتها، والسنّة يفعلون بنفسية الانتقام. من هنا تلاقيهما بوصفهما قوى تخريبية لا وطنية ولا اجتماعية. اما بالنسبة للشيعة فقد تاهوا بين مصادر القوة واستراتيجية الخطأ والخطيئة. فقد ساهموا في توسيع مدى الطائفية السياسية عوضا عن سحقها بقوة القانون والقوة. ورفعوا شعار "الطائفة المغبونة" و"المقهورة" و"المظلومة" عوضا عن نفيها بمعايير الفكرة الوطنية ومركزية الدولة. فالطائفة الكبرى حالما تنزل الى مستنقع الطائفية فانها تتصّغر وتتصاغر بمعايير الفكرة الاجتماعية وفكرة الدولة. ورافق ذلك احترابها الحزبي الداخلي، الذي ضاعت بأثره كل مآثر الشيعة التاريخية والروحية. وتحول الامام علي والحسين وغيرهما الى اداة للاغتراب والسرقة والغش ومختلف اشكال الرذيلة الاخرى. بحيث تحولت العبارة الشهيرة "يا ليتنا كنا معكم لنفوز فوزا عظيما" الى قاعدة الفوز العظيم بالسرقة والنهب، وليس البناء والحرية الفعلية. ومع ذلك كانت القوى الشيعية السياسية، رغم كل خرابها النسبي، هي حاملة فكرة الدولة ومركزتها ووحدة المجتمع المدني بمقاييس التجربة الواقعية للعراق. وقد تجلى ذلك بأتم اشكاله في مجرى الصراع ضد داعش عبر تشكيل قوى الحشد الشعبي، بوصفه القوة الوطنية الهجومية وليس الدفاعية، العراقية وليس العرقية والطائفية. وبهذا يكون قد ارسى بشكل واضح وجلي ما كان يتراكم بعد سقوط الدكتاتورية البعثية الصدامية للانتقال الذاتي من نفسية "الشهادة والتضحية" الخاملة الى نفسية وذهنية التحدي والهموم الوطنية وبناء مركزية الدولة وحدودها الموحدة. الامر الذي تجلى في الاستعادة السريعة والخاطفة للشمال العراقي، ومن ثم رمي قوى الارتزاق الكردية الى حدود "الخط الازرق". وقد كانت تلك هي الخطوة التي لم تكتمل بعد، بمعنى ازالة الخطوط بجميع الوانها ومن ثم اعادة دمج الشمال العراقي بوسطه وجنوبه، وتصفية اية قوة تعارض او تعترض على ذلك. وبغير ذلك سيبقى العراق مليئا بالثغرات، خصوصا اذا اخذنا بنظر الاعتبار فقدان الاغلبية الكردية للمشاعر الوطنية العراقية، واغترابهم عن تاريخه. الامر الذي يشير الى غربتهم عنه واغترابهم عن مصيره. من هنا نفسية التخريب والسرقة والاستعداد الدام للخيانة الوطنية، وبالأخص في التيار البارزاني. ويقترب منه بهذا الصدد اغلب التيارات السنيّة. اذ تحولت دول الخليج والسعودية، بوصفها القوة المعادية للعراق بالغريزة والتاريخ والثقافة والمذهب والدين والمصالح والتوجه، الى "مكة" الموائد والرشوة. كل ذلك جعل من العراق لحد الان قوة رخوية بمعايير الجسد، وهشة بمعايير الروح. وكشفت الانتخابات الاخير لعام 2018 عن هذه الحالة. بمعنى امتلاء الصراع من جديد بالقبح الاخلاقي والمعنوي والسياسي كما هو جلي في تزوير الانتخابات ونتائجها، والسرقة والتهديد، بمعنى ان نفسية العصابة والسرقة ما زالت تتحكم في نفسية وذهنية الاغلبية الساحقة من القوى السياسية. ومن جديد اخذت بالنتوء المؤامرات وراء الكواليس من اجل مناصب السرقة والابتزاز. غير ان هذه الحالة المزرية التي تكشف عن دناءة اغلب القوى السياسية وشبه الانعدام الفعلي للروح الوطنية والدولة، اظهرت ايضا القدر الضئيل من مساعي التجديد واخراج الرعيل القديم من البرلمان، ولاحقا السلطة ومؤسساتها. الا ان كل هذه التحولات مازالت زهيدة وغير ثابتة لأنها تفتقد الى المؤسسات، وقواعد الكفاءة، والاحتراف، والمسئولية، والرقابة القانونية والاجتماعية، وتطبيق القانون كما هو، وكثير غيرها. الامر الذي يشير الى امكانية المراوحة في مستنقع الخراب والتخريب. 
ان تجربة خمسة عشر عاما تكشف عن ان الدولة والعراقية وافاق تطورها مازال هشا. اذ لا ثبات فيها لحد الان لغير السرقة والنهب. وهذه من المفارقات التي يصعب حلها احيانا بالعقل والمنطق. ولا يبقى من حيث الجوهر الا الاسلوب المجرب الا وهو استعمال القوة للتوحيد القسري على الطريقة البيسماركية، بوصفها طريق التوحيد ومن ثم بلورة استراتيجية البدائل عبر الرجوع الى النفس وارساء الاسس السليمة "للجمهورية الرابعة". واستكمال ذلك او بالترافق معه الاشتراك الفعال في بناء التحالف الاقليمي العراقي الايراني السوري اللبناني، بوصفه محور المقاومة من جهة، واعادة ترتيب المثلث العربي(العراقي السوري اللبناني) - الايراني – التركي من جهة اخرى. وبالتزامن مع ذلك العمل من اجل الاخراج النهائي والتام للقوى الاجنبية وبالأخص الامريكية من العراق والمشرق العربي. انها مهمة المستقبل الضروري للعراق من اجل انتشاله من المأزق التاريخي الفعلي الذي ادت اليه الدكتاتورية الصدامية والاحتلال الامريكي. وبالتالي اعادة الهيبة الفعلية للدولة العراقية والعراق، ومن ثم تفعيل دوره الذاتي والاقليمي. 

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي