رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 21 حزيران( يونيو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 1986

حدائق ميزوبوتاميا.. توراة ورصيف كتب

نعيم عبد مهلهل
الأهوار المبتلاة بوهم الفردوس والعطش  

(في اليوم الذي وزعت فيه الأنصبة كانت الحصة المخصصة لي العذاب والألم).
 شاعر سومري مجهول/ من كتاب ألواح سومر لصومائيل كريمر
 (ليس هناك أعذب وأجمل مما يمنحه الماء لنا من خيال، فهو يطفو بنا أينما نريد، حتى الى أمكنة الفردوس وحدائقه، وبالرغم من هذا ليس للماء السنة تقول وداعاً لكل من على الضفاف).

الروائي البرازيلي أستورياس
يوم أنزل الله آدم (ع ) على الأرض، كانت رغبة النبي الأول أن يكونَ مهبطهُ قرب ساقية ماء، فلـُبي طلبه وأنزلَ قرب ملتقى نهرين يهبطان من شمال الأرض الى جنوبها، دجلة والفرات اللذين يشكلان ذاكرة التحضر لكل ذرة تراب فوق هذه الأرض، وقد استوطن على ضفافهما مختلف الأقوام والحضارات والممالك والعشائر وانتهاءً بمترنحي الليل وعشاق الهوى. الجميع أخذوا من النهرين كلمة الوجود وصنعوا منها حياتهم وعاشوا على حب الله والماء اخوة من مذاهب واثنيات واعراق مختلفة، حتى أن دجلة والفرات لملما أطراف الثوب العراقي بإصرار وعناد بالرغم من الريح الغريبة التي كانت تمزق أطراف هذا الثوب في غزواتها التاريخية العديدة. وعلى ضفاف الفرات وقف الإسكندر المقدوني واطلق آهة أوصلته الى المنية: (هل لي أملٌ بالانحدار جنوب بابل لأجد الآلهة التي صنعت من جنائن الماء خلودها وحروف الكتابة)، وربما كان المقدوني يبحث عن مغامرة مشابهة الى مغامرة ملك اوروك جلجامش، التي قد يكون قد قرأها في ترجمتها البابلية على واحد من رفوف مكتبات معابد الإله مردوخ، وجلجامش كان ابن القصب والماء، يعني أنه ابن الأهوار، وحتماً كان يجيد صناعة القارب المطلي بالقير وكان يجيد دفع (المردي) ليصل ربما أبعد مما وصل إليه الإسكندر حتى لو في حدود الخيال فقط، وهذا ربما هو ما شد الملك المقدوني ليحذو حذو جلجامش، لأن البطل السومري كان يتحدث عن خلود وفردوس وأبد لا ينتهي بظلمة قبر وجسد ينخره الدود، وهو ما كان وما زال يرهب ويقض جميع مضاجع الأباطرة والملوك ورؤساء الجمهوريات والأثرياء من أعضاء البرلمانات ومجالس الشيوخ.
كانت سهول وادي الرافدين مكاناً مثالياً لصناعة البؤر الحضارية المختلفة. وكانت منطقة جذب مغرية لكل أولئك الباحثين عن الدفء والغذاء والاستقرار لهذا تعاقبت عليها الدويلات والسلالات ذات العروق والانتماءات المختلفة. كل هذه المفاصل دفعت هذا الوعي لكشف الجديد، فكانت المناغاة، وكان الطين، وكان اللوح، وكان الحرف، وكانت الكلمة التي صنع العراقيون منها تأريخهم الذي تلونت فيه أشكال وجود لم تستقر فيه حال أبدا، بل كانت خطوطه البيانية تصعد وتنزل وفقَ إرادات خضع لها العراقي بفعل فطرته وطيبته، إرادات تربع عليها الملوك والأمراء والإقطاعيون، فكانت الحضارة العراقية التي شهت نموها الكوني مخالطة طوب الطين بنصل السيف، ولهذا نرى في صورة الإبداع النحتي للملاحم مشاهد غزو وموت واسود تنهش عبيداً.
ولدت الكلمة مع ولادة الحرف والتطور الذي صاحب نشأته من الشكل الصوري إلى الشكل التعبيري الذي ظل معنا حتى الساعة.  كان الحرف المسماري يمثل ذائقة مكتشفة لحاجة كبيرة هيأت للمجتمع العراقي البدائي مراحل حضارية مختلفة، صاحبها الكثير من المتغيرات الكبيرة والهائلة والتي كان الطوفان أكثرها تأثيراً في هذا المتغير والذي صنع مع نفاد تأثيره مكانا بيئيا صالحا لهكذا نمط من الحياة الحضارية التي يطلق عليها حضارة القصب والطين.  
شكل القصب ذاكرة المعمار الأول لصناعة الظل الذي نقل الإنسان من العراء إلى السقف وليغادر والى الأبد حياة العراء، وكان الأداة الأولى التي دافع فيها عن نفسه ضد الحيوانات الكاسرة والمتطفلين قبل أن يتعلم التعدين ويحول الحديد إلى سيف وسكين ومعهما تبدأ الحروب ويبدأ الضجيج والفوضى حتى وهو يؤسس من بقايا المياه التي خلفها الطوفان المدن والقرى والممالك البدائية في عصور جاءت بعد الانكماش الجليدي والبدائية الحجرية ليأتي القصب ومنه يصنع أول أداة للكتابة وهو القلم الذي سير حافته المدببة على لوح الطين الرطب ليكتب أول الحروف التي حملت معنى هاجسه الأول وعبرت عن رغبةٍ مكبوتة ربما أولها كانت مشاعر حب ومودة تجاه أنثى ما.
خلفت حضارة القصب الرافدينية مجدا هائلا من المنجز الذي أورث المتعاقب من الزمن تراثاً رؤيوياً ومادياً وفكرياً مهد لولادة حضارات عظيمة أخرى كالبابلية والأكدية والآشورية. وكان تأثيرها ممتدا إلى جهات كثيرة من العالم بفضل تأسيس قاعدة للتجارة مع الأبعد كما كان يمارسه السومريون بناة حضارة القصب الأوائل مع الشعوب الهندية والأقوام الفارسية وتلك التي سكنت الخليج العربي وكان لهم أيضا صلات تجارية مع آسيا الوسطى وربما ابعد من ذلك.
وعلى مدى عقود طويلة عاشت حضارة القصب والطين وازدهرت فيها حواضر وممالك كانت في ذلك الزمن تمثل نقطة المدن على الأرض ومحطة لبعث الرسل والأنبياء، من آدم ومرورا بنوح وإبراهيم ولوط وأيوب ويونس (عليهم السلام) وغيرهم من الذين حملوا شمعة التبشير ليقاوموا ما أسس عليه الإنسان من رؤى في طرائق التعبد والإيمان كما فعل إبراهيم (ع)، عندما حطم آلهة أور بفأسه وليثبت لقومه أنها مجرد أحجار ودمى لا تنطق ولا تفعل شيء.
لا تؤرشف الألواح تواريخ الأنبياء بصورة واضحة ودقيقة مثلما فعلت الكتب السماوية، لكن اللوح أرّخ لتفاصيل الحياة بكل مفاصلها حتى الروحي والديني منها، ولكنه في هذا الجانب كان يؤرخ عبادات غير تلك التي أنزلت بواسطة الرسل والأنبياء، وهذا لا يعني أن هذه الأمم والشعوب لم تنتبه إلى هدي هذه الكتب، بل لأن تلك الألواح أرخت تواريخ كان فيها الإنسان يؤمن بالشرك والحجر وآلهة مسماة من قبله يعتقد إنها المخلصة، وكان لكل شعب آلهته، بل ولكل مدينة آلهتها.. وبالرغم من هذا خلق هذا التنوع في اختيار وصناعة الآلهة آفاقاً واسعة للاكتشاف والإبداع والتطور في كل الميادين، وما تم كشفه في أقبية مقبرة أور المقدسة من قبل العلامة ليوناردو وولي في عام 1920 يكشف لنا عن مدى التطور والرقي الذي وصلت له الحضارة السومرية في زمن سلالة أور الثالثة، بدءاً من الموسيقى وانتهاء بدقة وروعة المصوغات الذهبية وما خلفته هذه السلالة من ألواح تشريع لملوكها وأهمها شريعة مؤسس هذه السلالة الملك السومري أور ـــ نمو. فيما كان ابنه شولكي من امهر العازفين والمؤلفين الموسيقيين وكان كاهناً وشاعراً أيضاً. 
صنع القصب وعياً مفتوحاً للذاكرة العراقية، وشكل مع الطين ثنائياً أزلياً في محاولة العراقي لتطوير حياته وبيئته في الجانب الفكري والمعماري، وكانت بيوت القصب التي مازالت شاخصة حتى هذا اليوم في قرى ومدن الأهوار، هي ذاتها من اتخذها العراقيون الأوائل أمكنة للسكن وللتعبد ولبناء سلالاتهم المجيدة.
كان الطين يرتبط بالخلق العراقي الرافديني من خلال خلق الله البشرَ، لهذا فهو يرتبط بالوجود الحضاري والأزلي للإنسان أكثر من أي عنصر آخر ويشاركه الماء في هذا الامتياز، لنتجاوز مسمى حضارة القصب والطين، فنقول الحضارة العراقية هي حضارة الطين والماء والقصب.
تكلم الطين فأنتج لنا آدم عليه السلام. وتكلم آدم فأنتج لنا البشرية، وتكلمت البشرية فأنتجت لنا التأريخ، وتكلم التأريخ فأنتج لنا العبر والتجارب.
هذه البديهة هي نتاج هذا الاختيار الذي وقع على هذه البقعة من الكون لتكون موطن البدء الحلم والهاجس وهندسة الحرف. ومن الحرف كانت المعرفة، ومن المعرفة كانت الحياة الجديدة التي كان الطين واحداً من أسس نشأتها وتطورها، الذي حمل كل اشتغال البشر وإحساسهم بالوجود وفعالياتهم التي يكاد يكون فيها البناء وطقوس العبادة والحرب والزراعة هي أهم ما كان الإنسان العراقي الأول يعيه ويمارسه.
العناصر الثلاثة امتزجت في وحدة صلبة وصنعت هذه الخارطة. وعلى أديم شواطئها كتبت تفاصيل الدهشة الكونية الأولى. من قصيدة الشعر إلى سند شراء العبد وحتى الملحمة.
تدوين يؤرخ الفعل والحديث، فكانت يوميات القرية والمدينة والمعبد ترينا سيراً ينبض بالفعل الجاد والعمل الدوؤب الذي رافق الإنسان الرافديني منذ صوت مطرقة الحداد ومروراً بمحراث الزراعة وانتهاء بسيف المعركة.
وقائع تتلوها أخرى أراد فيها الإنسان أن يثبت رقي انتمائه وتحوله من برية اللامعنى إلى مدنية الكلام والعاطفة والحب. وهذا ما بدا تأثيره واضحاً في جميع المدونات التي كتبها بقلم القصب على الطين الرطب والتي تحكي تفاصيل مدهشة عن أحاسيس الفرح والحزن والخلود وطاعة الملك وافتراس العدو في ساحة المعركة وشرائع النكاح والخيانة الزوجية والبيع بالمقايضة وأسلوب الرسائل المتبادلة بين العاشق وعشيقته وبين الإنسان وآلهته وبين الملك وولاته. 
دون العراقيون خليقتهم الأولى بأنتظام واستعانوا بالحرف الذي اكتشفوه ليسجلوا هذه الوقائع وفق المرئي والمتخيل.
المرئي هو ما سجلته يومياتهم والمراسيم وتواريخ الملوك والأحداث وحروب المدن والسلالات وطقوس الأعياد والمناسبات، والمتخيل هو أساطيرهم والملاحم والتعاويذ ونصوص التودد إلى الآلهة وطلب رضاها والمغفرة. وبين هذين الهاجسين تعاقبت أجيال وعاشت السلالات والممالك والأمبراطوريات تبني مجدها وحضاراتها وفق ما اكتسبت شعوبها من إرث وتقاليد وثقافة ليختلط في تلك الأمم أهم فعلين حضاريين ظلا يلتصقان في حياة الشعوب والأمم حتى يومنا هذا، هما هاجس التدوين وهاجس الحرب. ويبدو ان اقتران التدوين في الحرب ظل لصيقاً تاريخياً وملازماً زمنياً انتجا هذا الكم الهائل من التراث والشواهد مثل المسلات والرقم وأسفار حياة الشعوب التي كانت لا تكتب جيداً إلا عندما تنتهي معاركها المصيرية. كما فعل ملوك سومر واشور وبابل وغيرهم من الشعوب العراقية التي سكنت هذه البلاد منذ خليقة الطين وحتى اكتشاف المعادن مثل الحديد وغيره التي ساهمت في دفع المنتج الحضاري وتطوره ومنها صناعة ادوات الفلاحة ومصوغات الذهب والفضة ومكاييل البيع والشراء وأسلحة الحروب والأواني النذرية والطبخ وغيرها من مستلزمات الحياة. وكل هذه الفعاليات كانت أرضا ما بين النهرين هي مكانها المزدهر والأزلي.
وكانت المنطقة التي غمرت بالفيضان الموسمي للنهرين والتي تسمى الأهوار هي الحضارة الأولى للتجمعات المدنية في العراق بعدما كانت الحياة المدنية في الشمال تقترب من حياة الكهوف والمجمعات الطينية الصغيرة. ويبدو أن الوعي العراقي في أزله بدأ جنوبياً عندما اكتشفت اوروك صورة الحرف ومفهومه، وكان للقصب النابت بكثافة في المياه الضحلة دور كبير في تطوير شكل الحرف ورسمه، وعندما ولد الحرف هناك ولدت معه الأفكار والمدونات وما كان يشغل بال الإنسان من أن النهاية لن تكون مجرد هيكلٍ عظميَ في العدم بل أن الخلود الآخر موجود في مكان ما، بعض المدونات افترضته سماوياً، والآخر افترضه أرضياً كما في جنة دلمون. 
أعتقد أن المكان وجماله واتساع مدى المسطحات التي فيه أضافت الى الثروة الطبيعية، الحيوانية منها والنباتية والدفء الدائم أعطى للمكان خصوصية ان يتعلق فيه الإنسان الأول ويضيف اليه الكثير من الهالات المؤسطرة والحقيقية، ولتجعله مكاناً مقدساً ينظر اليه بكثير من الرهبة والتأمل والتطلع. ولهذا كانت أدبيات وأساطير الإنسان الأول تبني موضوعاتها على هذه المكونات. كما في حلم الملك كوديا الذي يعد أول الأحلام التي كان فيها مؤشر الأمر يراد منه خدمة الآخرين كما في إشارة التبيلغ السماوي للأنبياء والرسل عندما حلم بأمر الآلهة أن يذهب إلى عمق الأهوار ليجلب القصب ويبني معبداً لها.وفي أسطورة التحدي الأولى التي أراد فيها الإنسان أن يصبح نداً لآلهة الفردوس وهي أسطورة آدابا، الذي كان صيادا للسمك، وهي واحدة من أهم وأشهر مهن سكان الأهوار، وهذا يعني أن آدابا كان رجلا اهوارياً، ورؤى تخيل الفردوس ورغبته فيه سكنته قبل غيره من سكان البيئات الأخرى في وادي الرافدين؛ حيث لم تذكر لنا الأدبيات القادمة من آشور وبابل عن هاجس البحث عن الخلود سوى ما نقلوه هم وورثوه من الآداب السومرية التي عاشت سلالاتها في عمق الأهوار وعلى ضفافه. والكثير من الجداريات ترينا طبيعة ما كان موجوداً ويعاش في هذه البيئة من صور ونحوت لأسراب الطيور والسمك والعربات التي تجرها الجواميس وبيوت القصب، حتى اكتشف علمياً أن شكل المضيف العربي الذي يبنى في الأهوار من مادة القصب والمتميز في بوابته وشكله المحدودب ما هو إلا شكل متوارث من بيوت أهل الأهوار من السومريين الذين كانوا يعيشون هناك ويتخيلون فراديسهم وحياتهم مثلما تعكسها عليهم رؤى الطبيعة وبيئتها، وليظل هذا الفردوس واحدا من صفات التشبث بالمكان والالتصاق به بالرغم من الظروف القاهرة التي عاشها أبناء هذه المناطق، بدءاً من الغزوات الأجنبية التي قادها الفرس والعثمانيون والإنكليز وانتهاء بمؤثرات الحروب الحديثة ومشاريع التجفيف، ودفع سكان هذه المناطق للهجرة والابتعاد عن مواطن سكناهم، فكانت هذه العملية كمن يخرج السمكة من شاطئها، ويريد لها أن تعيش بعيداً عنه. غير أن المكان وكما عهدته التواريخ ظل مرتبطاً بذاته البشرية والجغرافية، وعاش رغم ظمأ الأنهر والسواقي في ممكن الحياة البسيطة وتحولت تلك المسطحات الى مشاريع لزراعة موسمية للحنطة والشعير لم يكتب لها النجاح في الكثير من مفاصلها، اختفت بشكل تدريجي تلك (الأيشنات) التي كانت تشكل مجتمعات سكانية صغيرة داخل المياه، فيما اختفت بعض أزليات الطبيعة التي كانت تشهد مواسم تجمعات الطير القادم من أمكنة بعيدة حيث مثلت الأهوار مشاتي آمنة للكثير من طيور المناطق الأوربية الباردة مثل الإوز والسنونو وبعضها يأتي بهجرات منتظمة من الصين ومناطق جنوب شرق آسيا مثل البط والحذاف والكراكي ودجاج الماء وغيره من الطيور. 
هذا المفترض كما في الأخيلة العراقية القديمة فاشتغلت عليه ومنذ سنوات الكثير من الأفكار والخطط والمشاريع والمزايدات. وظهرت على هامش المكان الكثير من منظمات المجتمع المدني والمؤسسات والتجمعات البيئية والشعبية، تدافع عن المكان وخاصيته وضرورة تطويره وعقدت عشرات المؤتمرات والندوات، وصارت لافتة أحياء بيئة الأهوار لافتة عريضة لمن يحب المكان ويحرص بنفس غيور ووطني على تقديم المقترحات والعون والكشوفات. وآخرون يريدونه واجهة للكسب والإثراء والإيفاد، وبدأ الصراع الخفي بين المؤسسات الحكومية المسؤولة عن تطوير المكان، وبين جهات أخرى لها الكثير من المصالح والأجندات تجاه المكان ومنها أجندات حزبية واخرى عشائرية وربما هناك من يحاول التأثير في المكان حتى من خارج الحدود. وكان دائما يقال أن الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو ومنظمات عالمية اخرى كانت تسعى قبل تغير النظام الى إعادة المكان الى سابق عصره. ولكنها اليوم لا تفعل شيئاً سوى بعض الخطوات الصغيرة على شكل مؤتمر سنوي او نداء او خطط مستقبلية، وربما وزارة الموارد المائية وحدها من يتحمل العبء الأكبر في محاولتها لإعمار المكان وتطويره، لكنها ايضا تعمل في حدود امكانية موازنة خطة اعمار الأهوار وهذه الموازنة معرضة للكثير من ضغوط الفساد الاداري وضعف كفاءة المقاول والمنفذ والضغوط الأخرى التي تتعرض لها من جهات حزبية وعشائرية وغيرها. وكنت في أكثر من مناسبة قد تحدثت وحاورت السيد وزير الموارد المائية في هذا الجانب وشاهدت عن قرب مشاريعه وخططه ومنجزه، ولكني أيضاً لمست الى جانب الحرص الكبير من الرجل أن روح التنفيذ عند من تحال اليهم تلك المشاريع والرؤى لتنفذ يقعون في خانة بعض بيروقراطية ومزاج ونفسية المستشارين عندما شاهدت في واحدة من هذه المفاصل طبيعة تعامل احدهم، وهو يتصرف على هذا النحو مستنداً الى عصبيته القومية والحزبية وغير ذلك من امور كنت اعتقد ومازلت انها سببٌ في التأخير للكثير من المشاريع والطموحات التي يسعى اليها الوزير، ثم هناك عامل آخر ساهم في تعطيل الكثير من المشاريع التنموية لعالم الأهوار هو انخفاض وقلة مناسيب المياه القادمة من أعلى النهرين حيث ينبع النهران من تركيا ويمر احدهما بالاراضي السورية، وكلتا الدولتين اقامت السدود والخزانات لتطوير بنيتها الزراعية او استخدامها كورقة ضغط  ما ادى الى ظهور مصطلح حرب المياه، وعدت هذه الحرب أقسى وأكثر تاثيراً من العمليات العسكرية ومن نتائجها تعطيش المكان وزيادة رقعة المناطق المجففة وموت الثروة السمكية والزراعية وظهور الكثير من الأمراض الجديدة والغريبة على قطعان الجاموس والماشية والطيور ايضا، إضافة الى أن ضحالة المياه المستخدمة في الشرب ساهمت بانتشار الأمراض بين سكان المنطقة ومنها الكوليرا والتايفوئيد وامراض هضمية اخرى ساعدها في ذلك قلة الخدمات الصحية والمتابعة في بلد وصلت ميزانيته بصورتها الانفجارية الى110 مليار دولار.
إذن، نحن نتحدث عن وهم فردوس عندما نريد ان نظهر للعالم جمال بيئتنا وسحرها وأصولها التاريخية، ويبدو أن هذا العالم مبتلى بكل شيء على مستوى الطبيعة والإنسان، حيث لا يتجزأ الاستلاب هنا، فما يصيب الطبيعة يصيب الإنسان، وما يصيب الإنسان يصيب الطبيعة لأن ثنائية التعايش قائمة بين الإنسان وطبيعته منذ الأزل. ولهذا أبعاد عن اهل الأهوار عن بيئتهم قد يعني إبادة او انتحارا، وعلى مدى عقود كان سكان هذه المناطق يظهرون للغازي والمحتل عناداً في المقاومة. وكان الغزاة يولون هذا المكان عناية الدهشة ويبعثون مستشرقيهم وضباطهم الأشداء لمعرفة المكان وطبيعته ليسهل السيطرة عليه، لهذا نرى أن الأجانب والغرباء من كتبوا عن المكان وخصوصيته هم أكثر وأهم من الكتاب العراقيين الذين تناولوا الموضوعة نفسها، وكتابي (العودة الى الأهوار) و(المعدان) لماكس كالفن وثيسكر دليل على هذا، فالكتابان صورة حية لوقائع الحياة ومشاهدات صادقة عن عالم يصفه ماكس كالفن في مقدمة كتابه بأنه يمتلك ارثاً حضارياً اصيلاً ورائداً، وإن المكان بخصوصيته وطبيعته الساحرة يمتلك الحق ليسكن ذاكرة العراقيين وهي تفترضهُ واحداً من أمكنة الفردوس التي تخيلها البشر اقترحوها أو تلك التي كتبوا أمكنتها والسعي لها في قصصهم وأساطيرهم، فيما كتبت المستشرقة البريطانية الليدي دوورا عن المكان من خلال حياة طائفة الصابئة المندائيين. وفي أولى محاضرتها عن المندائيين والأمكنة التي يتواجدون فيها والتي ألقتها في المعهد الآسيوي العالمي في لندن تحدثت دوورا عن الأهوار واعتبرتها واحة لجنائن ضمت بين ثناياها الكثير من الأعراق والديانات والأصول. وقالت إن هذا المكان كان في نظر الصابئة المندائيين المكان الأنسب لممارسة طقوسهم الدينية والدنيوية، حيث الماء الجاري الذي لا يمكن إجراء التعميد بدونه، وحيث القصب والطير والأسماك ولهذه الأشياء أهمية كبيرة في الطقوس الدينية. ويعتقد المندائيون أنهم من اقدم المذاهب والأعراق التي سكنت المكان وهم كانوا مع آدم ونوح وإبراهيم (عليهم السلام)، ثم العصور التي تلتهم. ولم يزل هؤلاء الى اليوم يحتفظون بما ورثوه وتعلموه من أجدادهم الأوائل في ممارسة طقوسهم وعاداتهم، وظلوا ومنذ آلاف السنين يحتفظون بخصائصهم الاجتماعية والروحية في ترابط تأريخي نادر وأصيل.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي