رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 16 اب( اغسطس ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2024

محاكمة الدكتاتور ..!

قاسم حول

أن أكتب عن محاكمة الدكتاتور، فإنني كمن يطالب بالمستحيل. لكنني حين أكتب فأنا أكتب للتاريخ وللغد ولحكومة عادلة ديمقراطية نظيفة حتى وإن كانت إفتراضية أو هي في الحلم. لقد تم إعدام الدكتاتور بقرار خارجي متقن وحقق هدفين. الأول إغلاق ملف الدكتاتور الخطير وإحكام غلق الأسرار بمفتاح أودع في خزانات تل أبيب، والهدف الثاني إضفاء الوطنية على الشخص الذي وضع توقيعه على قرار الإعدام، كي يقدم لجمهور العراق شخصية وطنية شجاعة، حتى يمر العراق بمرحلة خطيرة تنهب فيها الأموال تحت غطاء الوطنية الشيعية!
دكتاتور العراق لا شك هو شخصية خطيرة حققت للدولة العبرية ما لم تحلم بتحقيقه، فلقد أنهك الجيش العراقي لدرجة المرض، وأضعف جيش إيران، وأتاح للدولة العبرية إستخدام الأسلحة الملوثة التي زرعت أمراضاً ستراتيجية في العراق وإيران يدفع ثمنها الشعبان العراقي والإيراني، وبعد هزيمته في الحرب قام بغزو الكويت وزرع الكراهية بين شعبين من الصعب أن تزول من ذاكرة التاريخ.
 ودكتاتور العراق قام بإغتيال شخصيات فلسطينية عجزت الدولة العبرية عن تحقيق إغتيالهم وفي المقدمة منهم الشخصية العبقرية الفلسطينية "وديع حداد" الذي دوخ الدولة العبرية وصار رمزاً للحركات الثورية في العالم! 
والدكتاتور المريض جمع كل شقاة العراق ومجرمي العراقي ليخلق منهم قوى أمنية شريرة، جمعوا كل الوطنيين الشرفاء،  وزجوا بهم في بيوت الأشباح ليمارسوا معهم كل أشكال العنف والتعذيب والسلوك اللا أخلاقي، وكرس ولديه لإغتصاب صبايا العراق في حفلات ماجنة كثيرا ما تنتهي بالتصفيات الجسدية! 
ودكتاتور العراق هيمن على بساتين النخيل وجعل منها ملاه ليلية ماجنة له ولأتباعه ومرتزقته وجعل منها مناطق محرمة لغير القتلة ورجال الأمن، تمارس فيها كل  طقوص الدعارة واللهو الماجن!
ودكتاتور العراق قام بتصفية القادة الشرفاء من العسكريين الذين كانوا يحبون الوطن ويدافعون عنه بروح وطنية أخاذة، إذ لا يروق له أن يسمع كلمة إطراء شعبية بحق عسكري حقيقي، وهو الذي إرتدى الزي العسكري زيفا برتبة مهيب ركن! 
ودكتاتور العراق فرض قسوته على الشعب الكوردي فأودعهم الأنفال وأباد قراهم بالأسلحة الكيميائية "قرية حلبجة نموذج من هذه القرى" وحاول أبادتهم عن آخرهم في قصف بالطائرات التي كانت تهز كيان الجبال  وكان يتسلى في مشاهدة أطفال الكورد وهم يتضورون جوعا وعطشا بعد أن القى بهم أهلهم في دروب الفرار!
ودكتاتور العراق غير مناهج العلم والتعليم إلى مناهج حرب، وغير الأناشيد المدرسية إلى أناشيد حرب تشيد بالقائد الضرورة. وجند طلبة الجامعات ليرسلهم جنودا غير مؤهلين لساحات الحرب " ويا هلا بصدام وفوت بيها وللزلم خليها وفوت بيها وياك عداي وقصي، وهذا أبو الحسنين ساكن بيها"! فجعل الفنانين كورساً للغناء حتى يذلهم منشدين، وهم يلهجون بإسمه القبيح "هلا بصدام"!
ودكتاتور العراق هشم المقومات الإقتصادية للعراق وأدخل الدينار العراقي في خانة التضخم وصارت نقود العراق تحسب بالميزان إذ يتعذر حسابها لتدني قيمتها الشرائية. إذ لم يعد للدينار قيمة شرائية تذكر!
ودكتاتور العراق دفع بثلاثة ملايين عراقي للهجرة خارج وطنهم تاركين ممتلاكاتهم وأحلامهم ليعبث بها شقاة الأمن ومرتزقة النظام، هاجروا خوفا من التنكيل وغرف بيوت الأشباح والمصير المجهول!
هذا المعتوه الذي كرس كل طاقات العراق البشرية وثرواته الطبيعية لخدمة نزواته النرجسية هو وحده الذي وضع لإسمه صفات تفوق أسماء الله الحسنى، وقع رئيس وزراء العراق قرار إعدامه لكي يغلق الملف وتغطي الأحداث اللاحقة أحداث الماضي فتنسى، لكنني سارعت في إنتاج فيلم "المغني" الذي أربك رجال مخابراته ومرتزقة نظامه. هذا الفيلم الذي تحول المؤسسة الدينية التي جاءت بعد سقوط الطاغية دون أن يشاهده العراقيون، لأنه يشكل منهجاً لحياة غير هذه الحياة وغير تلك الحياة!
سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي