رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 16 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2099

تقييم التجربة العراقية (2003-2018) (5)

ميثم الجنابي
الجمهورية الرابعة – "جمهورية الاحتمالات" و مرجعية الرجوع إلى النفس.
أدى سقوط التوتاليتارية البعثية في العراق في نيسان عام 2003 إلى انتهاء فترة طويلة من تاريخ الجمهوريات الدموية الخارجة على القانون. وللمرة الأولى بعد أربعة عقود من الزمن ظهرت إمكانيات متنوعة للاحتمالات في التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي. فقد شكل سقوطها في عام 2003 مرور أربعين عاما بالضبط بعد استيلاء حزب البعث على السلطة في الانقلاب الغادر عام 1963. ويرتقي هذا الزمن من حيث رمزيته وفاعليته في تكون الأفراد والشخصيات إلى مستوى النضج الكامل و"سن الحكمة" و"النبوة". وفيه يتولى الناس أيضا شئون موتاهم بطريقة توحي بان أمرا ما قد انجز وبلغ التمام. ويواجه العراق هذه الحالة الفعلية في وقوفه أمام احتمالات هائلة في مختلف الميادين للبرهنة على نضوجه المادي والمعنوي. تماما بالقدر الذي تشكل معيارا على نضجه السياسي والاجتماعي في مواجهة الإشكاليات الكبرى لإعادة بناء الدولة والمجتمع.
إن انتهاء الديكتاتورية البعثية الصدامية يعني في الوقت نفسه انتهاء واحدية "الاحتمال". مع أن الاحتمال يفترض بحد ذاته التنوع. غير أن التوتاليتارية ضيقت على كل شيء بما في ذلك مفهوم الاحتمال، الذي يشكل من حيث الجوهر نقيضها المادي والمعنوي. إذ قضت على كل الاحتمالات، وأبقت على يقين واحد يقول، بان المستقبل هو الموت فقط. ومنه صنعت فكرة ونموذج الوحدة التي يشترك في اصفرارها وخمولها وفسادها الموتى جميعا! من هنا فإن التحول العاصف الذي لف العراق بعد عام الغزو الامريكي لا يقوم في انتهاء مرحلة "الجمهورية الثالثة" فحسب، بل وفي تنوع الاحتمالات العديدة لتطوره اللاحق. الأمر الذي يجعلنا نضع فكرة الاحتمال بوصفها العنصر الأكثر جوهرية في تحديد ماهية "الجمهورية الرابعة". 
ليست "الجمهورية الرابعة" التي ما زالت إمكانية أكثر منها واقعا سوى المشروع السياسي والثقافي المحتمل للدولة العراقية المقبلة. وفي الإطار العام ليست "الجمهورية الرابعة" في الواقع سوى الفرضية الكبرى التي يمكنها (وينبغي أيضا) تمثل تجارب العراق في مختلف الميادين منذ نشوئه وحتى الآن عبر اختزالها التام في مشروع اشمل وأتم لبناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافية الإنسانية المتفتحة. وبالتالي ليست هناك من مهمة كبرى ينبغي البرهنة عليها أكثر من تحقيقها بأساليب ديمقراطية. ولا يمكن تنفيذ هذه المهمة دون تقييم التجارب السابقة بشكل عام وتجربة العقود الأربعة بشكل خاص لما لها من آثار مازالت سارية المفعول في استمرار الخلل البنيوي الشامل في الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والقيم. ولعل المرجعية الكبرى الآخذة بالنمو بهذا الصدد، رغم تناقضاتها الفجة أحيانا، تقوم فيما يمكن دعوته بادراك أهمية وجوهرية الرجوع إلى النفس، باعتبارها مهمة تأسيس الدولة الحديثة.
فإذا كان ضلال الأفراد، أيا كان نوعه ومستواه، هو جزء من حياتهم الشخصية، فإن ضلال الأمم هو عين السقوط في هاوية الأوهام والرذيلة. فالأول جزء من دراما الحياة ومن ثم يحتوي على إمكانيات متنوعة النتائج، بينما لا يحتوي الثاني إلا على قدر محتوم هو ضياع الأمل وانحطاط الوجود. فالابن الضال يعود وفي انتظاره عيون حنونة، بينما ضلال الأمم هو ضياع الروح وتيه الجسد! وهي حالة مأساوية نادرة الحدوث، لكنها تحتوي مع ذلك على إمكانية واحتمال صنع مأثرة تستحق الغناء والتمجيد أو مسخرة لا قيمة لها. وفي كلتا الحالتين ليس أمام العراق مهمة المفاضلة بينهما مازال يقف أمامهما بوصفهما جزء من مصيره الفردي والوجودي. بمعنى وقوفه أمام حالة فريدة ونادرة في تاريخه العريق، كما لو انه يريد البرهنة من جديد على بديهة قد يكون هو أول من عانى من اجلها وأسس لها بمعايير الحس والعقل والحدس، ألا وهي أن رؤية الظلال في الضلال هي بداية الصعود الفعلي لأشعة الوعي الذاتي. ولا يمكن لهذا الوعي أن يتكامل إلا بعد تأسيسه لفكرة "الرجوع إلى النفس" بوصفها مرجعية متسامية. 
وليست هذه "الاظلة" سوى الصيغة الأولية لحركة الوعي الاجتماعي والسياسي باتجاه إدراك قيمة الرجوع إلى النفس. وسوف تستغرق هذه العملية فترة طويلة نسبيا، بسبب كمية ونوعية الانحطاط المادي والمعنوي الذي تعرضت له بنية الدولة والمجتمع والثقافة بشكل عام والسياسية منها بالأخص. وما لم ترتقي النخب الاجتماعية والسياسية إلى مستوى تمثل إشكاليات العراق باعتبارها إشكالاتهم الخاصة، وتمثلها في الأقوال والأعمال والرؤية الإستراتيجية للبدائل، فإن الضياع يبقى ملازما لحالة العراق. 
فالإسقاطات التاريخية مثل التعميم السريع هي الصيغة الخربة للاجتزاء والتطويع الأيديولوجي. وعادة ما تلازم هذه الصفة الوعي السياسي المبتذل، كما أنها عادة ما ترافق نشوة المنتصر ومرارة الحسرة القابعة في أعمق أعماق النفس الغضبية حالما تتعرض للهزيمة والانكسار. ومن الممكن رؤية ملامح هذه الحالة في الخطاب السياسي للقوى "المنتصرة" و"الخاسرة" في ظروف العراق الحالية. مع ما يرافقها من بروز لمختلف نماذج الخطاب الطائفي. وهو خطاب لا عقلانية فيه ولا واقعية. ومساهمته الوحيدة تقوم في إذكاء نفسية العداء والانغلاق، وتجميد العقل والبصيرة، وإجبار الضمير على قبول الرذيلة والانهماك في تبريرها وتجميلها و"تقدسيها". وفي نهاية المطاف تحويل طبيعة الإنسان الاجتماعية إلى تطبع على احتقار قواعد العيش المشترك. ولا يتفنن في تصنيع وتهذيب هذه الهمجية وقدرتها على القتل والفتك شيء أكثر من النزعة الطائفية والعرقية، بوصفها الحلقة التي تقفل على المرء والجماعة إمكانية التحرر من ثقل الماضي. بمعنى العيش والبقاء بما فيه من قيم ومفاهيم. وبالتالي إخضاع الحياة إلى أصنام ميتة.
ومفارقة الظاهرة تقوم في أن الأصنام الميتة اشد فاعلية من غيرها على تمويت العقل والروح والضمير. ويمكن رؤية ملامح هذه الحالة في طبيعة وحجم التمويت السياسي للعقل النقدي والروح الاجتماعي والضمير الوطني. وتشير هذه الظاهرة بحد ذاتها إلى نوعية العقوبة العقلية والأخلاقية والروحية التي يتعرض لها العراق حاليا. لكنها "عقوبة" تاريخية سياسية ثقافية هي الثمرة الخربة لزمن الراديكالية السياسية ونموذجها "الأرقى" في التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية.إن صعود مختلف مظاهر اللاعقلانية في العراق كان نتيجة مترتبة على تراث هائل من تقاليد الاستبداد والقهر والاغتراب عن حقيقة العراق ومكوناته التاريخية الجوهرية، ومرجعيات ثقافته الذاتية. ونعثر على هذه الصورة ونموذجها التاريخي في كيفية صعود الأموية وممارستها الخاصة تجاه العراق. فقد كان التاريخ الأموي فيما يتعلق بالعراق هو حلقات متراكمة من الإرهاب والقتل العنيف لسلسلة ولاة قساة، بدأ من عبيد الله بن زياد ومرورا بالحجاج الثقفي وخالد القسري وانتهاء بيوسف الثقفي. فقد صنع هذا التاريخ بدوره حلقات لا تنتهي من الاحتجاج والانتفاض والتمرد أدت في نهاية المطاف إلى انهيار الأموية واندثارها التاريخي، بوصفها قوة لا علاقة جوهرية لها بالعراق، ولا رابط يربطها به غير استخراج الخراج وسرقة ثرواته وانتهاك حرماته. 
ومثلت الصدامية في الواقع الصيغة "الحديثة" للأموية القديمة. بمعنى أنها جسّدت بصورة نموذجية تقاليد الاستبداد والقهر والاغتراب عن حقيقة العراق. فتاريخها هو زمن القتل والتهجير والحرب والإبادة، ووجودها هو اغتراب دائم عن كل مرجعياته الثقافية الذاتية. فقد جعل من دار السلام دار الحرب والقبيلة والعائلة، وتلاشت قيمة العلماء والأدباء والفنانين والمفكرين، وأصبحت مرتعا لمرتزقة العسكر والإعلام المؤدلج والأذواق الرخيصة. واندثرت فيه كل معالم التطور والتقدم والرقي، بحيث تحول العراق إلى كابوس يجثم بثقله على كاهل الأحياء. ولم يعد العراق غير كمية من الثروات المصدرة والآثار المهربة للبيع في مزاد الانحطاط الذي أشرك في ولائمه كل من هب ودب! وقد أدت هذه العملية بعد عقود مريرة إلى تفريغ كامل للعراق من مكوناته التاريخية الجوهرية. وليس مصادفة أن يستعيض العراقيون البسطاء في نطقهم لاسم صدام بكلمة هدام! وهو "السجع" الوحيد الذي يمكن أن يصنعه زمن الاستبداد والانحطاط. لكنه سجع يحتوي في أعماقه على الصدى التاريخي لأرث عريق من طلب الثأر والانتقام من كل ما هو مغترب ويسعى لتغريب العراق عن مرجعياته الثقافية الذاتية.ذلك يعني، أن التجربة التاريخية المتكررة لانتقام السلطة المضاد تكشف عن نمو يفوق كل التصورات المحتملة في نوعية وكمية انتقامها. فإذا كانت المعارضة العراقية تعادي السلطة بقيم الحق والشرعية والعدالة، فإن السلطة كانت تنتقم من المجتمع وقواه الحية. وهي العبرة التي استطاع العباسيون فيما مضى تمثلها والاستفادة منها من خلال إلغاء فكرة الأموية ونموذجها ومكوناتها وقواها الذاتية. كما كانت المقدمة التي أدت في الواقع إلى نشوء وتطور الحضارة العربية الإسلامية بوصفها ثقافة كونية. ومن ثم فهي "النموذج" القابل للإحياء بالنسبة للدولة العراقية الحديثة. من هنا فان السؤال الجوهري والعملي الأكبر يقوم في كيفية الانتقال من أموية مغتربة عن العراق إلى "عباسية" عراقية. إن ملامحها تتراكم أمام العيان، رغم تباين المرحلة واختلاف القوى المشتركة في الانتصار عليها. ففي الماضي أدت الأموية بفعل تشريدها للقوى العراقية والانتقام من كل عراقي، إلى أن جعلت "الداخل" و"الخارج" يحتمي فقط برغبة الانتقام والتشفي منها. وفي الماضي ظهر أبو مسلم الخراساني، والآن من تدعوهم بقايا الأموية "بالصفويين". أما في الواقع، فإن كل "السلطة" الحالية هي من "الخارج". أنها قوى مهجرة ومغرّبة من جانب الأموية الصدامية وليست مغتربة بذاتها. إن كل القوى المعارضة هي من "الخارج" (المجلس الأعلى، والدعوة، والأحزاب الكردية، والليبراليون، والشيوعيون، والمستقلون وغيرهم). إنها القوى التي تكتلت من خلال تفاعل إشكاليات صراعها مع الصدامية، لكنها كانت جميعا محكومة بقوة المواجهة العنيفة ضد القهر والاستبداد والتهجير. والاستثناء الكبير الوحيد هو للحركة الصدرية، بوصفها حركة "الداخل" المهمش والمهان والمبعد والمحتقر! ومن تلاقي وتواجه وتصارع قوى "الخارج" و"الداخل" العراقي ظهرت إشكاليات سوء الفهم، المحكومة في اغلبها بسبب الاحتلال الأمريكي. ومهما يكن من أمر القوة التي أسقطت الصدامية، فإن الواقع يشير إلى أن سقوط الأموية الصدامية هو بداية الاحتمالات المتنوعة للبدائل. وإذا كان من الصعب تحديد آفاقها بصورة دقيقة، فإن مما لا شك فيه هو حتمية اشتداد الصراع لكي تتم عملية ما يمكن دعوته بالتطهير الذاتي. وهي عملية أشبه ما تكون بالطوفان، لا يقف إلا حيث تقف قوة اندفاعه الذاتي. وكما حدث بعد سقوط الأموية الأولى من تصفية وتطهير لها واستكمالها بظهور الخليفة "السفاح"، فإننا نقف أمام ظهور سفاحين صغار وكبار. وهي عملية لا يمكنها الهدوء ما لم تبلغ نهايتها. كما أنها العملية المؤلمة التي تتصف بقدر كبير من الدموية والعنف. وبالتالي ليست الطائفية السياسية والعرقية والجهوية وغيرها سوى بعض مظاهرها. وسوف تجبر هذه المظاهرة الجميع على إدراك حدودهم الذاتية، ومن ثم البحث عن "مساومة" تاريخية جديدة تعيد للعراق إمكانية بناءه الذاتي. بمعنى التوصل إلى أن إعادة بناء العراق تفترض الانطلاق من مشروع عراقي خالص، بوصفه مشروع المستقبل. ولا يمكن تحقيق هذه المشروع دون صنع وحدة ديناميكية بين فكرة وآلية عمل النظام السياسي والدولة. ولعل أفضل صيغة واقعية لها في ظروف العراق الحالية هي فكرة مركزية الدولة ودولة القانون من خلال تنشيط وتوسيع مدى فكرة الأغلبية السياسية والقضاء على كل نماذج التجزئة التي شكل "نظام المحاصصة والشراكة والتوافق" نموذجها العملي. 
والمقصود بمركزية الدولة هنا هو شرعية سلوكها المحكوم بالقانون، بوصفه أساس ومصدر الإرادة الوطنية القادرة على الفوز في معركة المستقبل. وهو الرهان التاريخي الذي ينتظره العراق كدولة ونظام سياسي ومنظومة اجتماعية واقتصادية وعلمية وثقافية تلامس كل هموم الأفراد والجماعات والمجتمع. 
مما يضع أمام جميع الحركات السياسية والاجتماعية العراقية المعاصرة بغض النظر عن عقائدها مهمة إدراك العبرة التاريخية والسياسية والأخلاقية من تجربة التخريب الشامل التي لازمت زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية ومرحلة "الحكم المؤقت" و"نظام المحاصصة". أما فكرة دولة القانون، فان المقصود بها هو الصيغة المثلى لتمثل حقائق التاريخ العراقي الحديث. وهي المهمة الأعقد بسبب انعدام تقاليد الدولة ومؤسساتها. من هنا شراسة المواجهة العلنية والمستترة من قبل البنية التقليدية للأحزاب بشكل خاص. وفي الوقت نفسه هي مهمة وطنية كبرى، لأنها تضع احد اخطر الشعارات الدقيقة أمام اختبار فعلي وتاريخي كبير، يرتبط نجاحه بنجاح بناء الدولة الحقيقية. وهذا أمر مستحيل دون الربط الفعال بين مركزية الدولة وبناءها على أسس الاحتراف المهني والعلم الحديث، وليس على أساس الانتماء الحزبي والعقائدي. فالأخير عاجز عن تمثل حقائق التاريخ والعلم. بينما دولة القانون هي تاريخ فعلي وعلم دقيق مفتوح على كل الاحتمالات العقلانية والإنسانية. 

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي