رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 16 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2099

السرد واللغة في رواية "المدونة الرقمية" لـ حنون مجيد

قراءة: يوسف علوان
في رواية "المدونة الرقمية – حب هذا العصر" للروائي حنون مجيد التي صدرت عن "دار غراب للنشر والتوزيع" في العام 2016 ، اشتغل الكاتب حنون مجيد في عملية السرد على اسلوب الميتاسرد، الذي يتطلب تقنية سردية تقوم على فكرة التداخل النصوصي بين حكايتين، والعلاقة البنيوية بين الحكايتين تفضي الى معمارية سردية واحدة، ويجري الربط بينهما من خلال تناظر مجموعة من الأحداث المتشابهة ويتم في هذه المحاور تناول احداث معينة في حياتي الراوي وصاحب المدونة، ومن خلال التنويه في مقدمة الرواية التي اخبرنا فيها الراوي أنه وجد المدونة/ الرواية على شكل قرص الكتروني في شارع المتنبي، في واحدة من ايام الجمع الكثيرة، التي كان يزور فيها هذا الشارع والذي يعج بالأدباء والمعجبين  بالأدب والثقافة، ويُعجب أنه كيف انتبه لهذه اللقية بينما هو  الذي لا يهتم لمثل هذه الأمور: 
"ربما من هنا كان سروحي وزهدي، حتى نده قلبي الى ذلك الحب الخلاق، وتسلل الى جوارحي ثم تناهى بي الى سماوات ثلاث او اربع او حتى سبع، قرصٌ مغلف بشريط لامع شفاف مرمي على ارض المتنبي، يحمل على صفحته المعروضة للعيان عنوانا لافتا مرسوما بخط الثلث الرصين، كأنه صادر من بين أنامل هاشم االبغدادي الخطاط، يقول "المدونة الرقمية" مع عنوان فرعي أصغر مكتوب بخط الرقعة لا تكاد تتبينه العين المسرعة "حب هذا العصر"(ص8)
وبهذا نرى ان الراوي قد كشف لنا عن حكايته السردية وعلق عليها، وكما تبين ذلك واضحاً في المقدمة السابقة أنه وجد "المدونة/ اللقية" وتبرأ منها رغم ان اسم المدون شبيه باسم الراوي (سليم ناصر): "إن السر في تماهي اسمي مع اسم مدون هذه الصفحات، هو التماهي عينه الذي يحصل احيانا بين الشخصيات في أدق أسرارها، وهذا شيء عجيب واعتقد أنه سيظل مدة طويلة بلا جواب، ولكن لماذا السؤال إذا كنا نجد في ما نقرأ سواء عنا أم عن غيرنا مفاتيح الى متعة ما؟".(17)
كسر الإيهام بالواقعية لإبعاد الوهم والاستلاب عن المتلقي الذي مارسه الراوي بكشفه لأصل/ مادة الحكاية الخام لم يكتف به فقط، فقد ترافق عرضه لأحداث هذه المدونة مع التعليق من قبل الراوي وزوجته على احداثها، أي أن الراوي قارن بين ما كان يحدث لصاحب المدونة أو ما مر به مع ما يمر به هو وزوجته: "كنا نرتشف قهوتنا بصمت صاغرين، نستمع، مع مشاعر الحب التي "نقرؤها" ، الى اصوات خافتة بدأت تنوس في دواخلنا، تحثنا على الاستمتاع بلحظتنا، فثمة مطر وتباشير حب تشبه مشارف اغنية جميلة"(ص41).  وكأن السردين المتوازيين – أحداث المدونة وتعليقات الراوي- تحدث في وقت واحد أو في وقت متقارب، لذلك نرى تناوب شخوص الرواية – الراوي وكاتب المدونة - على السرد، (استخدم الراوي في تعليقه على هذه الأحداث بحرف بارز ومائل متميزا عن حرف المدونة، كما نوه في مقدمته التي سبقت عرض المدونة) في الحديث عن ما كان يمر به العراق، تلك الظروف التي تعايش فيها العراقيون مع الموت بأبشع اشكاله، بعد احداث العام 2003 المشؤومة، فالتفجيرات المتلاحقة والقتل على الهوية، والتسليب في وضح النهار، وتهجير أهل البلد الأصليين من المسيحيين وباقي الديانات والطوائف والقوميات، الذين لا يستطيعون ان يمارسوا القتل والسرقة، التي سادت جميع المدن والشوارع والأزقة، كذلك الفوضى العارمة التي صاحبت غياب السلطة في البلد. هذه الظروف الصعبة التي دفعت الكثيرين للهرب من البلد؛ أصحاب الشهادات واصحاب المهن، والذين يمتلكون المال والذين لا يمتلكون، المثقفون والمتدينون، الطائفيون واللاطائفيون، فالجميع كان معرضا للموت، وأمست الصدفة في حياتنا هي التي تقرر متى يموت الشخص او لا يموت. في أي وقت وبأي صورة! الموت وحده كان يتجول في الشوارع والأزقة في جميع المدن، ويختار من يخطفهم ويترك اهاليهم يبحثون عنهم، في اكثر الاحيان لا يجدون أثرا لهؤلاء الابرياء الذين قتلوا. وسيكون ذوي هؤلاء المخطوفون سعداء اذا ما وجدوا مفقودهم مقتولا وحصلوا على جثته برأس او بدون رأس، محروق او مرمي بالنهر، مات برصاصة او بسكين او باي أداة أخرى. ووسط هذا الموت والخراب صورت لنا "المدونة الرقمية" قصة حب غير معهودة لرجل وامرأة جمعت بينهم مهنة التعليم والأدب والفن؛ مدير المدرسة الأديب المعروف، ومُدِرسة الرسم الفنانة التشكيلية، من وسط الركام والموت أزهرت الحياة بذرة حب خجولة، لا تستطيع ان تعلن عن نفسها، لأنها جاءت في غير زمانها ومكانها. يصفها كاتب المدونة: "قارئي العزيز إنما هي صفحات كتبت بدم حار ما لديك منها بعض ما لدي، فإن قبلها عقلك وحسبها واقعاً حيا كما لو انه واقعك، فلك الحرية في ان تتقدم فيها وكما يحلو لك، أما اذا لم تحسبها ككذلك فما هي سوى سطور سود دبجها خيال جامح جمعها في قرص لا تعدو مساحته مساحة الكف، فلك الخيار في أن تتقدم اوتحجم"(ص13). 
خلال صفحات الرواية التي امتدت على 546 صفحة من الحجم الوسط،  استعان الكاتب في عملية التقطيع من خلال اللجوء الى العناوين الداخلية.  ويعتبر تقطيع النص إلى مجموعة من المقاطع الصغرى أو الكبرى، عملية منهجية للإحاطة بدلالات النص الظاهرة أو العميقة. كما أن هذه العملية خطوة أولية ضرورية لاستخلاص الوحدات المعنوية ، وحصر البنيات الصغرى والكبرى التي تتحكم في بناء النص، وتعمل على تمطيطه وتوسيعه. والعناوين الداخلية تعمل على تحديد الأقسام التي يتكون منها العمل الروائي وهي اقسام تختلف عن بعضها البعض باختلاف المتلفظ/ السارد  .. ويعد العنوان في الحقيقة مؤشرا دلاليا مهما ، ومكونا بنيويا وظيفيا، وعنصرا سيميائيا بارزا في عملية تقسيم النص إلى مقاطع دلالية. فإذا ما أقدم القارئ على قراءة الرواية فسيجد ان هذا التقسيم راجع الى كون الرواية تتكون من اقسام والتقسيم هذا يساعد القارئ على استرجاع انفاسه اثناء القراءة، وتذكر ما كان يعنيه العنوان السابق والتهيئ لقراءة الجزء اللاحق من العنوان الجديد. 
ومن الاشتغالات الميتا سردية الاخرى ايضا؛ كسر الإيهام السردي من خلال حواريات المؤلف او احد ابطاله مع المتلقي او الاشارة له، وكذلك التداخل النصوصي واستشعار عمليات الانتقال من النص السردي إلى النص الميتا سردي والعكس صحيح أيضا، ان هذه الاشتغالات جلها اطلق عليها بالميتا سرد او السرد النرجسي او ما وراء السرد: 
"... أي يوم يناسبك الثلاثاء، حيث سأذهب عند صديقنا الفنان؟ والان هل انا عند حسن ظنّ قلبك النبيل"؟ 
"الثلاثاء، الثلاثاء سيتحقق أجمل أحلامي. أراكِ؟ يا لشوقي. هل أستطيع أن اكلمكِ بعد دقائق، إذا يا لسعادتي".
- أمعقول أنك لم تشتهِ حتى الان قدحاً مراً من قهوة تركية؟ هتفت زوجتي في اذني ونهضتُ.. كنت منداحاً مع الرسائل كما لو أنني غيمة بيضاء، او كما لو انني موجة بحر. فلقد عرفت مثل هذه الرسائل، كنت كتبتُ عدداً منها لامرأةٍ عرفتها قبل زوجتي، وظلت أصولها بين ركام كتبي أعود اليها ساعة تتوحش روحي وأحن الى الشيء الذي هدر في قلبي زمناً ثم مضى.
" أنتِ لي وكل ما بيننا يزداد فتكاً وضراوة، وكأن الايام لم تزدني إلا إصراراً. غداً سأمر على داركِ سأضع قدميّ على عتبة الباب، سأمسح بيدي غباره الثقيل، وقد أجرؤ قليلاً او كثيرا فأدق عليه"
وضعتْ زوجتي قدحي القهوة أمامنا  قائلة على مثل هذه الرسائل يجمل شرب القهوة، تماما مثلما يجمل على صوت المطر. وأردفت، ألا ترى أننا نطرب غالبا على الصوت وليس على الشيء نفسه؛ صوت البحر، صوت الريح، صوت الرعد صوت المطر، صوت الحب وهكذا...".(ص120)
في رواية "المدونة الرقمية- حب هذا العصر"  برز أسلوب حنون مجيد اللغوي، الذي يمتاز به في جميع اعماله السردية السابقة، فقد اجاد في رواياته وقصصه ومجاميع قصصه القصيرة جدا، وقدم في اغلب هذه النتاجات ما أفتن وأعجب قرائه. ولكون اللغة تعد من عناصر الرواية الاساسية ؛ لأنها الأداة التي يظهر ويتشكل من خلالها جميع العناصر الاخرى، المكونة للعمل الروائي. ويتفق الكثير من النقاد والمختصين بأن الرواية صياغة بنائية مميزة، والخطاب الروائي لا يمكن أن يتحدد بالحكاية فحسب، بل بما يتضمن من لغة جيدة توحي بهذه الحكاية، وبزمانها ومكانها وأحداثها، وشخصياتها. والرواية ليست لها لبنات أخرى تقيم منها عالمها غير الكلمات، ونحن لا يمكن أن نقول شيئا مفيدا حول رواية ما، ما لم نهتم باللغة التي صنعت بها. وصحيح أن البناء الروائي لا يكون متميزا في نوعه، ولا يؤدي الوظيفة الفنية المرجوة منه الا من خلال تآلف جميع عناصره؛ من حكاية، وأحداث، وشخصيات، وزمان ومكان وموضوع ومغزى. إلا أن هذه العناصر لا وجود مادي لها إلا من خلال اللغة. وعليه فإن اللغة هي القالب الذي يصب فيه الروائي أفكاره، ويجسد رؤيته في صورة مادية محسوسة، وينقل من خلالها رؤيته للناس والأشياء من حوله، فباللغة تنطق الشخصيات، وتتكشف الأحداث، وتتضح البيئة، ويتعرف القارئ على طبيعة التجربة التي يعبر عنها الكاتب. ومن سمات اللغة الروائية، أنها تقترب من الواقع على الرغم من أنها تعالج عوالم خيالية، لكنها عوالم تحاول الإيهام بالواقع المعيش، ولذلك يستخدم الروائي اللغة البسيطة الواضحة في السرد والوصف والحوار.وسيلاحظ القارئ ان الروائي والكاتب حنون مجيد، استطاع من خلال لغته الشعرية التي كتب فيها روايته "المدونة الرقمية"، ان يحيد الحدث والزمان والمكان، ويهمشها جميعاً لينفسح المجال واسعاً للشعرية وحدها، في نص نثري طويل مؤلف من جمل قصيرة مكثفة، توحي للوهلة الأولى بأنها لا تريد ان تقول شيئا ولا ان تروي حكاية، بل أنها تسعى للعبث بمخيلة القارئ وبصبره، هذا العبث الذي يضمن استمرار القارئ حتى النهاية، ليكتشف أخيرا صورا لم يكن قد شاهدها، وليتذوق جماليات لم يكن يألفها. ومن ابرزها رسائل الحب في المدونة التي صيغت بلغة ملونة، أنها صور شاعرية خرج الكاتب بها عن المألوف والمعتاد، واستطاع التفرد بذلك: "يا صديق الروح ومؤنس وحشة الايام. هل كان ذلك حلم ليل طويل. نور صبح شفيف. أحاول لملمة  فرحي لأطيل تأمل وجهك الحنون وعينيك النبيلتين"(ص142)  "من مطار بغداد أُحييكِ تحية المتوحد رغم الحشود"(ص230)، تحيتي، أنا في طريقي الى الكوت، أمس سهرت مع القمر، وحتى الأحد ستفصلني عنه ساعات، أتحبين القمر؟ إذن كلانا يحبكِ أنتِ وأنا"(317ص)، "صباحكِ الأنعم. سعادتي تسبقني إلى الغد، وسلامتك الأهم"(ص 409).في هذه الجمل/ الصور الجميلة استطاع الروائي، وهو الذي قضى عمره يعلم الأجيال اللغة العربية، ان يعي دور اللغة ويعمل على توظيفها بصورة دقيقة، وبما تتلاءم مع فضاء الرواية والشخصيات، شأنه شأن الرسام والنحات، والموسيقي، فلكل من هؤلاء أدواته التي عليه أن يجيد استعمالها، ولأن اللغة، كما قلنا، هي أداة الروائي، فقد أجادها وجعلها لنا صورا ولوحات نستمتع بها!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي