رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 15 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2079

اللجان ومرحلة الرعب الكبير

عبدالعظيم البدران

ما ان انتهى حريق مخازن المفوضية في جانب الرصافة حتى احترق احد الطوابق في محافظة بغداد، وقبلها حريق في وزارات عدة ودوائر كثيرة، ومن باب الصدفة قطعا ان الحرائق لا تلتهم سوى الاماكن المعنية بالادلة، وغالبا ما تكون العقود. والاغرب من هذا كله ان الحكومة لا تملك ارشفة الكترونية لوثائقها، فهي تعتمد مبدأ الثقة في التخزين، وحيث تكبر الثقة وتتمدد فغالبا ما تضيع الادلة ويكتفي المعنيون بشهادة الشهود فقط ويقيد الحادث لتماس كهربائي او قضاء وقدر! الحرائق شأنها شأن القصص الاخرى عن القتل والاختطاف والسرقات والادانات، ملفات النازحين ودور الامم المتحدة والسماسرة من الاحزاب المتنفذة، وغيرها من الملفات التي تفتح وتشكل لجان ولا يكتب لها ان تصل الى نتائج معلومة. والاشد في ذلك ان موضوعات كهذه لم تعد تثير الفضول بالمطلق، فسواء شكلت الدولة لجانا ام لم تشكل، فليس ثمة من يسأل عما تؤول اليه النتائج، فمنذ سنوات ولم نسمع عن ملف واحد شهد ادانة واضحة اتبعها بعقوبة تناسب حجم الموضوع، وكلما كبر حجم الموضوع وتداخلت في تفاصيله كيانات واسماء مهمة كلما كانت فرصة الوصول فيه الى نتائج ضئيلة بل وتكاد تكون معدومة.
اللجان تداخلت مع الاستجوابات وهي متداخلة بين المتابعات وبين الاعلانات الجوفاء عن تعقب المجرمين، يضاف اليها كم التصريحات التي تطلقها النزاهة والمفتشون، علاوة على ما يثيره الاعلام ويتوعده الساسة، وكل المشهد يوحي بما يقوله المثل الانكليزي بأن العربة الفارغة هي الاكثر جعجعة! ابتداء من ملف الكهرباء المحطمة وحتى الاتصالات، مرورا بايقاف خطوط النقل وتردي الخدمات وصولا الى التمثيل الدبلوماسي الخجل والخدمات البلدية المخجلة وحتى اخر يافطة زرعت للبرهنة على الانجاز ولم ترى النور، كلها لم تعد تثير الفضول. فهناك خلف من يتجرأ على فعل الاشياء مؤسسات ضخمة وقوى فوق السلطة والقانون!! واذا ما احتدم الجدال وهو خاضع لحسابات سياسية ليس اكثر، واذا ما صار الى مراقبة حتى وان كانت شكلية فهناك دواء بالتدليس واخر بالتسويف، وآخر الدواء الحرق!؟
العناوين اعلاه، تمارس تحت يافطة كبيرة كتب عليها العدالة، الجميع فيها يدعي وصلا بالانبياء والصالحين ويختط لنفسه موقعا بين العظماء في مجابهة الفساد ومحاربته، يصلي لرحمة البلاد والعباد ولا يترك مستحبا الا وفعله قربانا لهذا الهدف. لكن النتائج غالبا ما تكون مخيبة! تلك المرحلة الانتقالية بين من التسويف والتعطيل وكم اللجان فارغة المتحوى والاستهزاء بعواطف المواطنين ومشاعرهم، التهافت على المغانم وادعاء المكارم، والتناقض فيما بين الافعال والاقوال الى الحد الذي تزكم فيه الانوف، كل ذلك من المفترض انه اسس على أنقاض نظام شمولي استبدادي كان مسوغا لعمل الكثيرين، بل ومعيارا للتطور والانتقال الى مرحلة اخرى. لكن المرحلة الانتقالية تلك لم تفصح عن وجه حقيقي للسلطة، وهي تشبه الى حد ما مرحلة الارهاب والرعب الكبير التي حدثت في اثناء اعلان الجمهورية الفرنسة الاولى، حيث شهدت هذه المرحلة الكثير من عمليات القتل تحت مسمى الحرية، وهو ما اعطى وقتئذ معنى ما عرف بالرعب الثوري الذي أودى بأحلام فلاسفة التنوير والتفاؤل بدور العقل وما يمكن ان يقوم به في مستقبل البلاد عقب نهاية الشموليات الدينية السياسية، ولم يكن هؤلاء يتوقعون ما يمكن ان يؤول اليه العقل المتنور من تعصب وقتل وارهاب!
انتهت مرحلة الرعب الكبير كما يطلق عليها بالقبض على روبسبيير الذي كان مسؤولا عن اعدام الكثير تحت ذريعة مخالفتهم وعدائهم للثورة، ومن ثم اعدامه في حزيران1794، وبذلك دخلت البلاد مرحلة وضع الدستور وبداية الديكتاتوريات والشموليات الجديدة التي ظهرت بشكل الدولة القومية هذه المرة.القصة تكاد تنطبق بشكل كبير على مرحلة الفوضى التي نعيش في كنفها، فقط اختلطت مفاهيم الرفض لممارسات الفساد والتخلف الحكومي والتراجع في الاداء السياسي والمحسوبيات بمختلف اشكالها، وبين العداء للنظام السياسي والوقوف بوجه العملية الديمقراطية والعراق الجديد، وتحت هذا العنوان صارت كل موارد النقد مدحوضة ان لم تكن محرمة. وليس لاحد الحق في السؤال عما تؤول اليه السياسات الفاشلة، وكم اللجان التي تشكل وتسوف وكم الاموال والدماء التي تهدر تحت عناوين التنوير والتغيير!! لقد بات الحال بحاجة فعلية الى انهاء تلك المرحلة من التسويف والاستنزاف التي أضرت بالبلاد والعباد تحت عناوين العدالة، فيما لم توفر بيئة انتقالية واعية، وكانت اشبه بمرحلة لتأسيس طبقات ارستقراطية جديدة، الجميع فيها يشرعون ويشرعنون لانفسهم ممارسة الحصول على الثروة للتمكين! ووسط ذلك فلا صوت يعلو على المطامح، فما ان يشتد الخلاف السياسي بين الفرقاء ويستشعر الجميع بقلق ما تفرزه هذه الخطوة، حتى تتصاعد موجة اللجان، وتطمس الحقائق بالحرائق، ثم تعقبها لجان وتستمر سلسلة الاحداث التي يولد من رحمها ابطال جدد وكاريزمات جديدة وتعصب في رأس "مجهول"! ختاما وبعيدا عن لجان التحقيق في حوادث سقوط الموصل وفاجعة سبايكر وقضايا الاغتيال وصولا الى تفجير مدينة الصدر، وددت ان اسأل عما الت اليه اللجنة المكلفة بالنظر في حادثة مقتل العميد شريف اسماعيل المرشدي قائد اللواء المكلف بتأمين تحركات رئيس الوزراء وأمن المنطقة الخضراء؟ وهل لحكومة تفشل في الكشف عن قتلة مسؤول امنها وأمن موقعها الرئيسي وملاذها الآمن، وتنزل بهم العقاب؛ هل لها ان تكشف عن المتسببين في الحرائق!
بالتأكيد هي ليست سوى ملفات تكون النتائج فيها خاضعة للمساومة والحصول على مكاسب اكثر واكبر، ولله المشتكى!!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي