رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 23 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2044

زيارة الأضرحة المقدسة في إيران

هديل الجواري

اكثر الأشياء التي يمكن ان تترك انطباعا في الذهن، هي تلك الأشياء التي يمكن ان تقارنها مع ما موجود لدينا، فتكتشف الفوارق بين الاثنين، مع انهما من نفس الجنس والشكل ونفس الطقوس والعادات تقريبا. ذلك ما ينطبق على زيارة الأضرحة المقدسة بين العراق وايران. 
فمع الاقتراب من بوابة الدخول الى ضريح الامام الرضا (ع) في مدينة مشهد، هناك شكوك وارتباك كبير، وصور تركتها أساليب التفتيش التي تقوم بها مفتشات العتبات في النجف وكربلاء وبغداد. الضريح الواسع الكبير والمطل على أربعة او خمسة شوارع رئيسة هي قلب مدينة مشهد بالضبط، تكون أماكن التفتيش فيه غير ناشزة عن التصميم الخارجي والطراز المهول الذي صمم فيه الحرم، والتقاسيم المختلفة من ايوانات وبوابات ومداخل واروقة وابنية وقبب ومنائر حتى وكأنك للمرة الأولى تحتاج الى خريطة للتنقل في داخله او ان تستعين بحفظ الطريق الذي سلكته للعودة بذات الطريق. ومع حجم الاتساع في الضريح غير ان أماكن التفتيش لا تبدو واضحة او بارزة أو ان تشكل منظرا غير لائق يشوه المظهر المعماري المهيب!
ما ان وصلنا الى غرفة التفتيش، كانت السيدات الموجودات هناك، تبادل الوافدين بابتسامة لطيفة، لا تدقق في تفاصيل الامور، ولا تشترط سوى ارتداء العباءة (التشادور) كشرط للدخول، اضافة الى بعض الممنوعات العامة التي تشير بمنتهى الادب الى ضرورة ان توضع في أماكن خاصة للأمانات. واذا كان لديك طفل رضيع محمول فهناك استثناءات ستحظى بها، اهمها ان عملية تفتيشك ستجري خارج الطابور وعلى عجل!!
المشهد هنا، يحيلك مباشرة الى مشاهد اخرى وذاكرة عامرة بالزجر والوصاية والاوامر التي تحس معها انك خارج الشريعة وعلى غير هدى او صراط مستقيم وان مجرد قدومك الى الأماكن المقدسة سيذكرك بحجم المآسي التي ارتكبتها، وان كم العطور او المساحيق التي وضعتها على بشرتك ستدخلك الى جهنم دونما ادنى شك!
ستمسك السيدة بالمنديل المرطب وتسمح بشرتك لتؤكد عودة البشرة الى طبيعتها، ثم تتأكد من عدم ظهور اية شعرة خارج الحجاب، ثم الجواريب، والاهم هو التذكير المتواصل بان مخالفة الامور السابقة سببا للخروج من رحمة الله ودخول النار.
الدين واحد والمذهب واحد، وكم الناس الداخلة في المشاهد المقدسة في ايران يعادل حجم مناطق سكنية او محافظات بأكملها، والجنسيات المختلفة التي تدخل وتخرج بثقافاتها وعاداتها وتقاليدها بما يفوق حجم التصور. غير ان اسلوب التعامل مع الثقافات الوافدة داخل نفس المذهب الدين مختلفة مختلفة تماما. وذلك ما يبدو واضحا في كون حرمة الأماكن المقدسة باحترام عادات وتقاليد الناس التي لا تمثل نشازا وتحافظ على الاداب العامة والسلوك والمظهر العام المحتشم دون ان تكون متزمتة الى الحد الذي تحاسب فيه على شعرة خارجة عن الحدود المفترضة او مسحوق واق من حرارة الشمس.
اذن، لماذا تكون نسخة الدين لدينا بهذه الصرامة والتزمت وتجعل من ادنى الامور اسبابا حتمية للخروج عن الشريعة والدين! وبدل ان يبادل المراقبون الناس بالابتسامة والكلمة اللطيفة، وبدل ان يخلقوا من الأماكن المقدسة مدعاة للحب والمودة ونشر التسامح وخلق ثقافة المحبة ونزع الغل، بدلا من ذلك يمارسون دور الزبانية والحراس ويكونون سببا لإفراغ هذه الأماكن من الأبعاد الروحية.
حين تتحول الأماكن المقدسة الى هياكل فارغة من الروحية فان النتيجة هي انها لن تؤثر في الناس او سلوكهم ولا تكون حتى لحظة لصفاء النفس. ولنتذكر جميعا ما قاله احد الكتاب من ان الصلاة في البيت والتفكير في الله خير من الصلاة في المسجد والتفكير في الحذاء خشية ان يسرق، وهو نفسه ما نتذكره حين كانت اصوات القيمين على الأضرحة تتعالى "ايدك على جيبك زاير" لتحصر هموم الزائر في الحفاظ على مقتنياته بدل من التوجه لاي شيء اخر.
الفارق بين النسختين كبير جدا، وكل ما يمكن ان تخرج به من تصور عام في إيران، ان الأهداف من وراء زيارة الأضرحة المقدسة اكبر بكثير من حجب الحريات الشخصية وتتبع مساحيق الوجوه بمناديل مرطبة!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي