رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 19 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2081

جار الله الاعمى.. فصل من رواية

قصي الشيخ عسكر
 ذلك ماحدث بعد سنين من جموح حوت كبير في شط العرب وحيازتي حجرا أخضر مزرقا من صديق الجميع جار الله الأعمى.. لقد أنستني الأحجار الغريبة الجديدة التي عثرت عليها  في مساحة ضيقة بين قريتي الدعيجي والبوارين الحجر الأخضر الذي التقطه من النهر الكبير جار الله الأعمى ذات يوم ودسه في يدي.لن أتحدث عن ذلك الرجل الذي فقد بصره منذ الولادة،كان أحد ثلاثة عميان من أهل التنومة،سأكون في غنى عن تفاصيل حياته والقصة التي تروي أنه نظر إلى الشمس في حالة كسوف وهو صغير فأصيب بالعمى منذ ذلك اليوم منحه الله حاسة أن يقرأ بعض أسرار الماء،فأصبح صديقا للنهر،كذلك سأعرض عن بعض المفاجآت التي واجهته وهويطفوعلى السطح..و لا يهمني كيف يغطس في عز الشتاء قبل أن يتآلف الشتاء والصيف في مدينتي فلا تحسّ لهما في بدنك طعما.تلك الأيام  تحدث أهلنا عن صقيع يغطي السواقي والحشائش ساعات الصباح في شهري كانون وآب وسبعة أيام لايطيق فيها من البرد الجاموس الماء،حينها كان صاحبنا يلتهم حفنة من الفلفل الحاد ثم يغيب في النهر ليخرج مفقودات صغيرة،قلم حبر ساعة..محفظة..أي شيء، يقول ممازحا لايقرب النهر إلا أعمى مثلي أما أنتم فمبصرون عميان القلوب. كان الأمر يبدو غير ذي عقل،لاسيما إني اتحدث عن نفسي..واحد من عميان التنومة الثلاثة  التقاني بصحبة أبي..لايهمني الاثنان الآخران فأصغرهم ليس بذي قدرات تلفت النظر.. لا يتحدث كثيرا..والثاني مختار هاجر مثل الجميع وانقطعت أخباره..أطلقنا عليه ساعة بيغبن..لايثق بساعة سواها أحد..  هنا لندن الساعة الآن الواحدة مع نشرة أخبار الظهيرة..أبي نفسه حين يعود من سقي الزرع،وينتهي من طعامه يجد الراحة في أن يسمع دقات لندن، أسأل ببراءة :
لدينا ساعة سورين في بداية سوق الهنود أليست كساعة لندن!
الإنكليز وقتهم مضبوط بهذا احتلوا العالم!
 ومختار؟ ألا يعطينا الوقت بالضبط تماما؟ الساعة والدقيقة فلا يضجر من اسئلتنا نحن الأولاد المتربصين به خلال مسيرته اليومية من البر إلى النهر لكنه نسي أن يمنحني أي شيء مع أني سألته عن الوقت أكثر من مرة فأجابني بابتسامته الاليفة  وعيناه  تهبطان من السماء إلى الأرض كما أجاب غيري!
ولا أظنه اعطى أحدا شيئا ما..
 لقد عرف جارالله شأن الآخرين من أهالي التنومة أني احب الآثار وأنوي حين أكبر أن ألتحق بقسم التاريخ في الجامعة..ولعل الأستاذ نبيل معلم التاريخ واللغة العربية في مدرسة الزبير التفت من بعد  إلى شغفي وموهبتي ..كنا هجرنا التنومة بعد سقوط نهرجاسم.. ومن حسن حظ العائلة أننا استاجرنا بيتا في الزبير، هي حكمة أبي ارتأت السلامة في البعد حيث كلما بعدنا إلى جهة الغرب عجزت شظايا المدفعية عن الوصول إلينا،معنى هذا إن جانب العشار حيث تمثال السياب أصبح بعيدا عني بالتالي تلاشت التنومة من نظري،وأمي التي كانت تحذرنا من كواسج الشط راحت تمنعنا،هذه المرة، خشية من القذائف أن نذهب إلى العشار مادامت ليست هناك ضرورة للذهاب،كانت مدرسة الزبير تستقبلني والأستاذ نبيل ذو الأربعين عاما القصير البدين  يتحدث عن الماضين وقصص من سلف وفي درس اللغة العربية يسألنا فنجيب عن أسئلته فيختار منا أساتذة وعلماء آثار في المستقبل..طلب منا أن نكتب عن هواياتنا فكتبت عن التاريخ والآثار،ولو أنهيت الثانوية لاخترت قسم الآثار..حديث عابر يتداوله التلاميذ فيما بينهم .أمنيات يتسابقون في البوح عنها كأنهم يجارون بها الزمن فيرون أنفسهم كما حلموا..فلان طبيب.. ابن فلان مدرس.. ضابط..مهندس.. تلاميذ أحبوا سيادة الرئيس فأحبوا أن يصبحوا ضباطا كبارا في الجيش حتى إذا أصبحوا برتبة مهيب ركن مثل السيد القائد بدؤوا قادسيات أخرى وحروبا جديدة، وأنا عالم آثار..لكن لا أحد يستغرب من هوايتي، لا الضابط الكبير ولا المعلم أو الطبيب.كنت أسير مع والدي باتجاه المرفأ قاصدين العشار حين سلمني جارالله حجرا أخضر مزرقا ادعى أنه التقطه من قاع النهر..لا أحد رآى القاع لا أدري ويقسم الأعمى أنه مضمخ بطين حر وحصى ناعم الملمس..متى التقط الحجر أعند الصباح أم المساء ، في الشتاء أو الصيف..وإذا احتجت إلى حدث مهم يشغل بال الناس لا في التنومة فحسب بل كل البصرة فيمكن أن ادعي أن لقاءنا العابر جاء بعد جموح الحوت الكبير من الخليج إلى شط العرب بيومين..ظل الحوت يتبع باخرة محملة بالخرفان فنسي نفسه دخل السيبة ومخرت الباخرة الماء إلى مرفأ الداكير عندئذ طارالخبر..حلق شط العرب يغص بحوت..يا خلق الله حوت كبير أعجوبة الزمان،بعضهم رأى في الحادث شؤما، وآخرون شكّوا في أنه حادث غامض يستعصي تأويله..وفي دقائق هرعت حشود كثيرة إلى المكان..انزعجت كثيرا لأن أخي "سليم" رفض أن يصحبني معه ذهب مع شلة من الأصدقاء وعاد يحكي عن الحوت الضخم،وقبل أن يتحدث جار الله  عن حجر غريب خبّأه لي سألني : حسنا إنك لم تبصر الحوت الضخم فكثير من الأشياء العظيمة والجميلة يسبب النظر إليها ضررا فمن يستطيع أن ينظر إلى الشمس دون أن يصيبه العمى لذلك ساعطيك شيئا آخرصغيرا وأليفا!
وددت لو سألته هل نظرت إلىشيء أعشى عينيك، فخشيت من تأنيب أبي الذي سأله :
مارايك ياجارالله في الحوت أهو فأل كما يقولون!
فقهقه مائلا برأسه نحوي وقال:
 ماذا تتوقع أن يأتينا من الخليج وملوحتهم أي خير؟.
فقال أبي ممازحا:
والنهر؟ ألم تجعله يغلب المرحوم صابر فكاد تلك الليلة يغرق فيه؟
الحكاية قديمة، يتذكرها أبي ولا يتبرأ جارالله الأعمى منها غير أنه يقول ليس هدفه السرقة بل ممازحة المرحوم صابر..كان ابن عم أبي صابر لا يخاف من المشي في الظلام يجوب البر والبساتين والأماكن المهجورة،لا أحد يعلم كيف تحداه قال الأعمى:أنت سيد البر و أنا سيد البحر مثل الإنكليز والفرنسيين. فسخر صابر منه ومن النهر. رأى ألا فرق بين ما يفعله جار الله وأي سارق يدهن جلده بالزفت فيغط إلى البواخر ليسرقها، وقد تركه بعد هذا التحدي بأيام جار الله نائما فوق سطح زورقه المحمل بالرقي فغط إلى أن وصل الزورق  فوقف في الماء وطوق بيديه رأس صابر الذي ظنه كلب ماء وما كان منه وهو في حالة ارتباك إلا أن يقفز إلى النهر!.
*مطلع رواية جديدة

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي