رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 19 تموز( يوليو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2004

معلومات السيد المسؤول

عبدالعظيم البدران

يرتكب الساسة اخطاءا فادحة حين يعتمدون مصادر مفردة للمعلومات قوامها عمق الروابط او الاطمئنان الى مصادر المعلومات. ويرتكبون الحماقة الاكبر حين يصرحون علنا بما يحصلون عليه من معلومات دون مقاطعتها مع مصادر اخرى لبيان صحتها.. والاهم من ذلك كله، تلك المواقف التي يتخذونها استنادا الى تلك المعلومات.
لاشك ان الاطلاع على احوال الرعية من اولى المهام المفترضة للقيادة، والعمل على تنفيذ رغباتهم هو ما يفسر وجود القيادة والادارة الحكومية، فالحكومة العاجزة على تقديم الخدمات وتوفير سبل الحياة لا تستحق موقعها ولا ضرورة لوجودها على الاطلاق.
من هنا، تجد ان ساسة العالم اجمع في البلدان التي تدعي وصلا بالتنمية السياسية او الديمقراطية على الاقل، لا تجد حرجا في ان يؤدي الرئيس او المسؤول واجباته الحياتية بشكل يومي، وقد تنتفي الحاجة الى وجود الحد الاقل لمقاطعة المعلومة، فلا ضرورة ان يسأل رئيس كندا مثلا من عمدة اوتاوا عن الاسباب التي تقف وراء تردي المجاري وعدم قدرتها على تصريف مياه الامطار ليقول الاخير ان ثمة من وضع حجرا في احدى قنوات تصريف المياه! وليس ثمة ضرورة ان تسأل رئيسة كرواتيا من وزير كهربائها عن اسباب تردي خدمات الكهرباء فيشر عليها السيد الوزير باستخدام البعض لاجهزة التكييف في الحمامات فتظهر السيدة رئيسة الجمهورية في مؤتمر صحفي تطلب من المواطنين الكف عن ذلك!
ليس هناك ضرورة ملحة ان يستعين الساسة في بلدان التنمية السياسية بمستشارين وعيون وخبراء وناصحين بهذا الحجم للوصول الى المعلومات لان مصادر المعلومات اكثر شفافية فيما يتعلق بالامور العامة، والاكثر من ذلك هو قدرة المسؤول على اكتشاف الامور باريحية كاملة، من خلال التجوال والاطلاع المباشر وعدم الاستعانة بمستشارين وخبراء لم يفلحوا في النظر خارج حدود الزجاج المظلل لعجلاتهم.
وهنا يأتي السؤال الأهم في امكانية ان يدرك المسؤول واقع الحال وهو بعيد كل البعد عن تفاصيله اليومية! هل يمكن لمن يجلس خلف الزجاج المعتم وبدرجة تكييف تناسب الحفاظ على مزاجه ان يدرك معاناة المواطن من جراء انقطاع التيار الكهربائي! ومثل ذلك السؤال عن كل تفاصيل الحياة اليومية وصولا الى هاجس الامن نفسه، فمن يحاط بكم الحمايات الهائل الذي يحجبه عن العالم الخارجي، حيث تقطع الشوارع لمرور سيادته او معاليه او فخامته، فلا يضطر الى معرفة حجم الاذى الذي يعانيه موظف بسيط يريد الوصول الى دائرته صباحا او العودة بعد الظهر! هل يدرك مقدار درجة الحرارة؟ هل يتغابى شرطي ناقم من سوء الجو في طلب المستمسكات وايقاف رتل العجلات الى ما شاء الله؟ والاكثر من ذلك كله: هل استقبل معاليه او دولته أطفال على عتبة الدار يريدون ادنى ما يمكن ان يحصل عليه الطفل فتعذرت جيوبه عن تلبية ذلك، ثم لا يخرج شاهرا سيفه!
ليتصور الساسة ان حجم المأساة التي يعانيها المواطن ليست بعيدة عنه، وان تلك الصور التي يتعاطف معها الكثيرون بالاعجاب على صفحات التواصل الاجتماعي يمكن ان تحدث بداره، ثم يرى ما يمكن ان يتخذه من موقف! جربنا ذات مرة حين اختطفت العصابات الاجرامية بعض افراد عائلة وزير سابق، كيف ان الاجهزة الامنية استنفرت كل قواها ولم تبت ليلتها حتى ارجعت المختطفین الى احضان ذويهم! وجربنا في المرة الثانية كيف ان مشاهد الاطفال الحاملين لصور ابائهم تفتت الصخر الاصم ولم تحرك الدولة ساكنا! وسوف نجرب في مرات قادمة كيف سيموت المتظاهرون فيما تنشغل الحكومة بما يفرزه العد اليدوي من امكانية تغيير الخارطة السياسية!
الاندكاك في الناس ليس فعلا بطرا يراد منه الاستعراض، هو امكانية ان تفهم ما يدور دون وسائط ودون ان تستقي المعلومات من المستشارين الذين يشكلون ابرز اوجه البطالة والمصداق الحقيقي لما اصطلح عليهم بالفضائيين، والدخول الى عوالم الناس من شأنه ان يعيد جلاء القلوب التي ماتت وراء الزجاج المظلل والمضلل!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي