رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 19 تموز( يوليو ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2004

شمس بلادي ..!

قاسم حول

تقديري أنه لم يبلغ الثامنة عشرة بعد، وهو يمشي في الشارع غاضباً وبيده قنينة ماء يروي ظمأه وهي لا تكفيه للمسافة بين البيت والخباز، إذ هو متوجه نحو فرن الخباز كي يشتري "صمون" بناء على طلب من والدته. الوقت ظهرا وهو يصرح ضمنا أن الساعة هي الثانية ظهراً. درجة الحرار في ذلك اليوم هي 52 درجة، حسب ما أعلن، والعراقيون يعبرون عن  فصل الصيف "الحمار يبول دم"!
إن الله أنزل جحيمه على أرض العراق في جانب، وتركيا حجبت مياه الأنهار الدولية غير مكترثة بالإتفاقات الدولية في جانب، وإيران تلعب بمياه شط العرب وتدفع بأملاح نهر كارون نحو شط العرب في جانب آخر!
في الحقبة الملكية كنا نقضي نفس فصل الصيف في بلادنا، نحن أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وكنا نشتري الصمون "ليلا" ونبقيه لليوم التالي وكنا نأخذ دشاً، أو نغسل أجسامنا بالطاسة. وكان الماء صافيا يأتينا من مياه شط العرب والفراتين وديالى، وليس ممزوجا بالأوساخ والنفايات وفضلات مياه التصريف. ثم نجلس أمام المروحة التي تدفع بالهواء وهي تدور، في طول الغرفة وعرضها، ويأخذنا النعاس والكهرباء لا تنقطع ثانية واحدة، لحين أن يأتي المساء، فنذهب إلى صالة سينما الوطن الصيفي أو سينما الحمراء الصيفي نشاهد فيلم "مشرب الشاي تحت ضوء القمر" ونرى سماء  صافية مزينة بنجوم الخالق، ونكاد أن نلمسها بأيدينا، فنعود لبيوتنا سعداء حتى ينقضي فصل الصيف!
الشاب الذاهب إلى الفرن يبدو  أنه تلقى في الفيس بوك، أو قرأ في مجلة أو صحيفة جملة كتبها مغترب، إنسان عادي أو شاعر، كتب يقول "أنا مشتاق إلى شمس بلادي"، فإنتاب هذا الشاب، شعور مختلف أزاء شمس بلاده، وهو يشوى تحت لهيبها ويعيش في حكومة اللصوص والحرامية التي حجبت عنه كهرباء توماس أديسون، بل شتمه "الروزه خون" من المنبر بدلا من أن يشتم وزير الكهرباء، ليس هذا فحسب، بل غيروا مياه الفراتين والشاطئ، إلى سبخ وأوساخ وملاذا لمياه التصريف، فأحب  أن يقول هذا الشاب العراقي، كلمة لذلك المشتاق إلى شمس بلاده، فطلب من صاحبه أن يصوره فيديو بالهاتف النقال حتى يوصل مشاعره إلى المغترب المشتاق إلى شمس بلاده!
بدأ حديثه موجها إلى العالم من خلال مخاطبة المغترب المشتاق "كثيراً" إلى شمس بلاده.
- "عراقي مغترب كتب يقول ،شلون بالله، إنأ مشتاق إلى شمس بلادي. أكل ...! خايب يا شمس بلادك. يا شمس هذي؟ الله وفقك وطلعت بره، شعندك وشتصخم بشمس بلادك. المن مشتاق؟ للحر؟! كفيلكم العباس حتى العرك صار يخر .. صدك جذب!؟ تعال بالله وبالثنتين الظهر وخلي أمك تدزك الساعة الظهر حتى تجيب صمون، وتاخذ وياك قنينة ماي. وشوف بالله الإشتياق يبقى لو يروح؟ لا تخلينا نحجي، الله وفقك وخلصت، شلون بالله، مشتاق إلى شمس بلادي. خايب دطير .. )
هكذا يتحدث جيل "شمس بلادي" وهو يرى الكوارث والعشوائية والنهب الخرافي لحكومة مشغولة بالتحالفات وهي لا ترى الشمس، لا يتلوعون بشعاع الشمس الحارق، بل لا يشاهدون شمس بلادهم، فهم يخرجون من قبة البرلمان ويندسون في سيارات مصفحة رباعية الدفع مظلله بالزجاج الأخضر ومبردة، ولا يسمعون حتى منبهات سيارات حمايتهم، وثمة فيديو صور  موكب أحد النواب، يضرب سائق سيارة الإسعاف لأنه لم "يصف" سياراته عند الرصيف كي يمر موكب النائب أو الوزير أو وكلاء الوزير  أو الرئيس أو نواب الرئيس، ويتركونه ملقى على الرصيف تدوس عليه بصاطيل الحماية ولا يستطيع النهوض من أسفلت الشارع الحارق، وهو يئن تحت شمس بلاده. وبعد أن يعقد ذلك المسؤول، إجتماعات التحالف أو التخالف، في صالات مبردة وهو لا يرى شمس بلاده، يعود لمكتبه ويستأنس بتوقيع إتفاقيات إستيراد قناني الماء التي تملأ من حنفيات الخليج وإيران ليشربها الشعب تحت شعاع شمس بلادهم، ثم يذهب لينام تحت نسيم مبردات "الحافظ" فكيف يرى شمس بلاده التي إشتاق إليها المغترب وهو يعيش في جنة الله على ألأرض، ورفضها المواطن المقيم في نار جهنم على أرض العراق، ساخراً من شمس بلاده!
الشمس والقمر بحسبان .. فبأي آلآء ربكما تكذبان ..!
سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا  

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي