رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2043

الكليمي يائيل في طهران

هديل الجواري

ما ان أطلق موظف المصرف على رجل مسن كان يجلس في نافذة المراجعة اسم "يائيل" حتى اثار انتباهي وفضولي، لقد كان مبررا كافيا بالنسبة لي لاثارة علامات استفهام حول هوية الرجل وبصراحة اكثر عن ديانته..
فمع ان الاسماء الفارسية خليط من ثقافات عديدة وليس هناك من معيار في تحديد هويتها على الاطلاق، فهي متداخلة ومركبة احيانا، والاهم انها لا تشكل بذاتها اهمية كبيرة، فالاسم غالبا ما يتم تداوله بشكل ثانوني مع اللقب الذي غالبا ما يكون هو ايضا ليس معيار الانتماء للقبيلة او غيرها، فهو للتعريف لا اكثر! مع كل ذلك لكن اسم كإسم يائيل مميز الى حد ما..
وقبل ان يقودني الفضول الى سؤال الموظف، كان سلوك الرجل مميز الى حد، فهو كما عودتنا افلام ومسلسلات عربية كثيرة عن حرص اليهود الزائد الذي يصل الى حد البخل والتدقيق في ادق التفاصيل! كان الرجل يسأل عن مبلغ فيما اذا اودع في حسابه او لا، وكان موظف المصرف يوضح باسهاب عن كون الايداع بحاجة الى فترة زمنية قد تصل الى 24 ساعة! وهنا بدأ الرجل يحسب الوقت بدقة واردف بالقول: اذن بعد الساعة الثانية ظهرا سيكون المبلغ في الحساب! عندها رد موظف المصرف وكأنه يتعامل مع حالة معروفة، من الافضل ان تأتي غدا صباحا لتطمئن ان المبلغ قد اودع في الحساب وايضا لتدفع المتعلقات والوصولات! 
غادر السيد يائيل، وعندما سألت موظف المصرف، قال انه يتعامل مع هذا الرجل منذ ان استلم وظيفته وقد اعتاد على اسلوبه ومعاملته ولم يسبق ان تخلف عن موعده، فنحن على موعد معه في كل شهر...
يائيل، من احد العوائل اليهودية التي لازالت تسكن في العاصمة طهران، والملفت ان ايران البلد المشكوك في تطبيقه حقوق الانسان وحرية الرأي يحتضن ثاني اكبر جالية يهودية في المنطقة بحسب ما تشير اليه التقارير، يمارسون حياتهم بصورة طبيعية، ولهم تمثيل برلماني، وهم لا يختلفون عن ديانات كثيرة، لا تعرف اصحابها ولا يميزها عن سواها سوى المصادفة!!!
التعايش في ايران قيمة لا يعرفها الا من يعيش تفاصيلها بشكل يومي، فهي نابعة من احترام خصوصيات الاخرين، وعدم التدخل او التعارف الزائد عن الحد. فحيث لا وجود للروابط الاجتماعية التي تتيح للاخرين ان يتدخلوا بشكل فج في حياتك اليومية، لا يسألك احد عن ملابس او مأكل او سلوك، واقصى ما يمكن ان تتعرض له من سؤال هو تبينه لهجتك اثناء الحديث، لكن الاجوبة تكون مغلقة فهناك قوميات وطوائف عديدة، وهناك لهجات بعدد هذه القوميات والطوائف.
الاحصاءات شبه الرسمية تشير الى وجود 300 الى 350 يهودي موزعين على مختلف محافظات ايران، يمثلهم نائب في مجلس الشورى الايراني، ويمتلكون الكثير من دور العبادة ابرزها معبد يوسف اباد وسط العاصمة طهران، بالاضافة الى مراكز تعليمية ومدارس ومستشفى تعالج المسلمين اكثر من اليهود!! ويسمى اليهود في ايران بالـ"الكليميين" ايضا، وهي نسبة الى النبي موسى (ع) كليم الله، وهي تسمية اتخذها البعض امتصاصا للنقمة التي قد تولدها وسائل الاعلام ضد اليهود الصهاينة وصعوبة التمييز بين الصهاينة واليهود...
ولم يسبق بحسب ما يشير ممثل الطائفة اليهودية في البرلمان الايراني "سيامك مره صدق" ان تعرض احد أبناء الطائفة او حصلت مضايقات، بل اكثر من ذلك ان الخلافات الايرانية الاسرائييلة لا تؤثر على حياة اليهود في ايران، فهم بحسب ما يقوله: ايرانيون قبل ان يكونوا يهود!
واذا ما دققت كثيرا في الازياء التقليدية الخاصة باليهود والتي غالبا ما ترتديها النساء من كبار السن، ستجد كثيرين هنا وهناك في الازقة والاسواق والمراكز والادارات العامة، واكثر من هؤلاء ممن لا تعرف اشكالهم رجال ونساء وصبايا، وليس السيد يائيل الا واحد من تلك الحالات!!
التعايش في ايران رغم ما يشاع خلاف ذلك، واحد من اهم السمات التي تجعلك تعيش دون ان يسألك احد عن دينك ومذهبك او طائفتك، فماذا يا ترى كسب الشعب العربي والعراق خصوصا من فقدان احد مكوناته السكانية ولازال يفقد التنوع يوميا بعد اخر؟!!!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي