رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 20 اب( اغسطس ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2026

البحث عن هوية فـي الرواية: لقاء مع محمد الأحمد وكليزار أنور

إعداد: صالح الرزوق
إذا كان العراق هو مهد الحداثة في الشعر العربي فهو أيضا مهد الرواية الفنية المبكرة التي وضعت الأسس للتجديد في الخيال الفني. وهذا ينطبق على جيل الرواد وجيل الشباب أيضا. ومنهم ضيفا هذا اللقاء، وهما: القاص والروائي محمد الأحمد المولود في بعقوبة عام 1961 ومؤلف (حركة الحيطان المتراصة) و(الحلم بوزيرة) و(دمه)...
والقاصة والروائية كليزار أنور المولودة في العمادية عام 1965، ومؤلفة (الصندوق الأسود) و(عجلة النار) و(عنقود الكهرمان) وغيرها.
يشترك الكاتبان بخلفيات فنية واحدة، وهي الرغبة بالتجريب بالإضافة للانغماس بالهم الوطني من ناحية إنسانية، وبعيدة كل البعد عن الحس القومي الشوفيني أو الشعبوي الساذج. من أهم اعمال محمد  الأحمد  رواية إشكالية ظهرت في أمريكا أولا بعنوان (متاهة أخيرهم)، وهي عن آخر عائلة يهودية في بغداد، بينما أهم عمل  لكليزار أنور هو أول رواياتها (عجلة النار)، وهي  إشكالية وصغيرة الحجم، ولكنها من الأعمال التي وضعت الحرب العراقية مع إيران في مدارها الخاص. ومشكلة الكاتبين إن شئت الحقيقة ليست فنية ولكن في حساسية الموضوع، فمحمد الأحمد يغامر بالاقتراب من الممنوع، وكليزار أنور تتكلم عن حرب  ذات هم عروبي مع أنها كردية، من هذه النقطة توجهت لهما بالسؤال التالي:
س1- ما نسبة المشاعر العربية عند أدباء كردستان العراق، وكيف عالج الأدباء العرب المسألة الكردية. وأين هي منطقة الالتقاء والتفاهم.  
قال محمد الأحمد: قرأت لمحي الدين زنكنة، وعبد المجيد لطفي، وجلال وردة  وآخرين من  الأدباء الكرد الذين يكتبون بالعربية، ولم تكن تلك الفاصلة القومية ظاهرة للعيان. لم ألحظ أن الكردية لغة مقموعة في  العراق، كان الرئيس السابق يتلفظ في بعض خطاباته مفردات كردية.. على عكس ما لحظته في الشام، فهي شبه محظورة، إذ نبه أحد البائعين كليزار خلال زيارة لدمشق أن تتجنب الكلام بالكردية.. أصلا الأدباء الكرد لم يميزهم سوى النص المكتوب. بعكس ما يجري اليوم في كردستان، لأنني لم أجد مكتبة واحدة تعرض كتبا عربية، وإذا نظرت للمشهد الكردي حاليا إن السلطة في اللغة  للإنكليزية، وليس لبقية اللغات وجود أو مستقبل.
صالح الرزوق: أستاذ محمد اسمح لي أن أقاطعك. الكرد في سوريا يعانون من مشكلة سياسية عامة، وليس من الهم القومي حصرا. والمشكلة التي يعاني منها  الكردي تشبه مشكلة أي عربي سوري لا يحبه النظام. والتجاوزات غالبا تأتي من سوء الفهم والتطبيق. وشخصيا كنت أنشط في صفوف اتحاد الكتاب والمركز الثقافي وسط مجموعة من العرب والكرد والأرمن المعتدلين. وكانت الانتقادات علنية وكان عضو معروف في حزب التحرير الإسلامي، وهو محمد منلا غزيل، لا يوفر فرصة إلا ويهاجم بها العلمانية. وكانت صفحات مطبوعات وزارة الإعلام مفتوحة أمام الشاعر الصديق حامد بدرخان ليترنم بتراب بلدته الكردية وأسلافه وحضارته.  لكن التعصب هو الذي يسبب التعصب. ونحن في بلد شمولي وفي حالة طوارئ ولا يمكن أن تتوقع أن يكون التساهل في المعايير لدينا مثل باريس أو لندن. 
كليزار أنور : لي هنا مداخلة. باعتبار أنني انتقلت مع عائلتي إلى الموصل بعد شهر من ولادتي فقد نشأت في بيئة عربية،  والموصل بالذات تتكون من فسيفساء عريبة.. يعيش فيها العربي بجانب الكردي والمسيحي والإيزيدي والشبكي والتركماني.. وكانت تجمعنا الطيبة والأخلاق، ولا تباعد بيننا الفروقات العنصرية..
كل منا في بيته يتكلم بلهجته ويعتز بقوميته، لكن خارج منزله فهو عراقي فحسب. وعندما أكتب.. فإني أكتب من وحي إنسانيتي وثقافتي الحرة وليس من وحي (كرديتي/ أصلي وفصلي). في (عجلة النار) البطلة روزين/ كردية والبطل راغب/ عربي. وحتى في الحياة.. تزوجت من محمد الأحمد/ العراقي/ العربي.. ولم أسأل نفسي.. ماهي قوميته أو طائفته.. فقد جمعنا الأدب قبل النصيب. 
س2- هل تعتقدان أن غياب الهم كردي/ عربي من الرواية الحديثة ناجم عن حساسية إنسانية وفنية أم بسبب اتجاه النظام وظروف الرقابة. ولنكن واضحين.. توجد نار تحت الرماد. أين المعادل الموضوعي لها في الأدب؟.
كليزار أنور: الإنسان المثقف بصورة عامة، بطبيعة تكوينه إنسان مسالم.. ما يهمه أن يعيش الحياة التي خلقها اللّه له بكل تفاصيلها الجميلة. والمثقف الكردي.. يعيش في بيئة جبلية، سماء عالية وأشجار باسقة وينابيع ماء. لوحة فنية من حوله.. وهو بطبيعة تكوينه متفائل، رغم كل المحن التي يمر بها، فهذا الضغط يتبدد بمجرد أن ينظر إلى السماء الصافية ويشم الهواء النقي.. ويذكر إسم اللّه.. حتى المعاناة التي يمر بها تتحول إلى إبداع، فالآلام العظيمة تلد الأعمال العظيمة كما يقول غوته. جميل أن ننظر إلى الكأس ونقول نصفه ملآن، بدل أن نصف نصفه السلبي. 
صالح الرزوق: وما رأي أستاذ محمد؟. هل الطبيعة تكفي لتلمس بعصاها السحرية محنة إنسان يمر بمخاض؟. فالبحث عن هوية هم طبيعي. ولديك في تركيا الحديثة أكبر مثال كما لدى ياشار كمال (مؤلف ميميد الناحل) وأورخان كمال (مؤلف سنوات البطالة). الله يكفل لمخلوقاته وجودها ولكنه لا يفرض عليهم أي انتماء من أي نوع. 
محمد الأحمد: أتفق مع كليزار حول صورة المثقف الحقيقي،  فأفقه أوسع بكثير من أوهام الطامعين، وهو بثقافته متحرر ولا يريد أن يكون إحدى الأدوات، ليس سهلا على أي مثقف أن يكون مجندا هداما.. المثقف متحرر في آليات وعيه من إشكاليات الحروب، المثقف إنسان مسالم وينادي بالسلام. ولا يكون ميله لأي  جهة. كل مثقف حسب ظني يميل لفكرة التجنيد لا يحتسب مثقفا بل أجيرا. وأظن أن الفرق كبير.
س3: وأين تقف الرواية العربية من التطورات التي تعصف بالمنطقة؟. وهل أثرت الحدود السائلة على معنى وأسلوب الرواية العربية؟. 
محمد الاحمد : أنساق الرواية الجديدة باتت تتطور بزوال مؤثرات النظام الواحد، ذلك النظام تفتت إلى نتف صغيرة، وباتت تلك النتف يحتويها الكشف الروائي. إن الروائي الذي يساير تلك النتف بات منبوذا، بلا قراء، ومن المؤكد أن  يخسر القراء. الرواية الكاشفة لنتانة تلك النتف الصغيرة من الدكتاتوريات هي التي تحقق الهدف. الكشف عن الحقائق هو الأهم وهو الغاية. 
كليزار أنور: أحب أن أؤكد أن الزمن الآن زمن الرواية. فالشعر تبدد والقصة لحقته.. لكن الرواية.. تتطور نحو الأفضل أسلوبا وحكايةً وثيمةً. ولكل روائي طريقه الخاص به.. يحاول أن يتفرد بموضوعه وأسلوبه.. وهذا الذي ساهم في نضوجها. كنا متصورين بأن الأدب الموجه إنتهى بانتهاء حزب البعث (في العراق)، لكن ظهر بدله الحزب الديني.. وكما كان لحزب البعث مروجوه، فلهذه الأحزاب أيضاً.. وفي الغالب هو أدب ضيق ينتهي بانتهاء هذه الأحزاب.
س4: أفهم منكما بمعنى من المعاني أن الثورة لم تخلق أدباءها وأسلوبها. السؤال الأخير، أين تقف تجربة محمد الأحمد ورفيقة دربه كليزار أنور؟. وكيف عبر كل منهما عن الوصايا المغدور بها بتعبير كونديرا، أو كيف خان كل منهما نفسه ووعده للآخر. وما هي مشاريعكما للمستقبل، وهل من شيء جديد يحمل قطيعة أخرى وخيبة أمل إضافية؟..
محمد الأحمد: منذ اكتشاف الكومبيوتر، وأحوال أهل كوكب الأرض، تغيرت، وما عادت المصطلحات القديمة تصلح لتتنبأ أو تشرعن لنا المستقبل، حيث وقف الإنسان الجديد أمام نفسه، متحديا الانهيارات الشديدة الانحدار، لقد أحدث هذا الجهاز إضافة لإمكانيات الإنسان الذهنية، وأخذ يتخطى به مساحات شاسعة في العلوم والمخترعات. وأصبحت ذاكرته المتكاملة التي تضيف إليه سرعة التذكر والاستخراج والبحث. تحول الجهاز المحمول إلى مكنة تخزن آلاف الأطنان من الكتب، والإسطوانات. صار العالم جديدا، ويتعامل بجدية مع وجوده. وأترك لكليزار لتخبرك عن تفاصيل علاقتنا، والذي أحبه فيها أنها كالسهم تذهب إلى هدفها بلا مواربة.
كليزار أنور: زمن الثورات انتهى.. فالثائر ما أن يصل إلى السلطة حتى يتحول إلى دكتاتور وجلاد يفتك بالعباد. فالأديب أدرك اللعبة.. لذا أبتعد بملء إرادته عنها، فما الذي يجعله يمجدها!. بالنسبة لتجربتي مع محمد الأحمد تعرفت عليه على صفحات الصحف والمجلات، كانت قصتي منشورة بجانب قصته. ولكي لا أنتهي أدبياً.. كنت مقررة مع نفسي أن أرتبط بأديب. والحمد للّه رب العالمين.. جاءت الرياح بما تشتهي.. وجمعنا النصيب. فنحن لا يجمعنا سقف واحد فقط، بل نحن صديقان وزميلان وحبيبان.. أقرأ له ويقرأ لي.. نتناقش، نسمع بعضنا بعضا، أضاف لي.. وأضفت له.. وما زال لكل منا أسلوبه واتجاهه الخاص به. أما آخر مشاريعي.. بالإضافة إلى القراءة الدائمة فإني أكتب رواية جديدة مختلفة كليا عن تجربتيّ السابقتين في روايتيّ (عجلة النار) و(الصندوق الأسود).إنها رواية يكون البطل فيها (المكان). وبالضبط المكان (مدينة العمادية) مسقط رأسي.. المدينة التي كانت تسمى إمارة بهدينان ذات يوم.. ويعود تاريخها إلى العهد الآشوري.
صالح الرزوق: أشكر الأستاذ محمد والسيدة كليزار على هذه الفرصة. ويسعدنا انتظار روايتها الجديدة. روايات المكان لها جاذبيتها الخاصة. من ينسى (جسر على نهر درينا) لأندريتش، أو (رباعية الإسكندرية) لداريل والتي جمع فيها المكان مع صوت أربع شخصيات لكل واحد منهم تفسير خاص لدور المدينة والبحر في تطور الأحداث. وبالمناسبة اطلعت على مخطوط رواية قصيرة بعنوان (ليلى والحاج) للأستاذ محمد، وأعتقد أنها ستكون مفاجأة بجديتها وجرأتها وشفافيتها. ويمكن أن نذيع هنا سرا بسيطا، موضوعها هو الشرق الأوسط في عصر الحركات الجهادية. نحن على موعد مع رواية جاهزة للطباعة، ورواية لا تزال في طور النضوج. وأتمنى أن تريا النور قريبا.

بعقوبة – دهوك – حلب
تموز 2018 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي