رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2043

الاعتداء على الزجاج العام ..!

قاسم حول

هي مهزلة ما وصل إليه العراق بعد سقوط نظام الدكتاتور "غير مأسوف عليه" وجاءتنا فئة من المكونات الغريبة العجيبة، التي أغرقت الوطن في الظلمة والظلام والظلم، ومارست هذه الفئة كل أنواع الاعتداء على المال العام، من النفط والغاز والكبريت، ونهبت عائدات الثروات ومبيعاتها، حتى وصل الحال بالعراق إلى أن أنابيب النفظ تدخل عليها أنابيب ثانية وتذهب إلى بيوت الحاكمين والمليشيات وبيوت الدين! كل ذلك يجري أمام أنظار الناس وتمر شاحنات النفظ نحو الحدود الإيرانية، وتنشر صور الشاحنات، وتدخل مقابلها حبوب الهلوسة داخل "طرشي" الباذنجان وتنشر صور الباذنجان مثل ولائم أيام عاشوراء، ويبدأ رجال الأمن بفتح "طرشي الباذنجان" وإخراج حبوب الهلوسة منه، ناهيك عى تصدير الأملاح من نهر كارون إلى نهر شط العرب، وتدخل الرايات على قماش "الململ" حاملة صور الأئمة لنشرها على أعمدة الكهرباء وتعاد طباعتها كلما مرت عليها نسائم غبار التصحر، والبلد خاو من المدارس حتى الابتدائية منها، وتنتشر الأمراض المخيفة ويموت عدد من الشباب في أعمار الورد بالسرطان والأمراض العجيبة الغريبة ولا أحد يسمع عنهم. وكثيرا ما يصحو الأهل فيجدون واحدا منهم ميتاً على فراش النوم! ناهيك عن تدني مستوى المشافي إذ تحولت المستشفيات إلى مغاسل للموتى وأسرة ملوثة شراشفها بالدم، وحين يلجأ العراقي إلى المستشفى، يجلب معه "شرشفا" نظيفا، وضمادات مستوردة من الجارة المسلمة، بأسعار لا يملك المواطن ثمنها! فهل تلك مستشفيات للمرضى أم شوارع عشوائية في المحلات الشعبية .. هذه المستشفيات التي يتمنى الصاحي أن يأمها في بلدان العالم، من كثر جمال الستائر والأسرة وجمال الممرضات وأبتساماتهن المشرقة، في مشافي العالم المتحضر!
مهازل لا حصر لها، لم يمر بها وطن من أوطان  هذا العالم، وحتى الوطن الجيبوتي!
من الطبيعي والبسيط أن يعبر المواطنون على حسرتهم، فيخرجون هتافات من حناجرهم الجريحة وهم في عز القيظ، فلا كهرباء ولا ماء نظيف يستحمون به. ناهيك عن تفشي البطالة .. فيتظاهرون، وقد يسري الغضب في عروقهم فيدخلون بيوت السلطة ومقرات عمل السلطة ليشعلوا الحرائق بها، تعبيرا عن حجم الغضب في ذواتهم، ومن حقهم من حقهم من حقهم وأكثر، أن يحرقوا العراق بمن فيه، لأن حجم الأذى الذي يتعرضون له يفوق التصور .. لكنهم لم يفعلوا ذلك مكتفين بالصياح .. فهل شاهدتم ما يعرض على اليوتيوب؟ وهل سمعتم طبيعة الأصوات وطبيعة النداءات وطبيعة الإستغاثات؟ هل سمعم أصوات الناس وهل شاهدتم المواطن الذي يدفع بجسمه الإسلاك الشائكة، التي وضعتها الشرطة حاجزا بينهم وبين المواطنين؟ هل سمعتم صوت ونداءات إستغاثة ذلك المواطن في ديباجة الإحتجاج التاريخية، التي تمثل صوت الشعب العراقي المظلوم؟!
دخل مجموعة من المحتجين مطار النجف.. وصورت الكاميرات حاجزاً زجاجيا "متصدعاً من خشية الله" وبدءوا يبثونه في فضائياتهم.. جدار زجاجي كسره بالعصا التي يحملها أو بقبضة يديه .. صاح رئيس الوزراء وصرخ رجال الأمن وعلا صوت المذيعين "المظاهرات سلمية ولكن لا يجوز الإعتداء على ممتلكات الدولة"!
أولا، أية ممتلكات؟ منذ اكثر من عام ورئيس الوزراء والمحافظ يصدرون الأوامر بإحالة مدير المطار ومجلس إدارة المطار إلى التقاعد، ولكن لا أحد يجرؤ على الإقتراب من غرفة المدير وتسليمه قرار الإحالة .. يخافون، ولعبة الفساد في المطار موزعة على المكونات بالتساوي!
هذا ليس خطا أحمر اللون .. إن قيمة الزجاج الذي كسره المواطن وربما جرحت قبضة يده، لا يساوي مائة دولار أو ما يطلق عليه العراقيون "ورقة" وهذا هو حجم الإعتداء على الزجاج العام .. ترى كم نهبتم من المال العام ومن الزجاج العام من خزائن المصارف وخزائن المال في المصرف المركزي .. لقد بلغ حجم النهب قرابة ترليون دولار، ما قيمته تسعمائة وثمانين "مليار" دولار، سرقتموها لتسعدوا في بلدان الغرب مع موائد الروليت وفروج النساء وشراء العقارات! تاركين الشعب يشوى في قيظ الصيف ويستحم في المياه الآسنة .. لا بارك الله في حياتكم ولا بارك بيوتكم ولا بارك الله صلاتكم ولا بارك زياراتكم ولا بارك حجيجكم .. فلقد سلبتم نعمة الوطن والمواطنين!
سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي