رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 19 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2101

أبرز السجالات الفكرية للباحث والكاتب وليد الكبيسي

بغداد ـ العالم
بموت الكاتب والباحث النرويجي الجنسية، وليد الكبيسي عن ستين عاماً، قبل أيام في العاصمة أوسلو، تكون قد فتحت صفحات كثيرة تذكّر بسجالات الرجل الفكرية التي امتدت على نحو 3 عقود، وخاض من خلالها مواجهات مع التشدد الإسلامي، وتحديداً الإسلام السياسي، مما جعل الإسلاميين السلفيين الذين وجدوا في الحرية فرصة لتجمعاتهم والترويج لأفكارهم وخططهم، بالتحريض المباشر عليه، وهو ما أنعكس بوقوفهم وراء محاولة لاغتياله.
الإسلام السائد في الغرب
يقول الكبيسي الذي هاجر إلى النرويج كلاجئ سياسي في عام 1981، أن التطرف حالةخلقها الإسلاميون بالدعوة إلى التفسير السياسي، ونقل الإسلام من زمن الرسول إلىعصرنا. وعبارة الإسلام لكل زمان ومكان، تعني أن الإسلام يمكن تأويله وتفسيره ليناسب كلالمجتمعات. بينما فهم المتطرفون أن الإسلام الذي مارسه المسلمون في صحراء الجزيرة ينقل ميكانيكيا إلى أوروبا، فآمنوا بالجهاد العنفي، وهذا ما أدى إلى الإرهاب.
الكبيسي الذي قضى العقود الثلاثة الأخيرة من حياته ناشطاً في الحوار الثقافي وناشراً لمجلة “المسلمون المتنورون“، يعتبر أحد المدافعين البارزين عن الفكر التنويري، منذ أول كتاباته عام 1996 والذي حمل عنوان “إيماني، خرافتي: الإسلام بمواجهة الحياة اليومية للنرويجيين“.
ولذا فكان ضد النظرة التي كان يتعامل بها الإسلاميون في أوروبا والغرب عموما مع المرأة، فهم “آمنوا بحجر المرأة وعزلها، وهذا ما أدى إلى الحجاب وإشكالياته، بينما لم يفرض الحجاب الإسلامي ولا توجد آية تسمى آية الحجاب بمعنى اللباس الإسلامي، وكان الرسول يأخذ النساء معه ليمرضوا الجرحى بمعنى أنه ليس عندنا مشكل دين وإنما مشكل تدين“.
ويلاحظ في رصده للظاهرة الإسلامية في النرويج “بعد ثلاثين وربما أربعين سنة من الهجرة إلى النرويج، ورغم المناداة بمجتمعٍ متعدد الثقافات، وبعد نقاشات مطولة حول سياسة الاندماج، تصل النرويج إلى وضعٍ صار فيه الجيل الثالث من (المسلمين) المهاجرين يدعو إلى حجاب البنات في عمر الطفولة، أو ينتمون إلى مجموعة «نبي الأمة» التي تؤمن بممارسة الشريعة حرفياً كما في السعودية وكما تمارسها داعش. أو «شبكة الإسلام»، وهي منظمة إسلامية للجيل الثالث من المهاجرين، وهم أصوليون مسلمون يرفضون قيم المجتمع المتحضر. ومنهم من هذا الجيل من أصبح من محاربي داعش، إضافةً إلى تطوّرٍ يشير إلى زيادة مخيفة في التحول نحو التطرف بين الشباب المسلمين في النرويج“.
ولا يحمّل الكبيسي مسؤولية تصاعد التطرف للمسلمين فقط بل للنرويج حيث “لم تدركالسلطات ولا وسائل الإعلام ولا النقاشات بشكلٍ مبكرٍ، الإشارات والعلامات المحذرة. إذا لم نستطع وضع تشخيص صحيح لظاهرة توجه الجيل الثالث من المهاجرين (المسلمين) إلى التطرف، وهو الجيل الذي ولدَ وترعرعَ في النرويج، فإن الوضع سيتحول بالتدريج إلى دراما عنيفة”، ويضيف “لا يُلام المسلمون فقط في هذا الأمر، وإنما النرويجيون هم أيضاً الذين يقع اللوم عليهم، لأن آباء وأمهات أفراد هذا الجيل الجديد هم أيضاً تربّوا على يد نرويجيين: في المدرسة، وعبر سياسة الهجرة، وعبر النقاشات في وسائل الإعلام، وليس فقط على يد العائلة“.
فشل الاندماج
وبحسب الكبيسي فقد “نادى النرويجيون خلال ثلاثين سنة بالاندماج، ولكن سياسة الاندماج صارت مثل ثوب القيصر الجديد (القيصرُ العاري الذي يسأل الرعايا إن  كان ثوبه الجديد جميلاً. ولا يجرؤ أحدٌ أن يخبر القيصر أنه عارٍ) ببساطة لأن النرويج لا تتمتع بالخبرة في دمج المهاجرين. على العكس تماماً، للنرويج خبرة في تذويب الأقليات. أمّا التكيف والاندماج فهي بالنسبة للنرويج سياسة أن يحتفظ المرء بثقافته الخاصة، ويمضي في الوقت ذاته عبر مصفاة القوانين والقيم النرويجية، إضافةً إلى غياب نظام يمكن من خلاله قياس مدى نجاح سياسة الاندماج. ولقد بقيت كلمة «اندماج» كلمةً عائمةً غائمة، ولم يفهم أحدٌ ماذا تعني في الواقع، ولذلك لا يمكن أن يتحمل المسلمون ذنب فشل سياسة نرويجية. اكتسبت سياسة الاندماج مفهوماً يقتضي أن المرء لا يحتاج إلى تغيير أوضاعه، ولا أن يتخلى عن بعضٍ من «بقجته» الثقافية التي لا تتوافق مع النرويج الحديثة. ليس هذا فقط، وإنما نُصحنا أن نحتفظ بكل أوضاعنا، وأننا يمكن أن نندمج عبر شيئين: تعلم اللغة، والحصول على عمل“. الفهم الخاطئ لمفهوم «مجتمع متعدد الثقافات» أدّى إلى أن يُفهم وكأنه مطابقٌ لـ«مجتمع متعدد الأديان»
وكان يعتقد إنه يمكن لمفهوم «تعدد الثقافات» أن يغني المجتمع، ولكنه فُهِمَ على أساس أنه هو ذاته تعدد الأديان، وهذا ما جعل السلطات تُموّل المنظمات الإسلامية، وتفاوض الناطقين باسم المجموعات الإسلامية. فكانت النتيجة «اندماجاً» جمعياً، وليس اندماجاً فردياً. النتيجة كانت اندماج منظمات وليس أشخاصاً مواطنين.
“فجأة رحنا نسمع عن إمام جامع من الجوامع المركزية المرتبطة بالمجلس الإسلامي، وهو يدعم قاتلاً نفذ اغتيالاً لوزير باكستاني“. والحال كما نرى، فإنه ليس كافياً أن يبرر ناطقٌ باسم منظمات المهاجرين ويتحدث بحذرٍ ضمن إطار القانون النرويجي، وإنما يتوجب على الأعضاء والممثلين المعنيين أن يسلكوا ضمن إطار القانون وحقوق الإنسان. ولهذا فإن «المجتمع متعدد الثقافات» لم يتحقق على أرض الواقع، وإنما أُعلنَ موته من قبل قادة سياسيين أوروبيين في ألمانيا، هولندا، فرنسا، بلجيكا وبريطانيا.
المسلمون أرانب لتجارب الغرب
ونقد الكبيسي للغرب تواصل بقوله “لا أحدَ في النرويج يتحدث الآن عن دولة النرويج متعددة الثقافات، فقد أقام النرويجيون مجتمعاً متعدد الثقافات، يحولنا نحن المسلمين إلى أرانب تجرب، ويحوّل مستقبل البلد إلى تجربة مختبرية. ومع ذلك يبدو الأمر اليوم كما لو أن الذنب في فشل هذه السياسة، هو ذنب المسلمين بالذات. عبر ثلاثين سنة، خلقت وسائل الإعلام صورةً عنا ليس فيها أمل. في البداية استقبَلنا النرويجيون بعطف، فإيديولوجيا الضحية كانت تحتاج إلى مواضيع من نوع «الـمَسْكَنة». قُدّمنا كضحايا ضعفاء، كأناسٍ ليس لديهم المقدرةعلى أن يتغيروا وفقاً لعملية التكيّف. كنّا موضوعاً للعطف. لكن لا أحد كان يسأل: كيف يمكن أن يُطلب الالتزامُ بسياسة الاندماج من كائن مسكين ضعيف“؟
ثم ظهر خبراء وأنثروبولوجيون مسلحون بأحكامهم الأكاديمية المسبقة عبر عقلية تفكير«النسبية الثقافية»، والتي مُورست كإيديولوجيا، “هذه النسبية رسمت لنا صورة نُرى فيها ككائنات دينية، ما يعني أننا مختلفون عن النرويجيين. فالنرويجيون وفق تلك الفكرة أفرادٌ مستقلون، أما نحن فمخلوقات مرتبطة ببعضها بعضاً عن طريق الدين. عبر إيديولوجيا«النسبية الثقافية» المسيطرة هذه، جرى النظر إلينا وجرى تقييمنا نحن المسلمون. نُظرَ إلينا كمنتجاتٍ لثقافتنا، ولذلك أجرت وسائل الإعلام نقاشات يقودها إما مسلم محافظ، أو إمام، أو ناطق باسم منظمات إسلامية، أو امرأة بحجاب. وبهذا خلقت وسائل الإعلام النرويجية قدواتٍ دينية للجيل الجديد، الذي أخذ متأثراً طريق الدين. وإلا كيف يمكن تفسير تنامي عملية التطرف“.
لماذا شطب نصف المسلمين؟
وفي السياق ذاته كان الراحل الكبيسي يتساءل “لقد خلقت هذه الصورة ردود فعلٍ غاضبة لدى أكثرية الناس، والنرويجيون ينظرون إلينا نظرتهم إلى روبوتات دينية، رُكّبتْ بحيث تعيد توليدَ الصراعات الدينية في النرويج، وتمارس الدين مثلما مورس منذ مئات السنين، وأننا أنتجنا ثقافةً مستنسخة، وأننا نقلنا ثقافتنا أتوماتيكياً ودون تبصّرٍ إلى النرويج. أكثرية الناس منفتحة، وضد التمييز والعنصرية، لكن كيف يمكنهم تحمّل أقليةٍ مسلمة متزايدة العدد، تطلب احتراماً ومكانةً في المجتمع من خلال تركيبة دينية موروثة من القرون الوسطى؟ هذه التركيبة شهدتها أوروبا أيضاً في قرونها الوسطى، ولكنها قد وضعت لها نهاية بالإصلاح، والتنوير، والنهضة، والعملية الديمقراطية. ولذلك نلاحظ أن كثيرين من النرويجيين أصبحوا متشككين تجاه الأقلية المسلمة، الأمر لا يتعلق فقط بالنخبة اليمينية المتطرفة، وإنما أيضاً أكثرية الناس صارت متشككةً فيما يخص الإسلام والمستقبل“.
نبوءة الكبيسي حول صعود اليمين
وبينما تخشى النرويج وأوروبا من تطور التطرف بين الشباب المسلمين، كان الكبيسي يشدد مبكرا وقبل موجة صعود اليمين الأوروبي بفترة طويلة “علينا في الوقت ذاته أن نراقب الأغلبية النرويجية الصامتة. يعبر المزاج الشعبي النرويجي عن نفسه بالصبر والصمت، لكنه وبغتةً قد ينقلب إلى عدم قبول أي صلحٍ ومساومة، ويصبح شعباً جبّاراً.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي