رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 16 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2099

"أنا" والمستشار الاقتصادي للعبادي

علي الشرع
الضمير "انا" في عنوان المقال هو لأجل لفت نظر القارئ الى ان موضوعه يدور حول كاتب المقال الحالي والدكتور مظهر محمد صالح مستشار رئيس الوزراء، ولم اضعه "لتعلية الذات" بسبب دوافع نفسية خفية رماني بها السيد مظهر دون تثبت ومعرفة سابقة بي في طيّات ردّه الذي نشرته جريدة (العالم) عدد 2017 في 6-8-2018 على مقالي المعنون "العبادي ومستشاره الاقتصادي" المنشور في الاسبوع الماضي على صفحات نفس الجريدة. وفي هذا الرد حوّل السيد مظهر موضوع المقال المذكور الذي يعكس مظلومية الشعب العراقي المستمرة الى استهداف شخصي له، فانبرى يدافع عن نفسه، ويتظلم، ولم يتأسف ولو بكلمة واحدة على حال هذا الشعب وما يمر به من ظروف صعبة. واذا كان القصد من المقال هو الاستهداف الشخصي له كما يدّعي، فأنه لا بد لهذا الاستهداف من غرض؛ فهو لا يخلو على الأقل من احد اغراض ثلاث هي: اما ان كاتب المقال يسعى الى اسقاط الشخص المستهدف من نظر مرؤوسيه حتى يحل محله في العمل، او انه يريد ابتزازه، او انه يحاول ان يبرز امام الملأ تطبيقاً لقاعدة (اضرب المشهور تكن مشهوراً). ولكن غرضين من هذه الاغراض يحتاجان الى بيئة كي تتحقق فيها عملياً، فانا لست زميلاً في العمل للسيد مظهر حتى اسعى الى ازاحته عن منصبه والجلوس مكانه، وليس الرجل في موقع سياسي او تنفيذي حتى ننتفع من ابتزازه من خلال الضغط عليه، اما غرض الشهرة فأنه بعيد عن وضع الكاتب الحالي الذي يرفض حتى نشر صورته مع مقالاته على الرغم من طلب مدراء التحرير في هذه الصحف التي نُشرت مقالاته فيها وأخبرهم انه سيتوقف عن الكتابة اذا كان ذلك شرطاً الزامياً في النشر. 
       والواقع اني كنت اريد التوقف عن الكتابة تماماً؛ لأني وصلت الى نتيجة مفادها انه لا فائدة تُرجى من الكتابة اذا كان صانع القرار لا يتبنى او حتى يناقش ما نكتبه من اقتراحات، ولم يفعل ذلك حتى مظهر محمد صالح نفسه الذي انتفض فقط لما عدّه خطأ انه استهداف شخصي له. ولذا كتبت على صفحات هذه الجريدة مقالاً وداعياً بعنوان (بين الاقتصادي والسياسي: لا رأي لمن لا يطاع)، ولكن اعادني الى الكتابة من جديد هو اني اردت إيصال رسالة الى السيد مقتدى الصدر بعد ان فازت قائمته بأعلى الأصوات واحتمال وقوع عبء تشكيل الحكومة عليه فطلبت منه ان يكف عن المطالبة بحكومة تكنوقراط يقودها العبادي ما لم يفرض عليه استبدال مستشاريه الاقتصاديين والا لن يحدث تغيير يذكر. وان هذه المرّة  سيكون الاقتصاد العراقي في رقبة السيد الصدر، ولكن الرسالة لم تصل الى السيد الصدر كما يبدو فعاد فكرر ما كان يقوله في نقاطه الاربعين. اما مقال "العبادي ومستشاره الاقتصادي" فقصته بدأت صدفة حيث اني كنت شرعت في كتابة مقال بعنوان (نحو نظرية لإدارة الحكم في العراق) فظهر امامي في عناوين الاخبار تصريح للسيد مظهر صالح لإحدى القنوات الفضائية استفزني واغاضني كثيراً حيث بدا فيه وكأنه محلل اقتصادي وليس مستشاراً لرئيس الحكومة تناول فيه العوائق التي تقع حائلاً دون الاخذ بعرض شركة سيمنس في مجال الكهرباء، وقد ذكرتها في المقال السابق ومنها صعوبة تخصيص ارض من قبل هيئة الاستثمار... الخ، في وقت تتلظى فيه الناس من الحر، وتتظاهر، وتموت في البصرة وبقية المحافظات.
      والحق يُقال اني لم اكن اعلم شيئا عن مقالات د. مظهر الثقافية الا مصادفة، حيث اردت ارسال احدى المقالات الى جريدة الصباح الحكومية البائسة، التي لم يكلف نفسه رئيس تحريرها حتى بالرد السلبي على نشر المقالة، وهناك رأيت مقالات السيد مظهر في جريدة الصباح واستغربت حينها من كون الرجل لديه وقت فائض، وهو في موقعه المهم ليكتب مقالات بعيدة عن مجال عمله كمستشار، كان يمكن ان يستثمره في بناء نموذج يسير عليه الاقتصاد العراقي، مستفيداً من خبرته كتدريسي وعمله في البنك المركزي. وتبريره لكتابة هذه المقالات امر مؤسف للغاية، حيث ان الفرد يمكن ان تؤثر فيه المواعظ الدينية لا الخواطر الثقافية لردعه وتوجيهه لإشغال فراغه بما هو نافع. وكان يمكن ان تصل الى الاهداف التي اوردتها في ردك عندما تساهم في جعل الفرد العراقي يشعر بانتمائه لبلده ويساهم في بنائه عندما يرى حقوقه الأساسية في العمل والسكن والخدمات محفوظة، لا ان تصبح احدى مطالبه ومن خلال المظاهرات. 
 ولم يخل مقال (العبادي ومستشاره الاقتصادي) من فائدة فقد كشف لنا عدة امور منها ان المقربين من صانع القرار يقرأون ما نكتب، ولكنهم لا يتفاعلون الا مع الجزء الذي يخصهم على الأقل. اما ما ينفع الناس فانهم اما يخفونه عن صانع القرار (العبادي) كما توقعت في نفس المقال، او انه يطلعونه على ذلك، ولكن لا يعبأ الرجل بذلك؛ لأن السيد مظهر لم يبين لنا موقف رئيس الوزراء مما يُكتب في الصحف مما له صلة باخراج الاقتصاد العراقي من محنته. كما كشف المقال لنا ايضاً عن الجهات التي تخطط للاقتصاد العراقي التي كنت انا اجهلها وبينها لنا السيد مظهر. واقول بصراحة ان على العراقيين ان لا يتوقعوا من رئيس الوزراء القادم ان يعبر بهم هذه المحنة الى الرفاهية التي يستحقونها ما دامت عدة جهات لا جهة واحدة تخطط لهذا الاقتصاد المحطم. ويا ليت اخبرنا السيد مظهر كيف يجري التنسيق بين هذه الجهات، وما هو دور وزارة التخطيط وتقريرها الاقتصادي الذي يسمونه خطة خمسية! لكني أقول الحقيقة أني كنت أجهل طبيعة عمل السيد مظهر، ولم يرتفع هذا الجهل حتى بعد ان كتب رده امس، كونه لم يتطرق الى طبيعة عمله، بل ذكر مآثره التي ينسبها العبادي لنفسه. واذا كنت يا دكتور مظهر غير مسؤول فعلاً عن أي شيء يمكن ان تُلام عليه، فلماذا وضعت نفسك في الواجهة وصرت تصرح بالنيابة عن تلك الجهات المتعددة التي تدير الاقتصاد العراقي، بمن فيهم طاقم المستشارين الاقتصاديين الذين يقبعون في الخلف وابرزوك ليورطوك في تصريحات تثير الناس. ثم تطلب منا ان نسكت عن ابداء ردة فعل عما يُحاك لنا في دهاليز عملكم من فوضى في التخطيط لبناء الاقتصاد العراقي وفساد في التنفيذ. ولا اظن احدا يقبل منك القول انك لست مُلاماً، لأنك لست بنائب لرئيس الوزراء؛ فموقعك يا دكتور مظهر اهم من نائب رئيس الوزراء كونك تأخذ بيد رجل سميته انت "تشرشل العراق"، وهو لا يعرف شيئا عن الاقتصاد العراقي أولاً، ولا يعرف حتى مبادئ الاقتصاد. واذا أخطأت الجهات التي تدير وتخطط للاقتصاد في اقتراح سياسة ما بضمنهم طاقم المستشارين فعليك ارشاده الى خطأ تلك السياسة، ولا يمكنك التنصل من هذه المسؤولية بحال من الأحوال. وكمثل على هذا الخطأ في السياسة هو السعي الى استيراد الكهرباء من دول الجوار بدلاً من انتاجها محلياً، لما فيه من تأثيرات سلبية على القرار السياسي العراقي حيث يمكن ان تستغل هذه الدول ورقة الحاجة الماسة للكهرباء للضغط على الحكومة كلما يشتد وقت الحر. 
 اما تذييله لرده بقوله "حسبي الله ونعم الوكيل" فلم يكن موفقاً ابداً؛ لأنه مقتطع من قوله تعالى (الذي قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فأخشوهم فزادهم ايماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)، ونحن واياك يا دكتور مظهر في مركب واحد ولكن الفرق بيننا هو انك تجلس قرب ربان هذا المركب، ونحن نجلس في داخله ننظر اليكم ما انتم صانعون. فاذا حدث مكروه لهذا المركب فانتم اكثر مسؤولية من الركاب، ويحاسبكم المجتمع والتاريخ اكثر منهم. 
       وأتمنى عليك يا د. مظهر ان لا تنزلق الى ردود فعل السياسيين وابواقهم الذين وصفوا الناس - الذين تظاهروا بعد ان عضهم البلاء وسحقهم بكلكله - بمختلف الاوصاف التي لا تختلف عن وصف الطاغية السابق للمنتفضين ضد حكمه الجائر. ولو انك في ردك قلت انك تتضامن مع أبناء الشعب العراقي الذين انت منهم وستستمع الى كل نصيحة تقع في صالحهم، بدل ان تصفني بالحقد وعدم الموضوعية وخلط الأوراق واني عدو لك وظالم لجهدك، ولو انك فعلت ذلك لكبرت في اعين الناس، وزدت شأنا على شأنك. ولكن الديمقراطية امرها صعب مستصعب لم يتحملها العبادي وخلية ازمته، فما كان منه بعد ان نزل الناس الى الشارع بسبب الاثرة واستمرار المحنة، الا ان يقطع الانترنيت عن الناس ظناً منه انه يحاصر فتنة جديدة أطلت برأسها عليه، فأغاظ الناس من فعله هذا، وتبين لهم ان العبادي لا يختلف عن الطغاة الذين كان يلعنهم لتعديهم على حقوق العباد وتبديدهم أموالهم وتخربيهم بلادهم. 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي