رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأحد - 16 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2099

خواطر مارلين مونرو.. خواطر رامسفيلد..!

نعيم عبد مهلهل
((لدي إحساس عميق بأنني لست حقيقة تماما، بل إنني زيف مفتعل ومصنوع بمهارة وكل إنسان يحس في هذا العالم بهذا الاحساس بين وقت واخر، لكني أعيش هذا الاحساس طيلة الوقت، بل أظن أحيانا أنني لست إلا إنتاجاً سينمائياً فنياً أتقنوا صُنعه..)).
مارلين مونرو
قبل أيام نشرت احد دور النشر الفرنسية ــ الأمريكية دفتراً نادراً كتبت فيه الممثلة الامريكية الشهيرة مارلين مونرو (1923 ـــ 1963) خواطرها وكانت محفوظة عند احد الأصدقاء وعنوان الكتاب الذي صدرت فيه الخواطر هو (شظايا).
وفيه تخط الممثلة المشهورة احساسها الصادق بحرفية من عاطفة مسكونة بالوحدة والقلق والجزع مما يحيطها من صخب كانت تراه دائما صخبا مفتعلا ومصنوعا وتغيب عنه المعاني الإنسانية بالرغم من ان الواشنطن بوست كتبت في حياتها: انها الظاهرة الامريكية الاكثر شهوة من اول رئيس لأمريكا وحتى ازمة خليج الخنازير ..!
عاشت مورنو هذا الانفعال بحساسية وقلق، لكنها ابتعدت لتظهره امام عدسات المصورين وفي الاحمر الصاخب والمغري والصارخ الذي يغطي شفتيها وبالرغم من الاسود والابيض الذي صبغ افلامها كان يظهر اثناء مشهد تصوير قبلة مثل انفجار بركان وعاصفة شهية من اللذة التي يصفها الكاتب المسرحي آرثر ميللر وهو ثالث وآخر ازواجها.. (انها امرأة حقيقية من المعاناة، وما حصلت عليه يسعدها فقط امام الأضواء، وعلى سريرها كانت تمارس البكاء والاستسلام فقط).الخواطر التي كتبها مورنو هي فقط من نتاج البكاء والاستسلام، كتبتها بحس عال وتفكير يمت بصلة الى عالمها. ولكن عالم الوحدانية والذي يعاني من ضجر المنتج الاتي من الدعاية الغربية لصناعة النجوم ومن ثم تحويلهم الى دمى اسطورية ..!
تشعرنا الخواطر بتساؤل عن امكانية ان يكون الانسان من فرط وحدته يائساً وضجراً كاتبا حريفا ومتمكنا من صياغة التعابير عما يغور فيه وبقدرة تعبر عن الحال ما لم يستطع ان يعبر عنه كل المؤرخين والصحفيين الذين كتبوا عن حياتها وسيرتها الذاتية.
كانت الخواطر في صيرورتها تدفقا للألم الكامن والتساؤلات الكبيرة وربما الندم لما انتهت اليه (الشهرة، الدعايات، وتشويه الخصوصية الحياتية بافتراضات كانت الصحافة تضعها كل يوم على صفحاتها الاولى عن سلوك ربما لم تقم فيه)، وبالرغم من هذا كانت مورنو تبدو سعيدة بانوثتها ودهشتها وهذا المغري الذي وضعته في جسدها قالباً من الجسد المثير واللقطة التي كان مشاهدو السينما لا يسمعوا منها سوى الانفاس المحفزة التي تدفعهم الى البحث عن امراة لها نفس مواصفات الشقراء المغرية حد الذي جعل جون كيندي ينسى في بعض المرات مناداة زوجته جاكلين كيندي باسمها المختصر (جاكي) ليناديها: مارلين.
ففي فيلمها (دعنا نمارس الحب ــ 1960) وفيلم (البعض يفضلها ساخنة ــ 1959) اظهرت هذه الشقراء الحزينة فتنة خاصة في ايماءة الجسد وفتنة الصوت، لكنها بعد التصوير كانت تنزوي الى عالم يبتعد عن الاثارة التي يصنعها السيناريو الامريكي الذي دفع الرئيس الروسي خرتشوف ليقول: لقد صنعوا لنا مثل تلك النساء وكان يقصد (مورنو) لكي ينسونا محبتنا الطاغية للحية جدنا ماركس وقبعة الأب (بوبوشكا) ويقصد لينين.
ولكن حتما كما تخيل جونسون نائب الرئيس جون كيندي (ان غرتشوف مستعد ليطيح بلجنته المركزية كلها مقابل ليلة ساخنة معها).
هذه المرأة البيضاء والمطعمة بفتنة النار ظلت وعلى مسيرة اعوام قليلة من الشهرة والعطاء المغري تمثل ظاهرة ادخلت السينما في متاهة الاسطورة ومثلت مع جيمس دين وشارلي شابلن ثالوث الدهشة البدائية للاسود والابيض الذي صنع الاسكوب على طول الشاشة وليُسمرَ اليه العيون ويثيرها بدهشة الانتصاب والتمني والاستمناء. حتى ان فيدل كاسترو المتخاصم بعنف مع الرئيس جون كنيدي قال: ربما ذات يوم سأوسط الفاتنة الشقراء مارلين مونرو لتبعد امريكا سفنها عن جزيرة الخنازير ونصنع اشتراكيتنا كما يحلو لنا.
مارلين ردت على الرئيس: ليلة واحدة اداعب فيها لحيتك واشم عطر تبغ السيكار الفاخر فيها يغريني جدا لأتوسط لك ايها الرئيس.
كاسترو لم يزل حياً وفي شيخوخة مزعجة، ومورنو انتحرت. وما بينهما تشعل ذكريات خواطر القرن العشرين بين غرام وانتقام كما يحدث الان في الثقافة الاحتلالية للقوى الكبيرة وجنرالاتها حيث تعاد الخواطر بموسيقى اخرى يدونها الساسة والمنزعجون من اباطرة غيرهم، خواطرهم الحروب وارتداء بدلات جلجامش ليخلدوا في التيجان والرئاسة. فيكون ازاحتهم بخواطر حرب بحرب. وليس بخواطر القصائد الحماسية والثورية والمظاهرات السلمية كما حدث في بغداد التي مثلت في العصر الحديث (ما بعد الحربين العالميتين) ظاهرة للاكتساح الكامل دون مقاومة تذكر.بطل هذا الاكتساح هو دونالد رامسفيلد. وزير دفاع وشاعر. وفي النقيضين تكمن المقارنة بين خواطر رامسفيلد وخواطر مارلين مونرو ويعيش العالم محنته بين التواريخ وذكرياتها، فأدرك ان دمعتي اسبق مني وانا اقرأ خواطر الممثلة الامريكية واقارنها بخواطر وزير الدفاع الامريكي لاكتشف ان صنعة رامسفيلد في الحس اقدر بكثير من خواطر مارلين... وبالرغم من هذا الرجل لم يسكب دمعة واحدة على الالوف الضحايا الذين سقطوا من جراء عناد الورد الذي يحمله كما حمل مارتن لوثر صكوكه التبشرية: سأجعلكم بلدا من الحدائق وناطحات السحاب...! وربما كان رامسفيلد صادق في خاطرته السحابية ــ الحدائقية هذه، فبغداد اليوم ليست بغداد الامس. تغيرت من الجذور ... عشرات المتروات والفنادق والسينمات و( الاورزديباكات) والمولات وناطحات سحاب ارتفاعها من الشورجة الى المحمودية.هذا النعيم المغري لم تحققه سوى الخواطر الناعسة والقنابل الذكية والمقابر الجماعية. فصرنا بعهدين ضحايا الخواطر...
فما بين خاطرة الحصار وبطاقة التموين وهوسات عابدان ومحافظة الكويت.. وخواطر المفخخات ودموع لجان النزاهة.. وصناديق الاقتراع المحمومة بين الكتل الكبيرة... نعيش حلم الاسود والابيض ونتخيل ان زمن مارلين مورنو كان طعمه فطريا ونقيا وبرئيا وليس فيه سوى خطاب الملك وسدارة الزعيم.. وهما في قياس الحلم والمطر... اعذب الف مرة مما نستورد اليوم من سيارات ونساتل... ومدرعات همر ...!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي