رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 20 اب( اغسطس ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2026

الاعلام العربي تجاهل القمع الممنج للشعب الايزيدي

حاورها/ مازن لطيف
اديبة واكاديمية ايزيدية، حصلت على جوائز عديدة. وصدر لها العديد من الكتب. كتبت عشرات الأبحاث. مدافع أمين وحقيقي عن قضيتها الرئيسية وهي قضية الايزيديين وحقوقهم ومستقبلهم ومصير السبايا الايزيديات... 
عملت مستشارة في برلمان كردستان. انها الدكتورة خالدة خليل التي تحاورها اليوم جريدة (العالم) حول قضية الشعب الايزيدي وحقوقه، ودور الاعلام العراقي والعربي والعالمي.
1. في احداث داعش وسيطرتها على بعض المناطق كنتِ قريبة من الاحداث التي تعرض لها الايزيديون... ما هو دور د. خالدة خليل تجاه أهلها من الايزيديين في تلك المرحلة الحرجة؟
ـ لا يمكن نسيان أحداث ذلك اليوم الأسود في تاريخ اهلي، وفي تاريخ الانسانية التي شكّلت الاحداث المتلاحقة في جبل سنجار وقراه وصمة عار في جبين القرن الحادي والعشرين، والذي يمكن لي ان اسمّيه بـ"قرن السبايا" حيث أعاد البرابرة القادمون من كهوف الظلام عصر النخاسة والعبيد، والفاجعة ان العالم وقف يتفرج على مأساة شعبنا المسالم والآمن العاشق للجمال والحرية، لينتبه أخيرا الى هول ما يجري وما تتناقله الفضائيات، فيستنهض استنكاره، ولكن بعد ان اصبح البشر والحجر والشجر، مجرّد شواهد يتصاعد منها دخان الحرائق والانتهاكات.
 كنت مثل غيري مصدومة من هول ماحدث في الأيام الاولى وما تلاها. لا أخفيك انني من شدة الصدمة لم استطع حتى البكاء على هؤلاء الشباب الذين قتلهم داعش بوحشية وترك جثثهم في العراء. لا تستطيع ذاكرتي ان تنسى صراخ النساء والفتيات اللواتي اقتادهن داعش الى المجهول.
 كنا نترقب الحدث وخاصة أهالي كوجو المحاصرين، وكنا على اتصال هاتفي معهم على امل الإفراج عنهم وعندما سمعت بهروب أهالي قرية الحاتمية ووصولهم الى الجبل. كنت على امل ان يلحق بهم أهالي كوجو أيضاً، ولكن للاسف غدروا بهم في اليوم التالي وقتلوهم وسبوا نساءهم. هل تتصور حين تسمع في مكان ما من العالم حادثاً مأساوياً كهذا كيف يمكن ان يؤلمك فكيف اذا كان هؤلاء هم أقرباؤك وأصدقاؤك واهلك! كانت تلك من اصعب الأيام التي عشتها وانا اتابع لحظة بلحظة مايحدث. وجّهت العديد من الرسائل الى العالم وعبر جهات إعلامية كـ"الواشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" وغيرها، ولم تزل هذه الرسائل في أرشيفي الشخصي باعتبارها "وثائق" أناس مغدورين، لتنقل كيف كانت المواد الغذائية والمساعدات ترمى بالطائرات على الجبل، ولم يستطع كثيرون التقاطها، فمات المسنون من العطش ودُفن الأطفال الابرياء تحت الصخور بسبب عدم تحملهم الحر والجوع والعطش.هل لك ان تتصور كيف تواجه الامهات اصعب اللحظات حين كانت تواري جثة طفلها التراب، وتمضي لتكمل الرحلة نحو الجبل، ذلك الملاذ الآمن على مر الزمن من الإبادات الجماعية التي لحقت بالايزيديين.
حين استعدت بعض قواي بعدها بأيام وذهبت الى الباقين الذين فروا باتجاه كردستان. كان لقاؤهم صعبا حينها لانهم كانوا ينزفون وبكاؤهم على ذويهم لا يتوقف.
 وبدل ان نهدأهم انضممنا الى احزانهم. فتلك تعرض صورة ابنتها وتلك تبكي أمها وهذه فقدت اختها وأباها وتلك ذبحوا زوجها.. كارثة انسانية بكل المقاييس والتي تحتاج الى الجنون ليمكن تصديقها.
2. برأيك هل انصف الاعلام العراقي والعربي القضية الايزيدية، وما تعرضوا له من دمار مادي ومعنوي؟
ـ بالتأكيد لم يكن الاعلام العراقي والعربي بمستوى الحدث، وكان مقصراً في التركيز على تلك الابادة التي تعرض لها الايزيديون وما يزال. ويا ليته قد توقف عند هذه الحدود، بل ذهب البعض الى تبرير افعال داعش على ان الايزيديين كفار مع ان كل ذنبهم انهم مختلفون في العقيدة! لم يكن الاعلام العراقي والعربي منصفاً تجاه اية قضية تخص الاخر المختلف. ومعلوم ان دور الاعلام يجب ان يكون توعوياً ويسعى الى محاربة الفكر المتطرف بالفكر النير من خلال برامج تدخل الى بيوت الناس، لكي يحدث التوازن بين ما يعرض أمامهم من فكر متطرف في أماكن اخرى، وبين الفكر الذي يحارب هذا التطرّف لكي لا تنجر الأجيال الى خطر يحدق بهم اذا بقي تجاهل هذا الامر مستمراً. 
صدقني نحن بتنا في زمن اصبح الإنترنيت خاصة فيه نقمة حيث بات يعولم الارهاب من خلال مواقع تحتاج للمراقبة والسيطرة. 
3. ما هو موقف الحكومة الكردية من مسألة السبايا؟
ـ حكومة كردستان ومنذ اللحظة الاولى لحدوث الابادة كانت هي المعين الوحيد للايزيديين. في كل المدن الكردية دهوك واربيل والسليمانية باقضيتها ونواحيها فتحوا أبوابهم ومدارسهم لإيواء الناس الذين توافدوا عليهم من سنجار ومن بقية القرى التي طالها التهديد. موقفهم الإنساني لا يمكن نسيانه، ناهيك عن ان الحكومة التي شكلت "اللجنة العليا للجينوسايد" والتي ما يزال عملها مستمرا في توثيق جرائم الإبادة، فضلا عن افتتاح مكتب يختص بشؤون المختطفين والمختطفات من قبل السيد رئيس وزراء الاقليم الاستاذ نيجرفان بارزاني في دهوك، والذي وعدنا بأنه سيفعل ما بوسعه لإعادة المختطفات وقد لمسنا تحقيق الوعد بالفعل وأعيد حتى الان اكثر من ألفين وثلاثمائة مختطف ومختطفة. كما ان الحكومة ما تزال تولي الاهتمام بالمخيمات التي هي بحاجة ماسة الى الكثير من الاهتمام والرعاية وخاصة الناجيات بسبب وضعهن النفسي. كل هذا وحكومة كردستان مقطوع عنها حصتها من الموازنة الاتحادية منذ ٢٠١٤ وفِي ظل ظروف اقتصادية صعبة ابرزها انخفاض أسعار النفط.  
4. هناك من تاجر بقضية الايزيديين وسباياهم... برأيك هل اكتشف الايزيديون هذه المتاجرة؟
ـ في كل مكان من العالم عندما تكون هناك ابادات او كوارث فان ذلك ينتج نوعا مما يمكن ان أسمّيه بـ"الطفيليات البشرية"، ويخلق اناساً يتحينون الفرص للاتجار بتلك المأساة. مؤخراً ادرك الأيزيدي بان هناك من اتخذ من مأساته، ومن سباياه، ومن قصص ابادته وتهجيره بهجرة دونها "تغريبة بني هلال" التي ترويها القصص الشعبية وكتب التراث، اتخذ من كل ذلك وسيلة للاسترزاق الدنيء والمتاجرة الرخيصة، ومما يؤسف له ان قسما اخر منهم ما تزال على عينيه غشاوة،  ولم يستطع ان يتبين حقيقة الوجوه المدعية الزائفة، لكن الزمن كفيل بغربلة كل شيء.  
5. هل وثقت د. خالدة خليل احداث السبايا خاصة انك اديبة وكاتبة وباحثة؟
ـ بالتأكيد نعم.
 ومن خلال عملي مستشارا في برلمان كردستان فإنني قمت بتوثيق هذه الجرائم عن طريق لجنة شكلها البرلمان برئاستي وعضوية شخصين اخرين. وفي القسم الاول من عملنا كان هناك ما يقرب من ألف صفحة ضمّت تدوين إفادات الناجيات والناجين من براثن داعش. بينما احتوى القسم الثاني على توثيق المعابد والأماكن المهدمة. اما القسم الثالث وهو مهم جدا فانه يعرض المقابر الجماعية التي ما تزال مهملة وتتعرض لعوامل التعرية الجوية مما قد يهدد بفقدان هذا الدليل الهام من ادلة الجرائم ضد الانسانية. ولا يخفى على أحد وضع سنجار، والصراع الدائر فيها مما حال دون الاهتمام بها بهذا الجانب. من جهة أخرى، فان وقع المأساة على خالدة خليل كونها شاعرة وروائية كان كبيرا فقد ضمنتُ مخزون القصص الحقيقية لوقائع ما جرى في اعمال ادبية ستظهر قريباً على شكل قصصي يتحدث عن مجازر كوجو، حيث اعدم الدواعش مئات الرجال قبل انسحابهم من تلك القرية المنكوبة من قرى سنجار. 
6. د. خالدة خليل فازت بالانتخابات واصبحت برلمانية. ماذا سوف تقدم للايزيديين، وهل سوف تطالب بحقوقهم في الاعلام فقط، كما فعل نواب سابقون لم يقدموا شيئاً للايزيديين سوى التصريحات والظهور الإعلامي المتكرر؟
ـ السياسة كما يقول الروائي ماريا فارغاس يوسا هي شق الطريق بين الجثث، ولذلك فان دهاليزها كثيرة، كما ان القضايا فيها عرضة للتوافقات، لكن الأيزيديين هم اهلي وناسي، ولذلك سأجاهد ان اكون صوتهم العالي من اجل حقوقهم وتعويض ممتلكاتهم. وفي الوقت نفسه اؤكد لهم بأنني سأفعل ما بوسعي من أجلهم وضمن برنامج قائمة الحزب الديمقراطي الكردستاني التي تهتم بالمكونات جميعاً وتسعى جاهدة الى تعريف العالم بمآسيها وخاصة الابادة الاخيرة التي حدثت للمكون الايزيدي.
 معا ومن داخل كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني سنكون يداً واحدة في محاولة التعريف بجرائم الابادة، سواء في البرلمان العراقي أو من خلال العمل على إيجاد طريقة نعرضها امام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، بالرغم من كون العراق غير موقع على نظام روما. ليس هذا فحسب بل ان تثبيت حقوق الكرد والكردستانيين ضمن ما أقره الدستور العراقي في عام ٢٠٠٥ هو من صلب عملنا في البرلمان للسنوات القادمة. وبالتأكيد ليس من خلال التصريحات فقط مع انني كاتبة وأقرّ بأهمية الاعلام في التركيز على القضايا المهمة، إلا ان ذلك وحده غير كافٍ برأيي، ويجب ان يكون العمل الجدي متزامناً مع الاعلام. 
7. ما هي رسالتك للعالم حول حق الشعب الايزيدي؟
ـ الأيزيديون، وباعتبارهم كرداً، عانوا كثيراً بسبب الإبادات والمجازر المتكررة. وآن الاوان ليعترف العالم بحقوقهم في حياة حرة آمنة وكريمة. آن الاوان ليقروا بما اراده الله من اختلاف بين البشر. اختلاف قومي او ديني. لنحترم بَعضنا على اساس إنساني وننشر الحب وقبول الاخر على هذه الارض لكي تنعم الأجيال القادمة بحياة آمنة بعيدة عن التطرّف والاقتتال والتهميش.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي