رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 18 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2063

نبض الشارع.. والتيارات الصاعدة والهابطة، والتيارات الكبرى(2)

عادل عبد المهدي

هذه امثلة مختصرة جداً عن نبض الشارع، والتيارات الكبرى، والصاعدة، وأهميتها لتقدير مواقف للمستقبل.
1- من المهم ان يكون الانسان وسط الجمهور، وان يمتلك ادوات لتفسير الظواهر واستنطاقها الصحيح. لكن الأهم معرفة قوى التغيير سلباً او ايجاباً.. ففي نهاية الستينات وعودة "البعث" للحكم، كان نبض الشارع وتقديرات القوى ان الحكم الجديد لن يصمد طويلاً، قياساً على التسعة اشهر لتجربة 1963.. فقوى "البعث" يومها صغيرة وممزقة، وغفلت الاغلبية ان صدام حسين يريد ان يكون "نبوخذنصر" و"ابو جعفر المنصور" و"بسمارك" سوية.. فطهر جبهته الداخلية، وصفى اعدائه الخطرين، في الحركات الإسلامية والقومية واليسارية.. وتوجه لبناء سلطة تعرف كيف تعاقب وتكافىء، واسس الجبهة الوطنية ليعطي للحكم بعداً شعبياً، ووقع اتفاق 11/3/1970 للحكم الذاتي، وسعى لان يأخذ دور مصر عربياً، وان يقيم عالمياً علاقات استراتيجية بالكتلة الشرقية، دون ان يغفل الدول الغربية، خصوصاً فرنسا.. فحكم ثلاثة عقود ونصف معتدياً على شعبه وجواره. 
2- ستبقى الديمقراطية والعلمانية والمدنية والاديان والاسلام السياسي خصوصاً، تيارات كبرى وصاعدة.. لكنها ستشهد جميعها تغييرات جذرية في مبانيها.. فدور الشعب في الديمقراطية سيزداد وسيتراجع دور النخب.. ونحن نمر بمرحلة شعبوية ليس في العراق فقط، بل في العالم اجمع، مما سيقود لحالات داخلية متوترة، خصوصاً مع زيادة الهجرة، مما سيغير الكثير من التشريعات وانظمة الحكم باتجاهات اكثر تشدداً وتضييقاً للحقوق والحريات العامة والخاصة. وستشهد التيارات الدينية حالة تكيف اكثر فاكثر مع التيارات المدنية والعلمانية، والعكس صحيح. ذلك ان استطاع الاول التخلص من اثار التجارب الفاشلة السياسية، وخصوصاً العنف والارهاب الذي ارتبط في حالات عديدة باسمه، رغم انه اهم ضحاياه.. والثاني من العنصرية والكيل بمكيالين. 
3- ستشهد العولمة والتواصل تقدماً متزايداً، مع ظاهرة انكفاء لقوى مؤثرة لما يسمى "ما بعد العولمة". ونماذجها "البريكزت" و"الترامبية" ونزعات الانكفاء. لا يكفي معرفة التيارات الصاعدة بل يجب ايضاً معرفة التيارات الهابطة، فمن اعتاد النظر لبريطانيا كدولة عظمى سيخطىء تقدير موقفه بعد الحرب العالمية الثانية خصوصاً مع صعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.. ومن يرى انهيار نظرية القطبية الامريكية، ويفهم قرارات الرئيس "ترامب" في التخلي عن سلسلة من القرارات والاتفاقات الدولية كنقل السفارة الامريكية للقدس والمناخ والاتفاق النووي وتجديد العقوبات على ايران، ومعارضة اغلبية ساحقة من دول العالم ومنها الامم المتحدة لذلك كله، سيرى ان الرئيس "ترامب" يسارع في عزلة امريكا واضعافها ودفع مساراتها نحو التقوقع والهبوط بكل الاثار الهائلة المتوقعة نتيجة ذلك.
4- ان قوى السلطة والثروة النفطية لدينا فقدت –على الاغلب- دورها المبادر والمحرك والقيادي، والاسباب عديدة، واهمها انه لو كان هناك حل من داخل السلطة والقوى السياسية الراهنة لكشف عن نفسه بوضوح، وسنبقى نأمل ذلك. وقد يأتي الحل من خارج الدولة، من قوى المجتمع لاصلاح الامور ومن جملتها الدولة.. او من اوضاع سياسية جديدة في البلاد او المنطقة ترتب حلولاً تفرض نفسها على الحكم والسلطة والقوى السياسية. وما حصل بعد "الفتوى الكفائية" او الاحتجاجات الاخيرة قد يؤكد نظرتنا بان قوى التغيير قد انتقلت الى خارج السلطة، اكثر مما هي في السلطة نفسها. 
5- هناك تيارات تكنولوجية وكونية وبيئوية صاعدة، قد لا يكون بعضها كبيراً وشاملاً اليوم. فنحن نقف امام الثورة التكنولوجية الرابعة، ودور الذكاء الالكتروني والانسان الالي والزراعة الذكية، بدون تربة او بمياه البحر.. والصناعة المبرمجة والطاقة الرخيصة والنظيفة.. وأمام ضخ المزيد من الشهادات والكفاءات، وكلها تيارات صاعدة، وستصبح كبيرة وشاملة، وسيعتمد تقدمنا على موقفنا وموقعنا في هذه التطورات. التي ستزيد الانتاج الاجمالي، لكنها ستزيد العاطلين.. الذي سيعمقه ازدياد السكان.. فنسب الفقر ستتراجع كتيار عام، لكن اعداد الفقراء ستزداد.. فـ(1%) الذين يملكون نصف ثروة العالم في 2015، كانوا يملكون (44%) عام 2010، وستزداد الفجوة الطبقية.. التي قد تتمكن من ابقاء النظام والتوازن باجراء تغييرات جذرية في نظريات الاجتماع وتوزيع الثروة، ليس على اساس العمل والانتاجية، بل على اساس حصول الجميع على الحماية والتطوير وتقدم مستويات الحياة وان كان بمعدلات متفاوتة جداً.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي