رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 20 اب( اغسطس ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2026

A film by Kasim Abid مرايا الشتات.. عندما تكون المرآة صافية

قاسم حول
بعيداً عن المسؤولية الصعبة والمتعبة التي كلفت بها من قبل إدارة مهرجان "وهران السينما" في الجزائر العربية والجزائر التي عانت في سبيل الحرية والإستقلال. كلفت أن أترأس  لجنة تحكيم الأفلام في شقها الوثائقي،  أكتب هنا عن فيلم أحببته كثيراً، وشروط الحب هي أيضا صعبة، وهي أصعب المفردات في الحياة. وكنت أظن أن حب الوطن هو الحب السهل، إذ ليست له مفردة نقيضة تسمى الكراهية، لأكتشف بأن حب الوطن هو الأصعب، فيما الإنسان في عوالم المحبة والكراهية الأخرى تتعارك أمزجته وتخضع لعوالم غير عوالم الوعي مهما بلغ مداه .. كتبت يوما "لو لم يكن لي أعداء لكرهت نفسي" وهذه المقولة تندرج في الحب والكراهية، تندرج في الحسد والغيرة، تندج في سلالم الصعود والهبوط، تندرج في عوالم التألق والإنحطاط، تندرج في عوالم الغدر والإدعاء البديل!
فيلم "مرايا الشتات" كان أمامي كرئيس لجنة تحكيم مع أربعة من المبدعين في مجال الأدب والصحافة والموسيقى وكل عوالم السينما والثقافة، وكان أمامنا أربعة عشر فيلما طويلا تتراوح أطوالها بين الساعة والساعتين، بإستثناء فيلم واحد يقع في ست وعشرين دقيقة، فيما عدد الأفلام الروائية في المهرجان هي عشرة أفلام. هذه المدد الزمنية للأفلام الوثائقية لا تتناسب وعدد أيام المهرجان البالغة خمسة أيام حين نستثني الإفتتاح والختام، ومتاعب السفر وضرورة الإستراحات والتأمل كي تتسم محاكمة الأفلام بالموضوعية لمناقشة القيم الفكرية والفنية الجمالية لهذا الفيلم أو ذاك!
شاهدت فيلم "مرايا الشتات" على الشاشة السينمائية وليس على شاشة خاصة بلجنة التحكيم، كما شاهدته في الصالة الخاصة بلجنة التحكيم بدون جمهور وردة فعل جمهور متباين الأمزجة في المشاهدة. فأسباب الحرص على هذه المشاهدة تتعلق بالعراق، وحب العراق "الإفتراضي" الخالي من المفردة النقيضة للحب. يضاف إلى ذلك التوق لمعرفة حجم الإبداع لفناني العراق في وطنهم وفي منفاهم، أعني بذلك السينمائي "قاسم عبد" لأتعرف ليس على قدرته الإبداعية فحسب، بل على الفيلم الذي قادني إلى عدد من المبدعين في الفن التشكيلي العراقي الذي يتسم باللغة القياسية والتي يطلق عليها "العالمية" فالفيلم يتحدث عن سبعة فنانين في أربعين عاما من الشتات والغربة وما تفرزه من العلاقة المتداخلة بين حقيقة الإغتراب وتفاصيل تلك الحقيقة اليومية والأبدية في التاريخ وفي المعاصرة التي زجت بالكوارث والحروب والقمع والخوف والدكتاتورية البغيضة.
أعرف كل الفنانين في الفيلم من خلال أعمالهم التشكيلية، وأعرف بعض هؤلاء الفنانين معرفة شخصية. وكنت في توقع لكي أرى أعمالهم من خلال عين سينمائية واعية، تضفي على القيمة الإبداعية التشكيلية قيمة ثانية. تمكن "قاسم عبد" ونجح كثيراً ليس فقط في تصوير لوحاتهم ومنحوتاتهم بل في تصوير شخصياتهم ومعاناتهم وأيضا في تشكيل يستحق المصافحة بثقة التهنئة النابعة من القلب الصافي الذي لا يشوبه القذى، وحتى بعيدا عما قيل "إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى .. ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه"! وأنا من النوع الذي يفضل أن يعش عطشانا على أن يرتوي من ماء صداقة ملوث بالقذى، حتى وإن كانت قذاة واحدة، لذلك فقد كثر أعدائي "من الأصدقاء أو ممن كانوا يدعون الصداقة فكسرت الحاجز الذي كان يحميني وندمت كثيراً حين كسرته"، وحين قررت أن أكتب عن فيلم "مرايا الشتات" فأني على يقين من جمال الفيلم وصدقه. لكنني مع شديد إعجابي بالفيلم، وددت لو لم تنشغل السيدة "عفيفة لعيبي" الفنانة الوحيدة في الفيلم بالحديث عن علاقتها بزوجها التي أخرجت الفيلم عن سياقه وجراحه المثخنة بالنفي والغربة. وهو مسار الفيلم وغربة شخصياته ومصداقية همومهم عن الوطن والتعبير باللون والتشكيل والتأطير، في أشكال متعددة الإتجاهات وقوية المضمون والمزج  اللوني بين الذات والكنفاس والطبيعة . كان على الفنانة "لعيبي" الإكتفاء  بالحديث عن الملائكة، التي تشعر بأنهم يحمونها، فترسمهم على لوحاتها الجميلة. فوددت لو لم يدرج الفنان قاسم عبد ذلك المشهد، لكنه راح معها مستكملا الحكاية!
عندما يقف الإنسان أمام المرآة فإنه يرى نفسه، ولا يرى ما في نفسه. وفي فيلم "مرايا الشتات" وقفت أمام المرآة، فشاهدت العراق بكامله من خلال لوحات عدد من المبدعين في المنفى وهي أمثلة لعدد أكبر في شتى مجالات الحياة. هؤلاء المبدعين هم "جير علوان، علي عساف، رسمي الخفاجي، بلادين أحمد، كاظم علي، كاظم الدخيل، عفيفة لعيبي وهي المرأة الوحيدة من بين التشكليين العراقيين السبعة! أين نضع  فيلم "مرايا الشتات" في مسيرة السينما العراقية؟ يسجل ضمن سينما المنفى العراقي، سينما الغربة، فهو يسجل في "سينما الوطن البديل!" إذ من الصعب أن نزج هذا الفيلم الجميل في مسارات سينما مزيفة في حقبة الدكتاتورية وما بعدها. وحتى نقول سينما عراقية فإننا نحتاج إلى وطن ينشيء القاعدة المادية للإنتاج السينما، حتى تتشكل مع الوقت ملامح سينما عراقية يديلة، يحاول في الضفة الأخرى لعراق المنفى عدد من السينمائيين الشباب بناء قاعدة مادية في الواقع العراقي شبه المستحيل! المعادلة تبقى صعبة في ثقافة الوطن وثقافة المنفى، والأكثر صعوبة بين سينما الوطن وسينما المنفى وسينما الغربة .. وأعني بها الغربة الداخلية للفنان وهو في الغربة الجغرافية! 
مرايا الشتات فيلم مهم وصاحبه قاسم عبد سينمائي مهم تجاوز في فيلمه هذا المكان والزمان .. تجاوز الممكن وحتى المستحيل! وهو يسجل إبداعات عدد من تشكيلي العراق الذين هم أيضا تجاوزوا الزمان والمكان، وتجاوزوا الممكن وحتى المستحيل!

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي