رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 20 اب( اغسطس ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2026

ليس بالخبز وحده!

محمد عبد الجبار الشبوط

لا اذكر متى مرّت بي هذه العبارة "ليس بالخبز وحده يحيا الانسان"؛ لكني اذكر انها قديمة جدا. ومنها عرفت ان حياة الانسان لا تقوم فقط بتلبية الاحتياجات المادية البيولوجية له بدءا من الخبز؛ انما تتطلب حياة الانسان امورا اخرى في مقدمتها الحرية.
الشعوب الجائعة تثور من اجل الخبز، لكنها لا تفعل ذلك من اجل الخبز وحده، انما تفعل ذلك من اجل الحرية. في فيلم روبن هود بطولة رسل كرو يسأل الملك جون الرافض لتوقيع وثيقة الماغناكارتا عام ١٢١٥: هل تريدون ان ابني لكل انسان قلعةً؟ ينبري روبن هود من بين الجموع ليقول للملك: بيوتنا هي قلاعنا، انما نريد الحرية. ومهما اختلفت تعريفات الفلاسفة والمفكرين للحرية، فانها لا تعني فقط منع الاكراه، وانما تعني القدرة الحقيقية على الفعل في اطار القانون مع عدم الاضرار بحقوق وحرية الاخرين.
عارضنا بقوة النظام البعثي الصدامي. رغم ان البعث كان يتبنى عقيدة سياسية من ثلاث كلمات احداها "الحرية"، لكن النظام السياسي الذي اقامه لم يكن فقط قائما على الاكراه، انما هو في الحقيقة كان قائما على حرمان المواطن من امكانية التصرف. فلم يكن المواطن يتمتع بحرية التعبير والتجمع وتشكيل الاحزاب واصدار الصحف والعمل والسفر. كان المواطن مجرد رقم لا يقدر على شيء.
وحين سقط نظام صدام بالتدخل الخارجي، والعزوف الداخلي عن الدفاع عنه، كان المطلب الاساسي للمواطنين هو الحرية. فالمواطن الحر هو اساس البناء الاجتماعي السياسي الصالح السليم. 
والحرية تعني السيادة. وسواء قلنا بنظرية الاستخلاف الرباني الموجودة في القرآن، ام قلنا بنظرية سيادة الشعب او الامة الموجودة في الفكر الغربي فان النتيجة واحدة وهي ان لا سلطة لاحد على احد الا بالدليل. لا يجوز ان يتسلط احد على احد ابتداء. واذا كان للسلطة جانبان هما السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، واذا كان من المتعذر على شعب يبلغ تعداده حوالي ٣٨ مليون نسمة ان يباشر السلطة بشقيها بنفسه، فان الشعب اختار الديمقراطية التمثيلية التي تقوم على اساس قيام الشعب عبر الانتخاب الحر باختيار ممثلين عنه لممارسة السلطتين، من اعلى نقطة في هرم الدولة الى اخر مستوى فيها. ومن هنا جاءت فكرة مجلس النواب، ومجالس المحافظات، والاقضية، ومجالس البلديات الخ. وبالمناسبة، فعلى خلاف ما يشاع من نشوء الديمقراطية في اثينا قبل ٢٥٠٠ سنة، فان الديمقراطية نشأت في العراق القديم قبل ذلك باكثر من الف سنة، وهي ما يطلق عليه الباحثون عنوان "ديمقراطية المجالس"، اي الحكم عن طريق المجالس، ومن لا يعلم بهذه الحقيقة بامكانه مراجعة ملحمة گلگامش للسرعة.
من هنا كانت فكرة المجالس ممارسة ديمقراطية عريقة واصيلة في العراق، وتعبر عن حضور الشعب وفاعليته في مختلف مستويات الدولة. ولهذا السبب، فاني لست مع المطالبة بالغاء مجالس المحافظات، كما يريد بعض الاخوة المتظاهرين السلميين، الذين ساءهم سوء اداء مجالس المحافظات الى درجة جعلت بعضهم يقول انها حلقة زائدة. والواقع انها ليست حلقة زائدة انما هي حلقة في سلسلة طويلة اسمها سيادة الشعب، والدولة الديمقراطية الحضارية الحديثة لا يمكن ان تقوم الا على سيادة الشعب، والمجالس التمثيلية على عدة مستويات هي تعبير مؤسساتي عن سيادة الشعب.
نعم، يوجد سوء اداء بالنسبة لمجالس المحافظات. اعترف بذلك. فهذه هي سمة الدولة العراقية الوليدة ونظامها السياسي الهجين. وهذا ما ندعو الى معالجته بالتظاهرات السلمية وغيرها. والمعالجة لا تكون بالغاء مجالس المحافظات، انما بمعالجة اسباب سوء الاداء.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي