رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2043

الشيطان ..!

قاسم حول

عذراً، فليست لي مشكلة مع الشيطان. لم يؤذني يوما، ولم يسرق أجوري مثل ما عملت دائرة السينما والمسرح علنا وصراح في نهب مستحقاتي عن إخراج فيلم. ولم يلغ الشيطان ثلاثين عاما من خدمتي التقاعدية مثل فعل وكيل وزير الثقافة،  لم يضربني الشيطان يوما، ولم يعمل على تعذيبي في بيوت الأشباح، لم يطردني الشيطان من وطني وبشردني عشرين عاما لحين قبلني بلاد الكفرة مواطنا محترما على أراضيه، ولم يسرق الشيطان ثروات بلدي. وحين أغرى الشيطان آدماً، بأن يأكل التفاحة من شجرة الجنة، فلقد أثبت العلم بأن التفاح أهم فاكهة غذائية صحية، وكل أهل أوربا حين يذهبون للعمل يضعون في حقائبهم اليدوية تفاحة. لذلك مذ وعيت قررت أن لا أذهب للحج ولن أرمي الشيطان بالحجارة! 
والشيطان هو أسطورة خرافية من الأساطير التي سطرتها البشرية، في مفهوم الخير والشر، وألقت عليه كل تبعات الكوارث والحروب وفساد الأنظمة وجفاف الأنهار وإنقاطاع الكهرباء.  فقد ورد ذكره في الكتب السماوية، أنه "يوسوس في صدور الناس" .. وهو لم يوسوس في صدري يوما، وأتحدى أي مواطن عراقي أو عربي أوغير عربي، وسوس الشيطان في صدره، وليخبرني أن قال له "مد يدك في خزائن البنك المركزي العراقي تخرج ثرية وأمينة ونظيفة" لأن الذين سرقوا أموال الشعب كلهم من عبدة الله وليسوا من جماعة الشيطان. راقبوهم على شاشات التلفزة وشاهدوا البقعة السوداء على جبهاتهم، فهم ليسوا من عبدة الشيطان. ثم أن الشيطان، لم يشكل مليشيات تبتز الناس وتخطف أبناءهم، وتلقي بأجسادهم في ساحات النفايات، بل أن الذين يخطفون الشباب كلهم ينتمون إلى أحزاب دينية تعبد الله وتؤمن باليوم الآخر، ولم أسمع يوما جماعة من عبدة الشيطان خطفوا مواطنا عراقيا بريئا وطالبوا أهله بالفدية!
كان العراقيون في زمن الدكتاتور يدعون الله أن يخلصهم من نظام القاتل الدكتاتور، ويقولون "ليأتنا الشيطان بديلا، وسنقبل به حاكما. فقط أن يرحل عنا هذا النظام الجائر" فإستجاب الله لدعاء المسلمين والمواطنين العراقيين، لكنه لم يأتهم بالشيطان بديلا، بل أكرمهم برجال الدين الذين يؤمنون بجلاله وباليوم الآخر، ويؤدون الصلاة ويأتون الزكاة، ويؤدون فريضة الحج ويرجموا الشيطان بالحجارة والجمرات. لكنهم حين يعودون من حج بيت الله الحرام، يتوجهون مباشرة إلى خزائن البنك المركزي العراقي وينهبون ما وهبه الله من الخير للعراق والعراقيين، وأفقروا الشعب العراقي وإحتقروه، وأغلقوا مؤسسات العلم والتربية والتعليم، وهدموا مدارس الأطفال، وحولوا الوطن العراقي إلى مبغى ودور للأيتام ودور للعبادة! هؤلاء الذين تسلطوا على مقدرات الوطن الجميل هم المفسدون المترفون!
يوما قرر ياسر عرفات الذهاب إلى مكة في المملكة العربية السعودية ليؤدي فريضة الحج، وقيل أن سلطة المخابرات في المملكة العربية السعودية أعطت ياسر عرفات حجرة كي يرجم بها الشيطان، فتلفت أبو عمار يمنة ويسرة، ووضع الحجر في جيبه، فسأله مرافقه "لماذا لم ترجم الشيطان بالحجر يا أبا عمار" أجابه أبا عمار "لم يفعل الشيطان لنا شيئا، وقد نحتاج إليه ذات يوم"!
بتلك الحجارة التي أخفاها ياسر عرفات في جيبه، رمى بها جنود الدولة العبرية المغتصبة لفلسطين، وأعطى الإشارة لشعب فلسطين كي يشعل ثورة الحجارة ضد جنود الإحتلال الذين يحظون اليوم بإحترام البلدان الإسلامية، تلك التي وضعت قرب الحجر الأسود، نصبا للشيطان الرجيم كي يرمه المؤمنون بالحجارة!
تمنيت لو إستجاب الله لدعاء العراقيين أن يخلصهم من نظام صدام حسين، ويأتيهم  بالشيطان بديلا!
أرجو من البشرية أن تعتذر من الشيطان، فإنه لم يفعل سوى نصيحته لآدم وحواء أن يأكلا التفاحة من شجرة الجنة، وسوى ذلك لم يؤذ أنسانا في حياته .. والبينة على من إدعى!
سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي