رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 19 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2081

الضريبة وإيجار السكن ومتوسط دخل الفرد فـي العراق

علي الشرع
واحدة من المشاكل الرئيسة التي تواجه الاسر في العراق هي نقص عرض الوحدات السكنية مقارنة بالطلب المتزايد عليها بسبب النمو السكاني من جهة، ولانشطار العوائل الكبيرة وانفصالها الى اسر صغيرة من جهة أخرى، وادّى ذلك الى ارتفاع معدلات الايجار الى درجة لا تتناسب مع متوسط الدخل القابل للتصرف للمواطن. وهنا لن اتطرق الى مشكلة هذا النقص او طرح حلول له، بل اريد التحدث عن الانفاق على ايجار السكن نسبة لمتوسط دخل الفرد القابل للتصرف، وكيفية التخفيف من هذا العبء على  أصحاب الدخل المحدود من خلال فرض ضريبة على ايجار العقار المعد للسكن.
      وحسب قوانين انجل  Engel Laws  فأن نسبة الانفاق على ايجار السكن تبقى ثابتة مع ارتفاع الدخل وليس كما هو حال الغذاء مثلاً الذي تنخفض نسبة الانفاق عليه كلما زاد الدخل. وهذه الظاهرة ليست عامة حيث نجد في الواقع المعاش خلاف ذلك، فاذا ارتفع دخل الفرد، فأنه يحاول ان يبحث عن منزل بديل ومكان أفضل يتناسب مع مستوى دخله الجديد، ولذا يزيد من انفاقه على ايجار السكن، ولعل نسبة مهمة من التحركات السكانية في الظروف الطبيعية داخل البلد الواحد يمكن ان تُعزى لهذا السبب.      وفي العراق تُفرض ضريبة على عائدات العقار بمعدل 10% سنوياً، ومعدل العائد (الايجار) السنوي (مطروحاً منه الاندثار ومعدل ضريبة 10%) هو اكبر من العائد السنوي (الفائدة 6%) اذا ما اودع نفس المبلغ في البنك حتى مع اعفائه من الضريبة، ومع ذلك لا تجد ذلك النمو في قطاع الاسكان الذي يسد حاجة الطلب من الوحدات السكنية. ومن الناحية القانونية، وحسب القانون العراقي فأن معدل 10% هذا يُدفع من قبل المكلف بدفع الضريبة، والغريب في الامر ان النص القانوني يبين ان الضريبة تُفرض على عائد العقار بمعزل عن الدخل الإجمالي للمكلف بحجة تجنيبه معدل ضريبي مرتفع اذا ما تم دمجه مع ضريبة الدخل. ولكن فرض الضريبة بهذا الشكل بصرف النظر عن تركيبة هذا الدخل سيكون فيه ظلم لصاحب العقار الذي قد يكون مصدر دخله الوحيد هو عائد ايجار عقاره. وقد تكون مصادر دخل المكلف متنوعة من العمل ومن ايجار العقار، ويلزم ان يكون بإزاء كل نوع من الدخل معدله الخاص به، لا ان تُفرض عليه اجمالاً. ومن المناسب ان تُذكر في متن القانون مسألة مراعاة الظروف الشخصية للمكلف ولا يتم الاكتفاء بها في طريقة احتساب الضريبة على اجمالي دخل المكلف، فيكون النص هكذا "ان معدل الضريبة 10% سيكون مفروضاً على ايجار العقار بعد الاخذ بنظر الاعتبار مؤنة السنة التي تتضمن مستوى معيشة لائقة (وليس الاندثار فقط) لصاحب العقار" وهكذا تقييد معمول به في التشريع الإسلامي حيث يُقرن لفظ المؤنة مع كل ضريبة، وهو خلل يجب ان يُعالج من جانب وزارة المالية. والواقع ان النظام الضريبي بحاجة الى إعادة هيكلة لمعدلاته الضريبية الحالية بما ينسجم مع نمط الملكية السائد في الاقتصاد العراقي، وبما يساهم في تحفيز النمو الاقتصادي فيه.
      اما من ناحية متوسط دخل الفرد الشهري القابل للتصرف (وليس متوسط الدخل الفردي من الدخل القومي الذي يمتاز بالتحيز والتضليل كما هو معروف) فلا يزيد في أحسن الأحوال عن 750 الف دينار (يعادل 625 دولار)؛ لأن غالبية ارباب الاسر هم من الموظفين الذي يمثلون شريحة كبيرة من القوة العاملة في العراق. وحتى في القطاع الخاص، فأن العامل لا يحصل على اكبر من هذا المبلغ. وامام هذا الدخل المنخفض نسبياً نجد ان معدل الايجار يصل كمتوسط الى 400 ألف دينار وهو ما يشكل نسبة 53% من هذا الدخل وهو تقدير يخالف ما ورد في تقرير البنك المركزي العراقي عام 2014 الذي احتسبه بما يساوي 21% بينما قدّره الجهاز المركزي للإحصاء قبل 10 سنوات بـ 29%، وسأستمر بالتحليل بناء على تقديري الذي اعتقد انه يعكس الواقع لا تقديرات البنك المركزي والجهاز المركزي للإحصاء. وبمقارنته مع نسبة الايجار الى دخل الفرد في الاقتصاد الأمريكي نجد انه لا يتجاوز في امريكا نسبة 30%. وتظل هذه النسبة في العراق اكبر منها في الولايات المتحدة حتى لو احتسبنا متوسط دخل الفرد العراقي بمقدار مليون دينار شهرياً، حيث ان نسبة الانفاق على الايجار تبقى مرتفعة نسبياً (%40). ولا يُقال حينها ان الفرد في العراق يحصل على خدمات صحية (شبه مجانية) وتعليمية وبلدية مجانية، ومجموع النفقات لجميع هذه الخدمات سوف يرفع متوسط دخل الفرد الى اكثر مما ذُكر أعلاه والجواب هو ان النظام الاقتصادي في العراق لازال يتبع نظام الملكية العامة لا الملكية الخاصة، والفرق بينهما سيؤثر على حقوق الافراد في كلا النظامين.
      والأثر السلبي لارتفاع نفقات الايجار التي تقتطع نسبة كبيرة من دخل الفرد سيظهر بجلاء على انخفاض مستوى رفاهية الفرد، وتقليل انتاجيته في العمل كونه سيشعر ان ما يتبقى من راتبه -بعد هذا الاقتطاع الكبير من دخله وذهابه الى الايجار- لا يوازي جهده المبذول في العمل كما هو حاصل خاصة مع المعلمين والمدرسين وحتى التدريسين في التعليم العالي الأهلي. وهذه الفجوة بين الأجر والجهد هو سبب جوهري في انحدار مستوى التعليم في العراق وابتعاده عن مستوياته المعروفة سابقاً. فاذا كان ما يتبقى للفرد من راتبه هو 350 الف دينار او حتى 600 الف دينار فهل يكفي هذا المبلغ لتغطية الانفاق على بقية الاحتياجات من الغذاء والدواء والملابس والنقل واجور الكهرباء لمدة شهر كامل؟ 
      ونظراً لعدم وجود قانون ينظم الحد الأعلى والادنى من مبلغ الايجار، كما ان وجود هذا القانون سيكون ضرره اكبر من نفعه على المواطن المحتاج الى السكن اذا لم يذعن أصحاب العقارات الى هذا القانون وامتنعوا عن ايجار عقاراتهم، فالحل هو ان تقوم وزارة المالية بإعادة 90% من مبلغ الضريبة- الذي دفعه صاحب العقار للحكومة- الى المؤجر الذي لا يتجاوز دخله المليون دينار حتى يصل دخله الى مليون دينار بشرط ان يُسلّم عقد ايجار اصولي. وهذه الطريقة ستكون مفيدة في التخفيف ولو قليلاً من أعباء المعيشة عن كاهل ذوي الدخل المحدود لكون الحكومة غير قادرة في الوقت الحاضر على المساهمة في دفع جزء من الايجار لهذه الفئة من المجتمع حتى تجعل من مستوى رفاهية هؤلاء الافراد يقع على الأقل ضمن الحدود الدنيا بدلاً من ان تذهب الى جيب صاحب العقار بصورة ايجار كونه يتهرب من الافصاح عن نشاطاته الاقتصادية التي تدر دخلاً عليه والخاضعة للضريبة، كما سيكون لدى وزارة المالية قاعدة بيانات تستفيد منها لاحقاً حينما يتحسن دخل المؤجر وتحتفظ لنفسها بكامل مبلغ الضريبة. وقد تبرز بسبب الاخذ بهذا الاقتراح مشكلة المخاطر الأخلاقية (Moral hazards) ولكن يمكن التغلب عليها عن طريق الحوافز والتدقيق والإجراءات الإدارية الإضافية.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي