رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2043

البانتومايم والمسرحيات الصوامت

أسماء أحمد محمد شاهين*
يعتبر الإنسان منذ ظهوره على سطح الأرض من المخلوقات المقلدة. فهو يقلد كل المخلوقات الأخرى سواء بالحركة أو بالصوت. بل ويقلّد حتى الجمادات في إصدارها الأصوات كـأصوات الشلالات، وأمواج البحر، وحفيف الأشجار، وخرير المياه وغيرها، يقول الدكتور تشارلز باربر في كتابه قصة اللغة إن أحد نظريات تكون اللغة تقول: إن لغة الإيماء سبقت الكلام. يستشهد أصحاب هذه النظرية بأن كثيراً من القبائل البدائية كانت تستخدم لغة الإيماءة، ومنها بعض قبائل الهنود الحمر الأوائل وهم سكان أميركا الشمالية الذين كانوا يستخدمون لغة الإشارة ويقومون برقصات ذات حركات معبرة عن الحرب أو الابتهاج بوفرة الصيد أو الاحتفال بالزواج أو المواليد الجديدة وغيرها، وبدوره يقول الدكتور جون بيرغس ويلسون في كتابه المعروف الأدب الإنكليزي: "إن المسرح هو الأكثر قرباً للطبيعة من بقية الفنون لأنه مبني على إحدى الخواص الأكثر أصالة وهي خاصية المحاكاة، وأن خاصية المحاكاة هذه، والتي يمكن أن نسميها خاصية التقليد (الإيمــاء) تجعل منّا جميعاً ممثلين منذ الطفولة، ومن المعتقد أن المسرحية الأولى لم تكن نصاً مسرحياً، ولكن نشاطاً جاداً يقدم من قبل أناسٍ واعين يعبرون عن أغلى غرائز الإنسان وهي الغريزة الدينية".
ولايزال الإنسان حتى الآن يستخدم الإيماءة أو الحركات الإيمائية في كل نشاطاته اليومية بشكل لا إرادي وغير مقصود حيث تقوده الغريزة إلى ذلك فهو يستخدم دائماً حركات يديه وتعبيرات وجهه أثناء الحديث ليزيد من قوة الإقناع لدى السامع، وليوحي إليه بصدقه وجديته فيما يقول بل ويعمد إلى التمثيل زيادة في الإيضاح والفهم، وقد يبالغ الكثير من الناس بهذه الحركات والتعبيرات حتى ليظن الناظر إليهم أنهم خرس لا يفهمون إلا بلغة الإشارة والحركة. وليس من الغريب أن يعتبر بعض الدارسين أن الشخص الأخرس ما هو إلا ممثل إيمائي لأنه لا يتعامل إلا بالحركة والإشارة وتعابير الوجه.
ولأهمية هذا الفن لابد أن نعرف ما هو فن الإيماء (البانتومايم) ...؟! وما هو تاريخ هذا الفن وأثره على الفنون الأخرى.
 الإيماء (البانتومايم)
يعود أصل كلمة (بانتومايم) إلى اللغة اليونانية القديمة وهي مشتقة من كلمتين-: 
1. بانتو (panto) وتعني كل شيء. 
2. مايم (mime) وتعني أقلد.
وبجمع هاتين الكلمتين انبثق مصطلح (البانتومايم) أو فن التمثيل الإيمائي، والذي يعني فن التقليد أو فن المحاكاة لكل ما تحتويه الحياة.)
وقد أطلق اليونانيون اسم (البانتومايم) على ذلك النوع من العروض الفنية التي تتم عن طريق الأفعال الجسدية والإشارات والإيماءات التي يقوم بها الممثلون ويعبّرون بها عن شخصية الأبطال مجسّدين بها فكرة المؤلف.
أما اليوم وما يضيفه المعاصرون هو أنه علينا أن نفهم ذلك الفعل الصامت الذي يتجسد عن طريق الحركات الرشيقة والذي كان أساساً للفن الدرامي. وهذا التعريف صحيح لكنه ليس كاملاً، حيث إن الحركة والإشارة ليس هما الوسيلتين التعبيريتين الأساسيتين في فن (البانتومايم) فقط، فهما تدخلان أيضاً وبشكل متفاوت في إطار الفنون الأخرى المعروفة كـ (الباليه والدراما).
ونجد إن (البانتومايم) قريب جداً من الدراما وذلك بدلائل أخرى مثل خضوع كل منهما لقوانين فن التمثيل من ناحية منهج بناء الشخصية، والتأثير على مشاعر وعواطف المشاهدين - إلا أن الفارق بينهما هو أن (الفعل الدرامي) يؤثر على الجمهور بواسطة الكلمة، بينما فن (البانتومايم) هو فن صامت يؤثر على الجمهور بواسطة الحركة، ونجد إن الصمت يدخل ضمن فن الباليه، وذلك لأن الإشارة والحركة هما وسيلتان تعبيريتان أساسيتان في فن الباليه ولكن الاختلاف بين (فن الباليه والبانتومايم) هو أن تصميم الرقص لكل عرض من عروض الباليه يدخل في إطار تأليف موسيقي محدد - فالباليه لا يمكن أن يتم خارج إطار الموسيقى وبلا حركات انسيابية تنسجم مع هذه الموسيقى، أما البانتومايم فغالباً ما تغيب الموسيقى عن العرض وإن استخدمت فلها دور مساعد. كما إن لكل من فن (البانتومايم وفن الباليه) خصائصه ولغته وأسلوبه وكثيراً ما يظهر التباين في أسلوب كل منهما، وعلى الرغم من إن لكل منهما خصائصه إلا أن كليهما يجسدان الحركة المستمدة من الحياة الواقعية. فـ (البانتومايم) إذاً يدخل ضمن عروض الباليه والعروض الدرامية ويقوم فيها بدور المساعد ففي عروض الباليه يساعد على فهم الموضوع وتطوره، وعلى ربط مشاهد الرقص والتأكيد على القيم الفكرية - أما في العروض الدرامية حيث تُفهم أحداث الموضوع من خلال الحوار فإنه يساهم في التعبير عن مشاعر الأبطال وحالاتهم النفسية مجسداً ذلك شخصية حيّة - إن هذه المقارنة لا تعني تقسيماً شكلياً لتلك الفنون. بل لتوضيح حدودها لأنه عندما يدخل فن من الفنون في دائرة فن آخر فمن الطبيعي أن تتقلص قدرته الإبداعية. وهكذا نرى أن (البانتومايم) هو فن قائم بذاته أما عندما يستخدم في عروض فنية أخرى فإنه يقوم بدور المساعد.
تاريخ فن الإيماء (البانتومايم)
مر فن (البانتومايم) خلال تطوره التاريخي بثلاث مراحل. المرحلة الأولى هي (مرحلة التقليد) والمرحلة الثانية هي (مرحلة التعميم) أما المرحلة الثالثة فكانت (المرحلة المنهجية) التي لها مدارسها ومذاهبها الخاصة وفي الحقيقة أن هذا التقسيم التاريخي ما هو إلا إجراء شرطي لا يمكن أن يحدث خارج إطار القواعد العامة التي يخضع لها كل فن. ورغم ذلك ساعد على فهم فن (البانتومايم) ليس كفن جامد(مقولب) وصل إلينا عبر القرون بل كفن نستطيع من خلاله أن ندرك حركته الداخلية من خلال تطوره ومن خلال الإضافات الجديدة التي طرأت على المفاهيم القديمة في الشكل والمضمون.
وتعود جذور هذا الفن الأولى إلى طقوس الرقص والاحتفالات الدينية التي تنتمي إلى الشعوب القديمة كـ "بلاد الرافدين، بلاد الشام، ومصر، واليونان، والهند، والصين وغيرها" وأن هذه الرقصات والاحتفالات كانت دينية المنشأ في أول أمرها، ثم أصبحت شعبية ومزدهرة لدى عامة الناس، وتلعب دوراً هاماً في حياتهم، وفي المناسبات والاحتفالات الشعبية. حيث أن الرقص فن مفهوم من قبل الجميع دون النظر إلى المستوى الثقافي أو التعليمي أو الانتماء الطبقي.
وإذا رجعنا إلى بذرة الدراما الأولى نجد إن الإغريق القدامى يرجعون (البانتومايم) إلى رقصات الساتير الطقوسية   (Satyr) التي وجدت في بلاد اليونان وذلك لاعتمادها على الحركات والإشارات والتشكيلات التعبيرية التي عن طريقها يتم تقديم فرائض الطاعة والحب والولاء لقداسة تمثال الإله ديونيسيوس الذي كان يوضع عادة في مقدمة المسرح (6) من جهة اليمين للجمهور وكان يرتدي الراقصون جلود الماعز أو الأقنعة التي تجعل أنصاف أجسادهم شبيهة بالآلهة فكانوا يعتقدون إن الإله ديونيسيوس سوف يعود إليهم لذلك كانوا يحتفلون ويبتهجون، يرقصون، ويغنون، ويقيمون الشعائر والطقوس ليرى الإله ديونيسيوس كيف كانوا يشكرونه ويحمدونه حتي يكون الإبصار بالعين المجردة لا بالقلب فقط، وذلك لأن المشاهدة بالعين تكون أكثر يقيناً وأوقع تأثيراً، وللعين إمكانية على عقلنة الأحداث أكثر من الأذن التي تنتقل الأحداث إليها على شكل أصوات يفسرها الدماغ محولاً إياها إلى صورة واضحة خلاف العين التي تحول صورها إلى مضامين يقينية.
نستنتج من ذلك (أن الإنسان يعقل بصرياً أكثر مما يعقل سمعياً) ولكن لم يدخل الرقص الساتيري في (فن البانتومايم) ذلك لارتباط سمعة البانتومايم بالعبيد، ولأن الفلاسفة والشعراء لا يسمحون لأنفسهم بالنزول إلى مستوى أولئك الأرقاء، ولم يكلفوا أنفسهم بالكتابة عن هذا الفن الذي يخص هذه الفئة الاجتماعية المتدنية.
وبناء على ذلك انتمت الفواجع الساتيرية إلى المآسي (التراجيديات Trageies) على أيدي عمالقة المسرح الإغريقي وهم: ثيبسيس Thepsis ، أسخيلوس Aeschylus، سوفوكليس Sophcles ، يوريبيدس Euripides.
ولن أنسى طبعاً شيخ الفلاسفة أرسطو Aristotle الذي قام بكتابة أروع وأفضل مرجع في أصول المأساة والكوميديا وهو كتاب (فن الشعر). كانت الفاجعة الساتيرية كما يقول دكتور محمد غلاب تتمثل في عنصرين: الأول: الإشارات والحركات - الثاني: التأثر والانفعال. عرفت حضارات الشرق القديم (التمثيل الصامت) كما عرفه اليونان، ومن المؤكد أنه في تلك المراحل المبكرة بالذات كان يطلق اسم (البانتومايم) على المشاهد الراقصة الصامتة والحركات والأفعال والإشارات والإيماءات التي كانت كلها تجسد الحياة الروحية لتلك الشعوب القديمة عندما تريد أن تعبر عن سعادتها بعد انتصارها في معركة أو عودتها من صيد وفير أو احتفالها بزفاف أو قيامها بطقوس دينية خاصة.
 ونجد تراجع المسرح بشكل عام بما فيه التمثيل الصامت بعد ازدهاره في العصر اليوناني وبداية العصر الروماني، وبدأ بشكل تدريجي يهبط في مرحلة انحطاط الإمبراطورية الرومانية إلى أن اختفى تماماً. وعلى الرغم من أن غياب الدراما المكتوبة والمسارح النظامية في الفترة التي تعرف باسم (العصور المظلمة) يوحي بعالم لا يُعرف فيه فن التمثيل. فإن وجود أشكال مختلفة شبه مسرحية من التسلية الشعبية يذكرنا بأن دافع التقليد الإيمائي قد حافظ على وجوده بالرغم من إدانة الكنيسة للنشاط المسرحي. وقد كان الإيمائي الجوال بألعابه و تهريجاته هو الذي حفظ تراث التمثيل الحرفي في عصر خلا من المسارح والمسرحيات والإيمائيين المتمتعين بأكبر قدر من الشعبية وهم فنانو المسرح الروماني الوحيدون الذين استطاعوا البقاء خلال القسم الأول من المرحلة المسيحية ثم خلال العصور الوسطى.
فبرفقة المشعوذين والبهلوانيين كانوا يرفّهون عن طبقات الشعب كلها، وكان هؤلاء يعتبرون كما كان أسلافهم الرومانيون منبوذين وصعاليك وخارج إطار القانون والدين، ولكن شعبيتهم الكبيرة في أزقة القرى، وفي صالونات النبلاء الكبار معاً هي التي حفظت لهم مكانتهم الدائمة في العالم الوسيط.
*جامعة طنطا. مصر 2018. وهذه المقالة مقتطفات من كتاب سيصدر عن تجربة صباح الأنباري عن دار قوس قزح في الدانمارك.
جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي