رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 15 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2079

"إثم سارة" مثلا.. عندما يكون الإثم تاريخا للصمت والنهاية!

حمزة عليوي
عام 1979 يسقط "شاه" إيران، وفي العام ذاته تنتصر الثورة الإيرانية، ويعود "خميني" من منفاه؛ فهل تريد الرواية بتزييف تاريخ ولادة سارة أن تقول إنها قصة تاريخ صعود الأصوليين للسلطة في المنطقة، ربما! ولكن لماذا جرى توصيف ذلك التاريخ بالزيف والخداع؟ الم يكن بإمكان كاتبها "المفترض أو الحقيقي" أن يثبت هذا التاريخ "1979" بوصفه تاريخ الولادة الحقيقي وينتهي الأمر؟ الحق أن الرواية تصمت عن مناقشة اختيار هذا العام، فلا نجد له ذكر آخر في الرواية، وكأنه إشارة عابرة تذكر مرة واحدة لتأكيد ما تخفيه، أو بالضبط ما أزاحته من التداول، وهو التاريخ الحقيقي لولادة سارة، وهو تاريخ الحرب وقصتها المدمجة، دون إعلان، مع قصة سارة. لكنه كذلك تاريخ أشنع الآثام المقابلة لإثم سارة حتما، إثم التطهير الطائفي في " "، إثم الجهاد في افغانستان، إثم تخريب حياة الناس، وفي طليعتهم حياة سارة، صاحبة القصة. هذه القصص تتداخل مع بعض، ويجري دمجها في مجاز موازٍ لقصة سارة وإثمها؛ تعمل على تقويض إثم سارة وتمردها.  
تنشأ سارة في كنف محبة ورعاية خاصة من والدها وعائلتها أيضا؛ فهي البنت الصغرى، بعد ولدان سكتت الرواية تماما عن ذكر أي تفصيل عنهما، سوى أنها أشارت لوجودهما "الاكبر دخل الجامعة، والثاني دخل المدرسة الثانوية، ناهيكم عن إشارات أخرى للأخوين تأتي من باب الضرورة!"، كأنهما فائض في السرد وحكاياته لا فائدة من الاحتفاظ به، فأسقطتهما ونستهما. وربما يُردُّ هذا الاسقاط إلى احتفاء الرواية بقصة سارة وإثمها؛ فهي قصة التمرد النسوي على الطغيان الديني - الذكوري. وهناك أبنتان أيضا "تزوجت الكبرى من ابن عمها، والأصغر منها دخلت المدرسة الثانوية.". في هذا الوسط تنشأ وتكبر سارة، وفي هذا الوسط ينشأ ويكبر ايضا إثمها وتمردها. ابوها، مثلا، سمَّاها "سارة" على أسم شقيقة له، وكأنه يُسهم في صياغة وحبك إثمها؛ فالعمة كانت قد تمردت على ابيه وعليه بصورة خاصة؛ بأن أحبت في سن مبكرة "فهد المنقور"، الشاب قبيح الوجه، و"الصنّاع" اليدوي الماهر، الذي اغواها بالهرب في ليلة زواجها من أبن عمها سلمان ثمَّ الاختباء في الصحراء المترامية. هذه القصة المروِّعة لم تحل دون أن يسمَّى "الجاسي"، ابوها، البنت الصغرى "سارة"، مستعيدا جملة قالها ابوه، وهو يقبل العمة، أبنته "سارة": كل ما في البنت هذه يبعث على السرور، سنسمّيها سارة. "الجاسي" سيهز رأسه مبتسما، وهو يتأمل جمال أبنته، ويقول: "سبحان الله". قصة العمة، أو قصة إثمها وتمردها ستكرر كذلك مع البنت؛ فهي ستحب خالدا، حائك عباءات النساء الماهر، وستتكرر تفاصيل معينة، فسارة احبت في سن مبكرة مثل عمتها، بل في سنها آنذاك عندما أحبت المنقور. وسيعمل ابوها كذلك على تزويجها من ابن خالها "ناصر"، الفتى المتمرد على ابيه الداعية المشهور. ومثلما حالت تقاليد المجتمع المتصلب دون زواج العمة، تكرر في قصة سارة ايضا. الاختلاف الجزئي البسيط في قصة سارة، فرقا عن قصة عمتها، هو أنها تفر بجلدها إلى لندن مع أبن خالها، بعد أن تضافرا معا وأوقعا هزيمة مدوية بالخال الداعية المشهور. لكن سارة، شأن عمتها، لا يسمح لها سوى بأمر واحد، أن تدمر حياتها، مثل عمتها، ويكون عليها أن تقاوم مجاز الإثم، أو دائرة الآثام الخمسة كما سمَّها هارون والي، كاتب الرواية المفترض، فتجبر على العودة إلى مملكة الغبار، بعد أن يُعتقل ناصر بتهمة الإرهاب، فيما كان يعمل بجد على إنتاج "انسان سعودي" جديد. في النهاية تنتقم سارة لعشرات النساء، عمتها في طليعتهن، وارامكو قناعها، وصديقتها الهنوف التي جرى تغييب عائلتها المعارضة لسلطات مملكة الغبار، ثم تختفي في الصحراء الشاسعة سعة إثمها وحلمها بحياة مختلفة. 
في "إثم سارة" يتخذ السرد منطقا مختلفا عما وجدناه في روايات الكاتب السابقة؛ فالكاتب يبرع كثيرا في إدارة القصة ومادتها الحكائية، فهو حكَّاء ماهر، يكتب الحكاية من زوايا مختلفة، واحيانا متعارضة. لكننا نجد في هذه الرواية تراجعا ملحوظا في قيمة وثراء المادة الحكائية. وإن شئتم الدقة فإن هناك فقرا في الحكاية. ثمة صمت يستشعر القارئ وطأته في أماكن مختلفة من الرواية. هذا الصمت يخصَّ الأصول الاجتماعية والثقافية للشخصيات بدرجة رئيسة، مثلما يخص مشهدية المكان، ويصل أحيانا حد اضمحلال المكان وصنميته؛ فالأماكن توصف سريعا، كما لو أن الراوي ينظر اليها من سيارة مسرعة. في هذه الرواية تختفي ثيمة التجوال، وهي ثيمة رئيسة في أغلب روايات الكاتب السابقة. وما يختفي بالضبط هو معرفة السارد – الكاتب بتفاصيل المكان، تمييزه ضمناً بين الأمكنة الأليفة والعدائية؟.
 وهذا التمييز أمر مفروض ولا شك، أمر تقتضيه وتفرضه مشهدية المكان نفسه وذاكرة الواصف، بل هذا ما تفرضه التجربة الإنسانية ذاتها. ولكن لماذا تراجع الحكي، لماذا نجد السارد البارع مختفيا خلف القصص الصغيرة والمشاهد المنزوية؟ بتصوري أنَّ الإجابة عن هذا التساؤل يستحضر مشروعية الكتابة الروائية، ولا أقول كتابة المذكرات مثلا من قبل السعوديين أنفسهم، أو الرحلات المكتوبة من قبل الأجانب أو الغرباء بصرف النظر عن أصولهم؛ فهذه الأنواع الكتابية لها سياقها المختلفة.
 أتحدث هنا عن مشروعية الكتابة الروائية عن بلاد مغلقة، ومحاطة بسياج عال من الصمت والعزلة، بل والاعتزال عما يحيطها من حراك وتغير ثقافي وإنساني؛ فكيف يمكن لكاتب غريب عن هذا المجتمع، يزورها لأول مرة، ولفترة قصيرة، أن يكتب عنها سردا يتعلَّق بسيرة امرأة سعودية متمردة؟! صحيح أن حيلة القصة المكتوبة من امرأة سعودية، هي صاحبة القصة وبطلتها "كاتب الرواية ذاته، نجم والي، أكد لمراسل القناة العراقية الفضائية أن هناك امرأةً سعوديةً قد سلَّمته، بالفعل، قصتها مكتوبة بدفتر!". هذه الحيلة، وهي تقنية مكررة كثيرا في الرواية العربية والعالمية معا، تبدو نافعة في تبديد الشكوك في مصداقية الراوي وسردياته. وأشدد هنا على المصداقية، وهي عندي تتعلَّق بمشروعية الكتابة ذاتها، وتختلف عن فرضية اختراع قصة معينة. كذلك فأن موضوعة المصداقية لا تتصل مطلقا بواقعية القصة أو خياليتها؛ فكل القصص الادبية مخترعة وغير حقيقية، إنما تخوض عميقا في جدارة السارد نفسه، وهي التي تضع أمامنا قصة جديرة بالسرد والقراءة. حيلة المخطوط المكتوب من بطلة القصة، ثمَّ تولي الكاتب هارون والي أو نجم والي، ولا فرق، تحويل تلك القصة إلى خطاب رواية بالعنوان المعروف، هذان الأمران هما المفسران للصمت السردي، بل والاقتصاد الحكائي الذي يصل أحيانا حد الكفاف. وقد أزعم أن الكاتب لو فعل الأمر المطلوب منه، بأن اوغل في مفاصل الحكاية، باستعانة خارجية من النت أو الكتب التي الفت من قبل سعوديين أو أجانب، لكان قد فقد جدارته ككاتب، وأفقد راويه هارون والي مصداقيته؛ ففي السعودية مملكة الصمت المفروض على الجميع، حيث يضرب الغبار كل شيء، ويطمس الملامح، ويمحو الاختلاف. فلا قصص، لا حكايات، فإنَّ هناك مشهدا واحدا رسخَّه الغبار والصمت لبيوت بلا ملامح، لمكان منكوب ضربته عاصفة مدمرة. لحظة الصمت هي التاريخ الحقيقي الذي دوَّنته سارة في دفترها، وهو قريب، أو مشابه لصمت أخر خبره الكاتب، ورواته السابقون، صمت بلاده المجاور لمملكة الغبار.
 فلا غرابة، إذن، أن يستعين الكاتب من "صندقجة" مدونته السردية السابقة، كأن يستعيد "دانييل بروكس" من روايته "بغداد ... مالبورو"، أو بعض الجمل ذات الدلالة الفائقة. فهل نجح رواية "إثم سارة" في كتابة بعض سرديات الصمت؟ أزعم هنا أن الاقتصاد الحكائي كان مقصودا، فهو بعض سلطة الصمت القاهرة على رواة المملكة ذاتها، فكيف براوٍ غريب عنها!.
 في النهاية رواية "إثم سارة" هي قصة كتبتها امرأة ولدت هناك، وعاشت هناك، وتعذبت هناك، وكان لها آثامها الخمسة أو العشرة، ولا فرق، فهي من كتبت تلك القصة، وهي صرخة ضد الصمت، ضد الغبار، صرخة امرأة دُمرت حياتها تدميرا فلا تجد لها مأوى سوى الصحراء المترامية، حيث الصمت الأبدي. 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي