رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 15 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2079

الرسالة التاسعة: قضية التاميل!

د. زهير ياسين شليبه
أخي وعزيزي المحترم  يونس 
تحية طيبة..
أكتب لك وانا جالس في غرفتي الصغيرة، متطلعا من خلال الشباك إلى تساقط الثلوج  كأنها أجساد بشرية صغيرة معلقة في الهواء تعاني من البرد الشديد لكن بعضها يبتسم لي ملوحين بأياديهم غير مبالين من السقوط من علٍ، أو يبقون معلقين في الهواء تعصف بهم الرياح العاتية. الطقس بارد والشتاء طويل، ومرت أيام من الأمطار والعواصف الثلجية، والناس هنا يتحدثون عن الكآبة في هذه الأشهر المعتمة القارسة البرد، لكنه في الحقيقة ليس قاسيا كالذي كنا نسمع عنه أيام الشباب! 
ولا يهمك لازم نحاول ونحاول ولن نيأس وعند الشدائد تٌعرف الأخوان! ليس هناك جديد تحت الغيوم. أهم شي عندنا هو ان تكونوا بخير وأموركم تتحسن رغم الحصار. إزرعوا الثوم والبصل والقثاء وكلوا من طيبات الأرض السومرية! إنها لعبة بل خدعة كبيرة أكبر من السومريين لتجويعهم وإذلالهم وتدميرهم!
هل تتذكر نمور التاميل ضد الحكومات السريلانكية؟ هناك ضغط شديد لإقالة وزارة باول شلوتر السياسي الدنمركي المحافظ بسبب قضية لاجئي التاميل السيريلانكيين! صحيح الخبر إيجابي لأنه يكشف فضيحة كبيرة وهي إخفاء متعمد لطلبات لم شمل عائلات النمورالسيريلانكيين اللاجئين وإهمالها! كيف يمكن أن يحدث هذا الغش والسلوك العدواني ضد عوائل فقيرة مسكينة تعاني من الاضطهاد والفقر، تنتظر في سيريلانكا أن يتم لم شملها مع معيليها اللاجئين في الدنمرك؟ أين الديمقراطيه والقانون الذي يتبجحون بهما؟ 
إذن لايحق لمؤسسات الدولة أن تطالب المواطنين بالكف عن الغش الإجتماعي إذا ما كان السياسيون محتالين، أليسوا هم القدوة؟ طبعا هذا ما يكرره أولئك الذين يمارسون الغش الإجتماعي، "ماء بارد ونزل على قلوبهم".  تُعد قضية التاميل مثل فضيحة وتَر غيت ويقال إن هناك آلاف الوثائق ستفضح المحافظين! 
لقد سئمنا وتعبنا من سماع الأخبار المسائية اليومية، يعيدون ويصقلون بهذه القضية كالإسطوانة المشروخة: قضية التاميل! قضية التاميل! وفي النهاية أميط اللثام عن أكبر فضيحة، بل جريمة نكراء لاتغتفر! انا بصراحة صدمت للغاية وشعرت أن الأرض تميد من تحت قدميّ، واني يجب ان اعيد حساباتي بكل مفاهيمي وسلوكي وطبيعتي الشخصية المتقلبة بين الإيجابية والسلبية والتي غالبا ما تميل نحو الأولى. 
هل جاءت فضيحة قضية التاميل لتؤكد سقوط المبادىء والمثل العليا؟ هل هذه وخزة في جسدي، بل صفعة كي أكفَّ عن السذاجه والثقة بالسياسيين وبالذات المحافظين عندما يحاولون ان يتحدثوا بعقلانية وموضوعية مبتسمين متظاهرين بالتواضع والحرفية والتلقائية في بعض الأحيان؟ 
هل عليّ أن اتماهى مع بعض "الرفاق" اليساريين الدنمركيين المتقولبين، الذين يتعاطفون مع اللاجئين والمغتربين. أنا بالتأكيد اتفق معهم في بعض القضايا الفكرية، لكني اختلف معهم في دعايتهم الحزبية وشعاراتهم الإنتخابية الرنانة وسياسة الإندماج التي يدعون لها!
وأحب أن أقول لك في هذه المناسبة، إن هؤلاء السياسيين هنا متحزبون ووصوليون، لا هَمَّ لهم غير الحصول على أصوات الناخبين، يتخاصمون ويتلاسنون ويتناكفون ويعارضون بعضهم بعضاً ويتصارعون على السلطة. 
أمزجتنا ليست على مايرام بسبب التصعيد الإعلامي ضد الأجانب وبالذات المسلمين. هناك متشددون من كل الأطراف يريدون تسميم الأجواء والتصعيد ويلقون الدعم القانوني من كل مكان!
أنا أعرف أنك لاتحب سماع مثل هذا الكلام السلبي لكني بصراحه أعاني من التعب من الإعلام في هذه الفترة، وبالذات بخصوص المسلمين الذين يشعرون بالضغط والرفض. 
على اللاجئء المسلم أو الشرقي هنا أن يبذل جهدا كبيرا من أجل أنسنة نفسه وإثبات قدرته على العمل وبالذات إذا كان متعلما وحاصلاً على شهادات عليا يتميز فيها عن المغتربين الآخرين. 
حتى الأطباء منهم لايحصلون على العمل بسهوله، بل عليهم أن يجتازوا الامتحانات الكثيره قد تأخذ منهم عدة سنين، لكونهم درسوا في جول أخرى. سيصيبك الضجر إن تماديتُ وأصررتُ على هذا الحديث، لكن قد لاتصدق إن أخبرتك بأنه من الصعب فهم كيف تسير الأمور وأن الإنسان الأجنبي المتعلم هنا يصاب بالإحباط بسبب إهمال المجتمع له والبطاله، لكنك إن سألت شخصا دنمركيا عاديا عن سبب ذلك سيجيبك بكل بساطه لأن إسمك غلط أو لأنه "حسن"، يقصد لأنك مسلم، أما إذا سألت شخصا أجنبيا متوترا فسيلخص لك الأمور بالعنصريه وأن هؤلاء القوم يتظاهرون بالقانون والدمقراطيه لكنهم يضمرون الحقد الدفين على المسلمين ويتقصدون التهميش. أعتقد هذه مبالغات. في النهاية كل شخص وحظه وحسب علاقاته الشخصية.
أنا أميل إلى الموضوعية وأضع نفسي مكان الآخر، أنا ضد التعميم لكن يبدو أن هناك قوانين غير مكتوبه، تطبق ضد الآخر الغريب. 
هم من ناحية يطلبون من اللاجئين العمل وعدم ممارسة الغش الإجتماعي ومن ناحية أخرى لايوظفون أصحاب المؤهلات العلمية والشهادات العليا بسبب حجج وذرائع كثيرة واختلاف ألوان بشراتهم وأسمائهم! يصعب عليّ تصور ذلك، لكن قد يبدو الأمر بسبب إختلاف الثقافة وحاجز اللغة وطبعا الخوف من الآخر! 
بالمناسبة، سألتني في رسالتك الأخيرة عن الغش الإجتماعي، يقصدون هنا بهذا المصطلح أولئك الذين يستغلون القوانين لغرض الإستفادة المادية، مثلا حالة الطلاق الوهمي أي الرسمي لكن غير الحقيقي، إذا انفصل الزوجان في المحكمة فسيعيش كل منهما في شقته فعندها ستحصل الزوجة على زيادة مالية في دعم كل طفل، فتصور كم ستبلغ الزيادة إذا كانت العائلة مكونة من خمسة او عشرة أطفال؟ وسيحصل كل منهما على شقته، وإذا كانا يستلمان إعانات مالية أو متقاعدين فسيحق لهما الحصول على دعم السكن أو الإيجار.
هذا هو القانون الذي يسري على الجميع، إلا أن الإعلام يركز على هؤلاء الناس المساكين الصغار، وهم فئة صغيرة من القادمين من الفقر المدقع والمآسي والنكبات والعقوبات و"الكفخات" من كل حدب وصوب والشحة والقحط والجدب والضغط، من الذين لم يستوعبوا تنفس الحرية وتعدد والإمكانيات لتطوير أنفسهم، لكنهم كما يبدو "أذكياء" في اقتناص الفرص والإحتيال من أجل الكسب المادي واستغلال ثغرات القوانين الإجتماعية الأوروبية المسنَّة أصلا لأناس عيونهم شبعانه وليس لبشر مصابين بالشراهة بعد الحرمان ولا يشعرون بالأمان ويأخذون بلاعطاء كالطفيليات، فأصبحوا "يخيطون ويخربطون". والنتيجة أنهم صاروا سخرية لأهل البلد الأصليين المهنيين مثل الأطباء والمشرفين الإجتماعيين، في جلساتهم الخاصة، لكنهم يتعاملون معهم باحترام وفق القانون وكزبائن ليس إلا.
دعنا نتفائل ونتحدث عن هذه الأمور فيما بعد وإلا ستزهق مني. 
أهم شيء، لا أريدك ان تتصور أن الرفاهية هنا يحصل عليها المرء مجانا، هنا بلاد كافح أهلها من اجل حياة جميلة ويستحقونها، فيهم الطالح والصالح ومن حقهم أن يخافوا على مكتسباتهم من الإرهاب والتطرف والتشدد الديني والأصولية والتخريب، وهم لايفكرون بالعبادات أو رجال الدين الوسطاء بينهم وبين الخالق من اجل "حجز مكان لهم في الجنة" كما يتندرون، بل يخططون لبنائها هنا في بلادهم لكي يعيشوا فيها.  

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي