رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2043

الذاكرة العراقية المرئية: كارثة حقيقية تحت الأنقاض!

قاسم حول*
يوما كنت أحتسي "الجعة" في مطعم مقابل نصب كهرمانه. منتظرا طعام الغداء، وأنا أختلي بنفسي وأخطط بهدوء وحدي للهجرة من الخوف الذي يدهم الإنسان المرهف في عالم مترد كان إسمه العراق .. ولا يزال!
فوجئت بمصور سينمائي إسمه "صبيح عبد الكريم" جاءني وهو يرتجف، ويختض إرتجافا، وجلس أمامي وهو لا يستطيع الكلام. فحاولت تهدأته. كان يريد أن يقول شيئا لشخص ما يثق به، ولا يخاف أن يتسرب منه الحديث، فأختارني وهو يعرف توحدي في ذلك المطعم المنزوي مقابل كهرمانه! صببح عبد الكريم ينتمي إلى حزب البعث الذي يتولى السلطة في العراق. قال لي:"كلفت بأمر من مدير عام دائرة السينما والمسرح "عبد الأمير معله" وبأمر من القيادة القطرية لحزب البعث العربي الإشتراكي بالذهاب إلى ساحة سجن .. لتصوير أمر ما. ذهبت إلى المكان، والحديث للسيد صبيح عبد الكريم، فشاهدت مشنقة منصوبة وهي غريبة الشكل ومصممة بناء على مواصفات معينه تتمثل بمكننة تحتوي على حدين قاطعين متقابلين يتوسطهما حبل المشنقة, تتحركان بشكل آلي في لحظة معينة. وتحت المشنقة ثمة فتحة هي سرداب على ما يبدو! كانت المشنقة قد وصلت حديثا من خارج العراق، ويريدون أجراء التجربة على ميكانيكيتها ودقة عملها وفق المواصفات المطلوبة، فإنها وحين يتم شنق المتهم "البريء دائما" فإن جسده ينزل مسافة معينة فتنطلق الأداتان القاطعتان من الجانبين وتقطعان الحبل، فيسقط جسد الشهيد في سرداب وهناك يتم إستئصال بعض أجزاء "الشهيد" من العينين والكبد وسوى ذلك، لإستعمالها لآخرين من أعضاء حزب البعث العربي اٌلإشتراكي. جيء بالمتهم البريء وهو شاب نحيل يرتجف وصعد سلالم المشنقة، والحديث لا يزال للمصور، وتم شنقه. ولأنه ليس ثقيل الوزن فإن جسده لم يكتمل النزول في المسافة المحددة، فبدأت الآلتين القاطعتين للحبل تتحركان، ولم تطالا الحبل، بل طالتا جثته تقطيعا .. إلى آخره! وقرروا إعادة التجربة وكلفوني المجيء في اليوم التالي لإجراء التجربة على شهيد آخر، وحذروني من الحديث، والحديث لا يزال للمصور صبيح عبد الكريم .. وصار المصور يختض ويرتجف - إنتهى حديث المصور صبيح عبد الكريم وبقي ساهما كالمأخوذ!
كان الدكتاتور يتلذذ بمشاهدة تجارب القتل  والإعدامات. ودائما يطلب تصويرها وتحفظ هذه المشاهد المصورة في أرشيف دائرة السينما والمسرح، مع ملايين الأمتار المصورة منذ نشأة الدولة العراقية وحتى إشعار آخر. بعد فترة وللحفاظ على سرية عمليات القتل والإبادة التي يتمتع الدكتاتور بمشاهدتها، وهذه الإبادة والقتل والتشوية وإثارة الرعب شملت الشخصيات دينية مثل الشهيد "محمد باقر الصدر وأخته السيدة بنت الهدى وتشمل الطريقة الوحشية التي تمت بها قتل الدكتور راجي التكريتي، إضافة إلى وسائل التعذيب في بيوت الأشباح. فلقد أوعز الدكتاتور بتدريب عدد من حمايته لتدريبهم على عمليات التصوير في داخل دائرة السينما والمسرح، فتحول بعض مرافقيه إلى فريق عمل سينمائي. هذه الوثائق التي كانت تصور بالأشرطة السينائية "السليلويد" ولم تكن الفورمات الرقمية مستعملة، تضاف هذه المواد الفلمية بشكلها السالب "نيجاتيف" إلى أرشيف دائرة السينما والمسرح ونسخة موجبة للمشاهدة "بوزتيف" في أرشيف الدكتاتور. وبإعتبار العراق دولة متخلفة وحكومة متخلفة وهو يقوم بتعيين الأشخاص غير المناسبين في المكان المناسب والأشخصاص المناسبين في غير المكان المناسب، أو دفعهم للهجرة في منافي الدنيا، فإن القائميين على شؤون الثقافة والذاكرة المرئية هم من الفاسدين واللصوص وأبناء الشوارع، ومن سقط المتاع!  
الأشخاص الذين يتوالون على إدارة دائرة السينما والمسرح التابعة لوزارة الثقافة غير معنيين بالذاكرة وغير معنيين بالتاريخ أنهم معنيون بأمر واحد إسمه "النهب والفساد" وليذهب العراق وذاكرته إلى الجحيم!
يقتضي حفظ الوثايقة المرئية السينمائية أو الرقمية في مكان آمن بعيدا عن الرطوبة والغبار، وتحفظ أفلام الذاكرة في درجة حرارة ثابتة لا تتغير وهي تسعة عشر درجة مئوية. وهناك أجهزة خاصة لشفط الرطوبة وأخرى لشفط الغبار.
عندما جئت إلى العراق في عام 2009 بحثا عن أفلامي المحترقة "بقصد" ولتصوير فيلمي "المغني" عن رعونة الدكتاتور، وجدت الأفلام السينمائية السالبة تحت الأنقاض، في بناية وقع سقفها الكونكريتي في عمليات قصف المكان. ووجدت الأفلام الموجبة "البوزتيف" في دائرة السينما والمسرح في غرفة مثقوبة السقف! عندما إلتقيت وزير الثقافة كانت تنتابني رغبة القيام بجريمة .. لمجرمين قتلوا ذاكرة العراق .. فعمدت إلى نقل المواد المصورة بأمر من الوزير في توفير السيارات والعربات إلى بناية "في مكان ما" لحين يفرج الله الغمة عن العراق ونستطيع أتمام عملية الترميم أنا أو من هو مثلي .. علمت بعد أن تركت العراق للمرة الثالثة والأخيرة،  بأن ثمة مجرمين تمكنوا من سرقة بعض الوثائق السينمائية ونقلها إلى جهة معروفة وغير معروفة! وقد أبلغت رئيس وزراء العراق بالأمر مدعما رأيي بالوثيقة الدامغة، أبلغته عن طريق السفارة العراقية في هولندا .. لا أدري أن كان أمر إعدام محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى يعني الشيعة، وإعدام الشهيد راجي التكريتي قتلا باليد يعني السنة، وتجربة إعدام الشاب النخيل في المشنقة الحديثة يعني العراقيين .. وعلى الله التكلان!
* سينمائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي