رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 20 ايلول( سبتمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2043

البصرة بعد خراب البصرة

عبدالعظيم البدران

لا يبدو ان حكاية الخراب في البصرة وليدة اللحظة، هي اشبه بالقدر الذي يسجل في كل دورة تاريخية حضورا مميزا يؤكد فيه ان اخلاقيات المدينة وأهلها لا تصلح للعيش في اللحظة التاريخية كجزء من كيان غير متجانس. لكن المفارقة دائما ان الحوادث التاريخية تمر دون ان يتعظ اهل المدينة او ان يغيروا من احوالهم بما يلائم الواقع ويحتم على الاخرين احترام خصوصياتهم ويحفظ لهم قدرا من الحقوق في مقابل التضحيات.
فمع بلوغ الحال مبلغا لا تحسد المدينة عليه، يأتي السؤال الاهم: ثم ماذا بعد؟ ألم يأن للحكومة ان تصغي بحق الى مطالب الناس؟ هل تبدو مطالب اهل المدينة غير واقعية الى الدرجة التي يصعب على الحكومة حلها؟ أم تراها لا تحتل مكانة في سلم اولويات الدولة واجندتها؟ وكيف لجهد مدني كالعتبة الحسينية، مثلا، ان تنجح في ايصال الماء الصالح للشرب الى منازل الاهالي، فيما تعجز الحكومة خلال 14 عاما عن القيام بذلك؟
المفارقة هنا، لا تكمن في قدرة الدولة ام عدمها، هي باختصار ان طرفي المعادلة (البصرة والمركز) يقفان على مساحة مختلفة؛ فبين من يتخذ القرار ويصدر الاحكام او حتى من ينفذها وبين من يعيش تفاصيل الحياة اليومية التي تستهدفها تلك القرارات مساحة واسعة، واحاسيس وشعور مختلف، لم يجرب الساسة فيه ما يعنيه دخول مدينة هي شريان الدولة اجمع، الى كارثة فعلية، فهناك تفاوت في الشعور والمعايشة!
تاريخيا، لا ادري ان كانت الرواية التي يقدمها التاريخ عن خراب البصرة صحيحة بأحداثها وتفاصيلها، لكنها وكيفما كانت تؤكد ان المركز لم يكن ليتدخل في حل المشكلات قبل حلول الخراب ووقوع الفواجع. ومع ان تفاصيل التاريخ تصور ثورة علي بن محمد التي عرفت بثورة الزنج او العبيد بوصفها حالة تمرد وتماد في الخراب وانتهاك الحرمات والتعدي على الاهالي، لكن الحقيقة ان تلك التفاصيل قد كتبها المنتصرون واتباع السلطة او تجار واعيان المدينة ممن تمرد عليهم العبيد، ولم يثبّت العبيد شهاداتهم ولم يستمع احد لاحوالهم ومشاعرهم التي تخلفها حال الاستعباد، وفيما اذا كان رد الفعل موازيا بحق لما يتركه سلوك الاسياد! وكذلك اليوم لولا سلطة السوشيال ميديا لضاعت اصوات البصريين مع ابواق السلطة وأهازيجها.
المهم في تفاصيل الحادثة، ان المركز وحين تزاحمت الاولويات في اعماله ترك المدينة تواجه مصيرا محتوما من الصراع دون ان يكترث لاي كفة يمكن ان تؤول الامور. ولم يتدخل الا حين استقرت اوضاع السلطة وثبتت مقاليد العرش، حينها كان التدخل لما تمليه المصالح لا بما يحقق العدل بين طرفين متخاصمين، قد يكون احدهم على حق، كان التدخل بعد خراب البصرة كما ذهب بعد ذلك المثل.
وما اشبه الليلة بالبارحة، فمع دخول المظاهرات شهرها الرابع، لم تكن الدولة لتأخذ الموضوع على محمل الجد، حتى وزراء البصرة المفترض تفاعلهم بحكم انتمائهم الجغرافي، كانوا اصناما في كعبة السلطة، وبدا اخرون اكثر منهم حماسا، واكثر من ذلك، تدرك ان حجم الاهمال لموضوعة المظاهرة ومطالب الناس قبل ان تأخذ طابع العنف ضاع بين فقدان ذاكرة البعض ونرجسية الاخرين او اضطراب الشخصية التي يعاني منها بعض اخر. المشكلة في الواقع هي في اهلية الممثلين والمنفذين وصناع القرار والمؤثرين فيه، فهم في مساحة لا تقف على مشتركات مع ابناء المدينة، وغير معنيين بتفاصيل حياتهم ومعاناتهم.
التدخل الحكومي كما في سالف الازمان جاء بعد خراب البصرة، بعد ان فقد الناس ثقتهم بالسلطة وقدرتها على الحل، وادركوا مدى الهوة التي تفصلهم عن المركز والمتمركزين، وهو ما يعني بطبيعة الحال ان انجاز المشاريع او تحسين واقع الحال لن يغير في طبيعة الرؤية العامة، وسيدفع ابناء المدينة الى حلم الاستقلال فيدراليا او ربما اكثر من ذلك، كما فعلت السياسات ذاتها مع الاكراد واوصلتهم الى نقطة هي قاب قوسين او ادنى من الانفصال. فما تفعله حكومة المركز مع الاخرين سواء – قبل او بعد 2003 - دائما يأتي بعد خراب البصرة.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي