رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 19 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2101

متى يتخلى البنك المركزي العراقي عن مزاد العملة؟

علي الشرع
هذا المقال لا يسعى الى - وليس المقصود منه - حث البنك المركزي لترك مزاد العملة الذي كان له الفضل في ابعاد شبح التضخم الجامح عن مشهد الحياة اليومية، وان كان التخلي عن هذا المزاد سيعطي مؤشراً ايجابياً على ان الاقتصاد قد ركب مسار النمو والتنمية وودّع الخوف من الوقوع في الهاوية، بل ان ما نريده هنا هو الحديث عن التوقيت المناسب الذي عنده يكون التخلي عن مزاد العملة لا تأثير له في احداث تقلبات كبيرة في سعر الصرف في السوق الى درجة يندفع فيها الاقتصاد من جديد الى اتون التضخم الجامح. وهذا التوقيت يعتمد على شروط موضوعية يجب توفرها في الاقتصاد بحيث يكون أثر انهاء العمل بمزاد العملة حيادياً على المتغيرات الاقتصادية ورفاهية الافراد. ولا يكون الخروج من نظام مزاد العملة هكذا قراراً اعتباطياً ومحاكاة لتجارب دول أخرى من دون دراسة لواقع الاقتصاد العراقي من حيث مستوى تطور ونمو صناعته، وقدرته على الوقوف على قدميه، ومنافسة منتجات الاخرين المستوردة بكثافة الى بلادنا.
 وسبب كتابة هذا المقال هو انّي وجدت احد المستشارين في رئاسة الوزراء - كما عرّف عن نفسه - في احدى مقالاته في المواقع الالكترونية يشيد بالتجربة المصرية في تعويم الجنيه المصري التي شجعت – كما يقول - على تدفق المليارات من رؤوس الاموال الى السوق المصري، كما رافقها زيادة في الإنتاج في الصناعة المصرية وخفض لمستوى البطالة. اما ما شاب هذا التعويم من ضرر لرفاهية المواطن المصري فهو يعد بسيطاً قياساً بمجموع الايجابيات والإنجازات التي نالها المواطنون. والتحليل النظري لما تحقق في الاقتصاد المصري حسب المعطيات أعلاه يقتضي ان الأجور الحقيقية في هذا الاقتصاد كانت مرتفعة بحيث شكّلت عائقاً امام زيادة طلب الشركات المحلية على اليد العاملة، وبتعويم الجنيه الذي أدى الى انخفاض قيمته إزاء العملات الأجنبية أصبحت الأجور الحقيقية منخفضة بسبب ارتفاع معدلات التضخم الامر الذي نتج عنه زيادة الطلب على اليد العاملة، وقاد، من ثم، الى امتصاص نسبة مهمة من البطالة وزاد- نتيجة لذلك - الإنتاج، وفي غمار ذلك حصد المواطن المصري ثمار هذا التعويم عبر ارتفاع رفاهيته بعد ان تحمل اعباءها السلبية لفترة من الزمن. اما حركة رؤوس الأموال الخاصة نحو الاقتصاد المصري فأن تفسيرها ينبغي ان يعزى الى ارتفاع حجم العائد الناجم من رفع سعر الفائدة حتى يجتذب هذه الأموال، وقد يكون سبب التدفق هو الاستفادة من عدم تعديل الأسعار بسرعة للإقبال على قطاع الاسكان حيث انها ستصبح العقارات رخيصة بسبب هبوط سعر الجنيه ولكن هذا الأثر سيختفي حيث سرعان ما يرتفع أسعار العقارات وتتوقف موجة تدفق الأموال نحو هذا القطاع او ارتفاع سعر صرف الجنيه بسبب زيادة عرض العملات الاجنبية، اما اذا كانت حركة رؤوس الأموال هذه قد ذهبت الى استثمارات في سندات الدين العام، فأن هناك احتمالا في هروبها حالما يتعرض الاقتصاد الى هزة خارجية او مضاربة في العملة كما جرى في تركيا قبل مدة، بحيث يصبح العائد على السند بالعملة المحلية غير مجز مقارنة بفرص استثمارية اخرى، واذا هربت هذه الاموال فأن قيمة العملة المحلية ستتدهور اكثر فأكثر بحيث تفضي الى ارتفاع في الأسعار لا يطيقه المواطن وسيتضرر منه الاقتصاد اذا سبب  انحرافا في تخصيص الموارد.  وعموما، فأن التحليل السابق ينطوي على تضليل كبير لصانع القرار ان كان يريد ان يتبع هكذا مشورة ويقرر نقل هذه التجربة في التعويم الى الاقتصاد العراقي في الوقت الحالي. وكنت قد اشرت في مقال سابق على صفحات جريدة "العالم" الى خطأ نقل مثل هكذا تجربة بسبب اختلاف الظروف الموضوعية بين الاقتصاد العراقي والاقتصاد المصري فلن اعيده هنا، ولكن ما لم اذكره هو ان عدم تخفيض الأجور الحقيقة في الاقتصاد العراقي ليس هو السبب وراء عدم قدرة الاقتصاد العراقي على النهوض والتخلص من التشوه البنيوي الذي لا ينفك عنه. نعم، اذا انخفضت الأجور الحقيقية فأنها قد تعمل على خروج اليد العاملة الأجنبية التي قد تحل محلها ايد عاملة عراقية، ومع ان هذا الامر غير مؤكد فقد يتشبث العمال الأجانب في عملهم لأنهم يتوقعون ان هذا الانخفاض مؤقت في بلد نفطي، ناهيك عن ان اغلب الايدي العاملة الاجنبية تعمل في قطاع الخدمات وليست في القطاعات السلعية، وإصلاح التشوه الهيكلي ينطلق من القطاعات السلعية. 
فليس الحل الجذري لهذه المشكلة يكمن في تعويم العملة بحسب التحليل النظري السابق، بل بالعكس، فأن تعويم العملة سيفاقم مشكلة التشوه البنيوي الناجم عن موت القطاع السلعي، ومن يريد ان يصلح هذا التشوه، ويقلل، بالتالي، من الضغط على العملة الأجنبية المتأتية من إيرادات النفط الآيل للنضوب عاجلاً ام اجلاً، فعليه بث الحياة في هذا القطاع من خلال إنعاش الصناعة ودعمها بتوفير الحماية لها، ولكن ليس بتعويم العملة تكون الحماية، فتعويم العملة لا تشكّل حماية فعالة لها حيث يفترض – في ظل تعويم العملة - ان الطلب سيتجه الى المنتج المحلي بعد غلاء أسعار المستورد منها غير انه مع ارتفاع مستوى الدخل من جديد سيترك المستهلك السلع المحلية لا سيما اذا لم تكن بجودة المستورد منها فتفشل الحماية. وما هو فعال من الحماية يكون عبر استخدام التعرفة الجمركية التي يجب ان يتزامن فرضها مع توفير عرض سلعي محلي مناسب لا ما حدث قبل أيام حيث ارتفعت أسعار الطماطم الى 3000 دينار.
 الان، نأتي الى الشروط التي عند توفرها يمكن للبنك المركزي ان يتخلى عن مزاد العملة. نعلم ان وزارة لمالية تغطي الموازنة العامة البالغة اكثر من 8 مليار دولار شهريا من الضرائب وإيرادات العملة الأجنبية التي جُلّها تأتي من عوائد النفط. فاذا كانت رواتب الموظفين في القطاع العام تبتلع حوالي 90% من إيرادات النفط عندما يفوق سعر برميل النفط سعره المفترض في الموازنة (لا وجود للعجز فيها)، فهذا يعني ان إيرادات الضرائب لا تغطي سوى 10% منها بناء على تقديرات سابقة ان إيرادات النفط تصل تقريباً الى 5 مليارات دولار شهرياً، وهذه النسبة من إيرادات الضرائب تبقى ثابتة بناء على قدرة التحصيل من الوعاء الضريبي الحالي. اذاً، ما نراه من دولارات متداولة في السوق مصدرها الأساس هو عائدات النفط، اما المصادر الأخرى كإنفاق السياح والعاملين في الشركات الأجنبية والبعثات الدبلوماسية ومرور الطائرات فوق الأجواء العراقية فلا يشكل نسبة كبيرة من حجم المتداول في السوق من العملة الأجنبية بحيث يمكن ان يساهم في سد نسبة مهمة من الطلب عليها في حال تم التخلي عن نافذة المزاد. اما الاستثمارات الأجنبية الحالية فلا أهمية لها تذكر في هذا الخصوص ايضاً. وحتى يترك البنك المركزي عن نافذة بيع العملة وينتقل الى التعويم، فلا بد ان يقلل من الاعتماد على دولارات بيع النفط من خلال تنشيط الصناعة والزراعة اللتين من خلالهما يمكن رفع قيمة الصادرات السلعية غير النفطية وتخفيض الاستيرادات الزراعية (سيقلل الحاجة الى الطلب على الدولار) الى مقدار يكون مجموع مساهمتهما في تخفيض الطلب في السوق المحلية على الدولار النفطي يساوي على الاقل 50% من الطلب المحلي اليومي على الدولار الذي تعكسه مبيعات مزاد العملة. ولا يمكن - بطبيعة الحال - ترك الاستعانة بدولارات عائدات النفط تماماً؛ لأنه تبقى الحاجة قائمة لوقت ليس بقصير للإعفاءات الضريبية لدعم الصادرات مما يبقي حجم الوعاء الضريبي من دون توسع كبير، ولكن هذا ليس بسيء مادام يجري استخدام الدولار النفطي في دعم الإنتاج المادي الحقيقي بدلاً من ان يضيع هدراً على منتجات مستوردة رديئة مصممة لتعطل بسرعة. اذاً، عندما يصل الاقتصاد الى هذه المرحلة، مرحلة بناء القاعدة الإنتاجية المتنوعة القادرة على التنافس التي تساهم في تقليص الحاجة للدولار النفطي وتشارك في تدفقه الى السوق المحلي عبر الصادرات، يكون هذا هو الوقت الملائم لعبور نافذة المزاد الى تعويم سعر صرف الدينار العراقي، من دون اضرار بالغة على الاقتصاد ورفاهية المواطن.

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي