رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 24 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2067

حيدر العبادي وعادل عبد المهدي: تقويم اداء وتحليل شخصية

أ.د.قاسم حسين صالح*
 انتهت ولاية الدكتور حيدر العبادي بالطريقة التي تعرفونها، وصار تقويم مرحلة حكمه بذمة الكتّاب الذين يعتمدون التحليل الموضوعي، وأظن انني كنت الأكثر متابعة وتقويما لأدائه وشخصيته بين علماء النفس والاجتماع، بموضوعات ودراسات نشرت في صحف ومواقع عراقية وبثت عبر فضائيات واذاعات، آخرها كتابنا الموسوم (حيدر العبادي ودونالد ترامب - تحليل شخصية).
ومع ذلك فأنني عمدت الى استطلاع رأي في 3 /10 / 2018 تضمن التساؤل الآتي: (غادر السيد حيدر العبادي رئاسة الوزراء، فما هو افضل انجاز حققه وأسوأ سلبية فيه.. بموضوعية).
حيدر العبادي
  افادت النتائج بان اهم انجازات السيد العبادي تمثلت في ادارته معارك التحرير باقتدار مع التحالف الدولي وتحرير الموصل والاراضي العراقية من داعش، وادارته الناجحة للتوازنات، حيث كان "يسلق بيض الازمات والمهاترات على نار برود بريطاني"، وتهدئة التوتر الطائفي، وحقن الدماء في قضية كركوك، وانقاذ خزينة العراق، وأنه مقبول دوليا واستطاع تنظيم السياسة الخارجية للعراق الذي افتقدها من عام 1991. ويحسب له انه اتخذ اجراءات حاسمة من اول استلامه الحكم، بينها الغاء نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء وتقاعد البرلمانيين.. التي الغيت باوامر عليا، والغائه منع التجوال في بغداد ورفع الصبات الكونكريتية، وتوحيد الرواتب والتقاعد للموظفين.. وأخيرا تسليمه للمنصب بسهولة بطريقة ضرب فيها مثلا في التداول السلمي للسلطة.
   وحدد المستجيبون اهم سلبيات السيد العبادي في أنه لم ينفّذ قوله: "سوف نضرب رؤوس الفساد بيد من حديد" برغم تفويض الشعب والمرجعية له، وحسبت عليه مهادنة منه للفاسدين، وعدم تأمين الخدمات الاساسية للمواطنين لا سيما الكهرباء، واختياره لوزراء ضعفاء، وفشله في ادارة أزمة البصرة، وانه متردد وخائف ولم يكن صاحب قرار، وكلامه اكثر من افعاله.. وأسوأ ما ارتكبه سياسيا بقاؤه في حزب الدعوة، يوم منحه الشعب تفويضا والمرجعية تأييدا فأضاع فرصة كانت ستدخله التاريخ.  وللتاريخ، علينا ان نتذكر ان السيد حيدر العبادي جاء بمباركة اميركية حيث انعم عليه اوباما في (20 نيسان 2014) لقب "المخلص والملتزم بدولة عراقية تشمل الجميع".. وان الرجل استطاع ان يحقق حضورا دوليا لافتا، طارحا بنود اتفاق سياسي حظي بموافقة كل الأطراف.. اسرع في تنفيذ عدد منها ثم تباطأ  وتعثر لتعقد الوضع السياسي حينها، لكنه اعطى الانطباع بأنه يريد ان يعمل من اجل العراق رغم الملاحظات السلبية عليه.   ولعلاقة عرّاب (الكتلة الأكبر 2018).. نذّكر انه في الشهر الأول من تولي العبادي للسلطة، وقف امين حزبه السيد نوري المالكي بالضد من ترشيحه لرئاسة الوزراء، واصفا اياه بأنه يمثل حزبه، ووصل الأمر الى "تجييش" حزب الدعوة ضده. ولنا ان نتذكر تهديدات ما اطلق عليها (حريم السلطان) وقول احداهن: "ستكون شوارع بغداد دمايات ان ترشح احد غير المالكي"... وتصريح العبادي في كربلاء "يريدون يقتلوني.. ما يهمني". ويحسب له انه كان حاكما معتدلا متوازنا. عمل على تهدئة التوتر الطائفي، واستطاع ان يكسب ود الطائفة الاخرى.. وانه هادئ جدا لا تبدو على وجهه علامات الغضب الا ما ندر.. غير ان مشكلته في الكثير من قراراته انه (هاوي بس ما ناوي).. لسبب سيكولوجي هو ان واقع حال الازمات في العراق ومطالب المتظاهرين وتوجيهات المرجعية من جهة، والمافيات السياسية والوضع الامني من جهة اخرى، فرضت على السيد العبادي ان يعيش حالة تناقض الاضداد في حل الصراعات.. اشدها عليه هو صراع الاقدام – الاحجام، وتحديدا في اخطر واقبح ظاهرة ما حصلت في تاريخ العراق والمنطقة.. الفساد.. وخوفه من حيتانه! وانه كان يتملكه شعور العاجز الذي يتمنى قوة خارجية تساعده على الاطاحة بالفاسدين. 
عادل عبد المهدي
استطلعنا الرأي ايضا بهذا السؤال: (ما رأيك بالسيد عادل عبد المهدي.. ابرز ايجابياته وسلبياته.. وهل ترى انه سيتجه بالعملية السياسية نحو منعطف جديد).
 حدد المستجيبون اهم ايجابياته بأنه يمتلك خبرة علمية بحصوله على شهادات تخصصية جامعية في السياسة والاقتصاد، وان لديه خبرة عملية في ادارة مؤسسات الدولة، وانه شخصية مهادنة متوازنة، فيما تحددت اهم سلبياته بانه شخصية زئبقية.. متقلب المزاج غير ثابت على نهج معين، لا يحمل مواصفات القائد لهذه المرحلة الصعبة، قام بمضاعفة املاك والده المصادرة في الشطرة والرفاعي بدون ضجة، وان سيرته غير مستحسنة من الشعب بعد حادثة مصرف الزوية، فيما يرى آخرون ان هذه الحادثة جرى تضخيمها وان شخصية سياسية مؤثرة عمدت الى توظيفها للإساءة الى شخصية عبد المهدي. وهناك من يرى في السيد عادل انه شخص خطر، لان تاريخه يثبت انه خاضع للاوامر الامريكية، وان الاحتلال هو الذي دفع به الى مواقع متقدمة في الدولة، وانه ابن وزير معارف في الحكم الملكي، واقطاعي تضرر كثيرا بقانون الاصلاح الزراعي الذي اصدرته حكومة عبد الكريم قاسم، والذي لا يخفي كرهه له، ولما اصدره من قوانين لاسيما القانون الخاص بمقاطعة شركات النفط، ومحاولته اعادة العلاقة بها حين كان وزيرا للنفط، ما يوحي أنه قد يعمد الى خصخصة النفط العراقي ومنحه للشركات الاجنبية، وهو امر متوقع لأن سيكولوجية شخصيته وتربيته الأسرية ستدفع به الى ان يأتي بوزراء تكنوقراط  ارستقراطيين، يحبون الثروة والاستعلاء.
 ومن جانبنا، لا يعنينا هنا ما هو معروف عن السيد عادل عبد المهدي بقدر ما يعنينا دلالات ما هو معروف. ففي سبيل المثال، وصف بأنه انتهازي سياسي لتنقله بين احزاب ذات ايديولوجيات متضادة (قومي، بعثي، شيوعي، اسلامي..) فيما تعني دلالة ذلك ايضا ان شخصيته هي  في بحث دائم عن الحقيقة متأثرا بوالده (عبد المهدي المنتفجي) الذي كان وزيرا في حكومة فيصل الأول.. وأنه لم يجد الحقيقة في تلك الأحزاب والايديولوجيات.. لينتهي بأن غادرها جميعها ليختلي مع نفسه في الوصول اليها عبر التفرغ للكتابة في الاقتصاد والسياسة.. وتحوله الى ما يشبه الزهد الذي دفعه الى الاستقالة بعد ان شغل مناصب وزارية وحكومية وبرلمانية. وقس على ذلك دلالات اخرى في السلب والايجاب.   ومع ان كلتا الشخصيتين تتصفان بالهدوء والتوازن في العلاقات السياسية، الا ان شخصية السيد عبد المهدي تختلف عن شخصية السيد العبادي في ان للأخير قدرة على تحمل النقد والهجاء والخضوع لإرادات قوى اكبر منه من اجل البقاء في السلطة، لا تتوافر في شخصية السيد عادل لكونه يرى نفسه أنه من جيل قدماء السياسة، وانه زاهد في السلطة.. ما يعني انه لن يخضع حتى لاملاءات قادة الكتل التي رشحته، وربما اشترطت عليه، اذا تعارضت مع ما يراه هو.  وما يحتاج اليه السيد عادل في مهمته الصعبة والمعقدة، ان يكون حرا في اختيار وزراء حكومته، بأن لا يلتزم بالضرورة في تعيين من اختارتهم الكتله تحديدا، بل له ان يستأنس بمن يرشحون وان يختار هو من يراه الأفضل من بينهم او من غيرهم، ليسجل نقطة شروع لحكومة جديدة تختلف عن سابقاتها بتعيين وزراء  تكنوقراط للوزارات الخدمية يمتازون بالكفاءة والنزاهة والقدرة على وضع خطط علمية وعملية، تؤمن احتياجات الناس ويعالج بها مشكلة سيكولوجية تتمثل بإعادة ثقة العراقيين بالحكومة، وفي خطوة ايجابية لاحقة، وجه السيد عادل بفتح باب الترشيح امام كل من يجد في نفسه الخبرة والكفاءة من المواطنين لشغل المناصب الوزارية.. وان تحقق ذلك فعلا فانها ستكون المرة الأولى في تاريخ الحكومات العراقية بعد التغيير، تضم وزراء مستقلين، وقد تغلق الباب امام فاسدين يساومون الان علنا على شراء المناصب الوزارية بملايين الدولارات.
 وخارجيا، على السيد عادل ان يعمل على خلق توازنات اقليمية ودوليه وتوافق بين ارادات متصارعة حيث اللعبة الاقليمية هي الان اكبر حتى من العراق نفسه، وارادة اميركا التي تريد ضرب الاذرع الايرانية في العراق.. وطبيعي ان هذه التوازنات الخارجية الصعبة والقضايا الداخلية الأصعب لن يستطيع النجاح فيها ما لم تدعمه الكتل والقوى الفاعلة في الساحة السياسية، لا سيما مشكلة الفساد التي نذكّر جنابه بقوله هو عبر فضائية الحرة عراق: (ان موازنات العراق منذ عام 2003 بلغت 850 مليار دولار، تبدد معظمها بالفساد).. والرقم زاد بعدها الى (1250 مليار دولار).. فهل سيأمر بتشكيل محكمة من قضاة مستقلين لمحاكمة الفاسدين وتحقيق ما عجز سلفه عن تحقيقه، أم سيكون امتدادا له في الصمت والخيبة؟
خشية متوقعة
  الخشية ان حكومة السيد عادل قد تكون (حكومة مؤقتة) لسببين: الأول ان شخصيته من النوع الذي لا يتحمل ان تتدخل في شؤونها شخصيات، يرى انها اقل مستوى منه، وكتل تريد منه ان تجري الأمور لصالحها.. وأنه حين يجد نفسه محاصرا فان الحل الوحيد الحاضر عنده هو تقديم استقالته. والثاني ان حزب الدعوة تحديدا الذي استفرد بالسلطة والثروة خمسة عشر عاما، سيعمد الى توظيف (تهديد عادل بالاستقالة) على انها نقطة ضعف في شخصيته، فيعمل على ما يضطره الى الاستقالة، محمّلا اياه مسؤولية قراره ليعود ثانية الى السلطة.. غير ان (الدعوة) سيفشل اذا استطاع السيد عادل اجتياز الامتحان بالثبات على المنصب.. ولو لسنة واحدة!
* مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي