رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 24 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2067

توظيف التراث فـي المسرح يتيح الفهم الموضوعي للذاكرة التراثية وتفسيرها

محمد الحمامصي
ايقدم المخرج والناقد المسرحي الأردني يحيى البشتاوي في كتابه "توظيف التراث في المسرح العربي" قراءات نقدية في الأدب المسرحي والعرض المسرحي التي تجلى توظيفها للتراث في المشهد المسرحي العربي منذ انطلاقته لدى مارون النقاش وأبو خليل القباني وحتى الآن، ليضع قارئه على مشهد يمتد من الخليج العربي وتحديدا الإمارات إلى مصر وسوريا ولبنان والأردن والعراق وفلسطين والمغرب، متوقفا مع عروض ونصوص الشيخ د.سلطان بن محمّد القاسميّ المسرحيّة، ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وغسان كنفاني وسعد الله ونوس والطيب الصديقي ووروجيه عساف، قاسم محمّد وغنّام غنّام وعروض فرقة مسرح الحكواتي اللبنانيّ، وعروض فرقة مسرح الحكواتي الفلسطينيّ، وعروض جماعة المسرح الاحتفاليّ.. إلخ.البشتاوي رأى في كتابه الصادر عن دائرة الثقافة بالشارقة أن إشكالية تأصيل الخطاب المسرحي العربي ارتبطت في أذهان كثير من المسرحيين العرب بالتراث، وكان طبيعيًا أن تبرز لديهم ثنائية الأصالة والمعاصرة، بوصفهما تحققان وحدة باطنية عضوية تعبر عن الرؤية المعاصرة للتراث التي تفرض علينا أن نتعامل معه كمواقف وحركة مستمرة من شأنها أن تساهم في تطوير التاريخ وتغييره نحو القيم الإنسانية المثلى، لا أن تقتصر نظرتنا للتراث على أنه مادة خام تنتمي إلى الماضي الذي انتهت وظيفته.وقال "لأن المسرح شكل من أشكال التعبير، وأداة من أدوات التواصل الثقافي بين أبناء الجنس البشري، فقد برزت الحاجة إلى ضرورة أن يأخذ المسرح دوره في الساحة العربية بعيدًا عن الاستسلام والهيمنة التي يفرضها الشكل الأوروبي للمسرح، ذلك أن همينة شكل المسرح الواحد، وعملية النقل الحرفية دون دراسة وتمثيل واستيعاب، تجعلان المسرح سلطة ليس من السهل الفكاك منها، بل إن خطورة نقل هذا الشكل والإذعان له من شأنها أن تقتل الأنشطة والظواهر الجانبية، وتعرقل نشأة مسرح عربي خالص مستمد من الموروث الشعبي والتاريخي، وقد كان من تأُثير ذلك أن أنكر نقاد وأدباء من الجيل السابق على الشعب العربي كل تراث مسرحي بأي شكل كان، وأخذوا عن الأوروبيين مفهومهم عن المسرح كقاعدة مسلم بها، وانطلقوا منها في أعمالهم ، فأخفقوا في الوصول إلى ما يمكن أن نسميه مسرحًا عربيًا".ورأى البشتاوي أنه بعد الصحوة القومية التي سادت الحياة الثقافية العربية منذ النصف الثاني من القرن العشرين، هب رجال المسرح إلى البحث عن مخرج لكسر هيمنة الشكل المسرحي الأوروبي، والخروج بشكل مسرحي عربي يرتكز على الموروث الشعبي، ويمكن له أن يؤكد الهوية القومية الإنسانية التي تميز العرب عن سواهم من الأمم، وهذا الشكل من المسرح من شأنه أن يكشف عن روح الأصالة في أمتنا من أجل متابعة مسار التقدم الذي تحتمه حركة التاريخ.
وأضاف إن عملية توظيف التراث في الفن المسرحي تتطلب منا الانفتاح على الآخر بوعي ونضج، محاولة الإفادة من كل منجزاته الإيجابية لتحقيق التقدم، وبناء مجتمع إنساني يقوم على الأخلاق والقيم السامية، من هنا تبرز ضرورة قراءة الموروث قراءة نقدية هادفة تسهم في تأسيس رؤيتنا لمشكلات الواقع الملحة، وبما أن التراث العربي هو نتاج الثقافة المدونة والمنقولة والشفاهية، وهو يشكل مجموع التكوينات المميزة للشعب العربي، فإن ذلك يؤهله لإعطاء البديل الحقيقي لغياب الفعل المسرحي، ولأنه يحمل طابعًا خاصًا فإن استلهامه لابد أن يؤدي إلى إثراء أي عمل عربي ينشد التأًصيل على صعيد الهوية القومية.
وأكد البشتاوي أن الفنان المسرحي يلجأ إلى التراث كوسيلة فنية حتى لا يسقط في المباشرة التي تقتل جمالية الإبداع، وينبغي أن يتم التفاعل الفني بين الدلالة التراثية كحقيقة وتاريخية للمرموز له، وبين الدلالة الفنية المعاصرة كوسيلة فنية، ولا ينبغي أن تكون العلاقة بين الدلالتين علاقة تعسفية، لأنه كثيرًا ما يسقط الفنان المسرحي أبعاد رؤيته الخاصة على ملامح الشخصية التراثية، فيصبح الخطاب التراثي خطابًا مضببًا لا يحقق التواصل، لذلك ينبغي أن تكون الدلالة الإيحائية نابعة من قدرة المصدر التراثي على الإيحاء والتعبير.
وأوضح أنه في ضوء توظيف التراث في المسرح، جاء جيل جديد من رواد المسرح العربي، حيث تعامل مع التراث انطلاقًا من حالات الوعي الفكري والجمالي، فدعا رواد هذا الجيل إلى إيجاد شكل مسرحي عربي خالص مستمد من التراث الفني والأدبي ومن شأنه أن يحقق تواصلًا بين المبدع وشعبه وعدم الاتكاء على المضامين والأشكال الجاهزة، فكانت محاولات يوسف إدريس وتوفيق الحكيم وتنظيرات علي الراعي، ومحاولات سعد الله ونوس، وقاسم محمد وعز الدين المدني وعبد الكريم برشيد والطيب الصديقي وروجيه عساف وغيرهم، وجاءت محاولاتهم "عبارة عن دعوات إلى تأصيل المسرح العربي، أو تأسيسه من منطلقات مغيرة، أو إعادة تأسيسه ضمن هذه الثنائية الضدية الأنا / الآخر، إلا أن المزالق التي وقعت فيها أغلب هذه الدعوات هي اعتبارها التأثر بالثقافة والنتاج الغربي أمرًا مطلقًا وليس نسبيًا ولا يخضع لأية مقاربة نقدية. كان من البديهي أن يسيطر التقليد على مستوى التعبير الأدبي وعلى مستوى تأثيث الفضاء المسرحي، وعلى مستوى كتابة العرض، فذاع السهل وانتشر أفقيًا، ولم يستطع هذا الانتشار الأفقي العادي والسهل والمقبول التأثير في المتلقى العربي إلا بترويضه على التبعية والرضى بالسهل والعادي والمبتذل".
وخلص البشتاوي إن توظيف التراث في المسرح يتيح الفهم الموضوعي للذاكرة التراثية وتفسيرها ضمن سياقات متعددة يمكن من خلالها نقد الحاضر في ضوء معطيات الماضي، ومن خلال أشكال الفرجة المسرحية والظواهر الدرامية يمكن أن يحقق توظيف التراث رهان الحداثة والتجديد الذي من شأنه الوقوف في وجه المحاولات الرامية إلى طمس الهوية العربية الإسلامية، وترسيخ قيم فكرية وفنية وجمالية تتجاوز التقليد والاستنساخ المبرمج للمنتج المسرحي الغربي، وذلك بهدف تأسيس حوار نقدي جدلي عبر تعميق ثنائية الأصالة والمعاصرة والأنا والآخر، في محاولة لتأصيل المسرح العربي.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي