رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 24 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2067

الشرعية الدستورية.. الشرعية الثورية

مازن الزيدي

بعد يومين من انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء كتبت على صفحتي الشخصية مطالباً الرئيسين بإعلان تخليهما عن جنسياتهما المكتسبة. فبحسب معلوماتي أن رئيس الجمهورية يحمل جنسية بريطانية بينما يحمل رئيس الوزراء المكلّف الجنسية الفرنسية، نظرا لإقامتهما الطويلة في هذين البلدين ايام المعارضة.
كنت اكرر المطالبة التي وجهتها قبل اربعة سنوات لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المنتهية ولايتهما عندما تسلّما مهامهما آنذاك.
فمن غير المقبول وطنياً ان تكون في اعلى هرم المسؤولية في بلدك لكنّك في الوقت ذاته تدين بالولاء الى بلدٍ ثانٍ. وهذا ما عالجه الدستور العراقي في (المادة ١٨ /رابعا) التي تنص على ضرورة تخلي مسؤولي الدولة عن جنسياتهم المكتسبة، على ان ينظّم ذلك بقانون. 
للأسف فإن البرلمان السابق لم يعرض قانون "الجنسية المكتسبة" على التصويت النهائي على الرغم من قراءته قرائتين، توصلت خلالها المناقشات الى ضرورة شمول ١١ فئة من المسؤولين بالتخلي عن جنسياتهم المكتسبة.
مع تقديمي لهذه المطالبة امام الرئيسين الحاليين، اعترض بعض اصدقاء الصفحة على ضرورة التركيز على اداء السيدين برهم صالح وعادل عبدالمهدي وعدم الانشغال بجنسياتهم المكتسبة لان ذلك من جنس الشكليات. وحجة هؤلاء ان الكثير ممن لم يحصلوا على جنسية اخرى افسدوا وأساؤوا مثلما لم يفسد او يسيء مزدوجو الجنسية.
لكنّني كنت اجادل المعترضين بالحديث عن الشرعية الدستورية والتزاماتها الثقيلة، والشرعية الثورية التي تمنح المسؤول حرية واسعة بلا حسيب ولا رقيب في اداء مهامه كما يراها هو، وليس كما يحددها القانون او الدستور.
فالفرق واضح وبيّن أن الشرعية المكتسبة من الدستور تعني فصلاً كاملاً بين السلطات، وتحديداً واضحا للصلاحيات، وتعيين مرجعيات قانونية يلجأ إليها لفضّ الخصومات ورفع التداخلات. بينما الشرعية الثورية تفتح ابواب السلطة واسعة أمام مغامرات المسؤول وقراراته التي لاتخضع الاّ لتقديراته الشخصية وفهمه الخاص من القوانين السائدة. والمسؤول في مثل هكذا حالة يصبح ممسكاً بجميع السلطات التنفيذية والتشريعية وحتى القضائية.
يؤاخذ بعض المتابعين على كاتب السطور تمسكه الحنبلي بتلابيب قوانين وبنود دستورية يحمّلها الجميع مسؤولية الفشل في المجالات كافة. ولذا تواجه مطالباتي، بالامساك الحرفي بنصوص الدستور والقانون، بأنها تندرج في خانة "التفلسف" و "المثالية" والابتعاد عن الواقع، هذا ان أحسن اصحاب هذا الرأي الظن، وإلاّ فتهم الخيانة والعمالة والفساد حاضرة بقوة.
ولكي لا أكون أنانياً، فإني اعترف بوجاهة اعتراضات المعترضين الذين يلفهم الاحباط واليأس من تجذر الفشل والفساد وقدرة الطبقة السياسية على القوانين والدستور. فهذا النوع الذي يمثل أغلبية واسعة يريد حلولاً سحرية لانقاذه من هذا الوقع السيّء، وهو غير مستعد لانتظار نضوج التجربة وانصلاح حال ساسته لتحقيق أحلامه. ومن هذه المقاربة يمكن فهم تحمّس البعض لأيام الانقلابات وحنينهم المتواصل الى المنقذ القادم على ظهر الدبابة.
وبالرغم من تفهّم دوافع اصحاب هذه الرؤية، إلاّ أن الإنسياق خلفها لايعني سوى مغامرة ومقامرة بكل هذا الوضع بإمكانياته وطاقاته الكامنة وتسليمها بأيدٍ لايفصلها عن الدكتاتورية سوى اعلان البيان رقم واحد ورمي الدستور في أقرب سلّة مهملات.
وحتى التساؤلات التي قدمتها شخصيا حول الكتلة التي تقف وراء رئيس الوزراء المكلّف، رغم وجود توافق سياسي غير مسبوق حوله، كانت تهدف الى تقوية المرجعيات القانونية والتمسك حتى بالإجراءات الشكلية وعدم تجاوزها باجتهاد شخصي.
وفي هذا السياق ذاته، كانت انتقاداتنا المبكّرة لاعلان الاصلاحات التي اطلقها رئيس الوزراء المنتهية ولايته والمساعي التي سوّقت آنذاك لتجاوز الدستور والالتفاف على بنوده بذريعة مواجهة الفساد وووو. لاعتقادنا أن كل الازمات التي واجهها العراق ابتدأت من اللحظة الذي وجد السياسي فيها نفسه اكبر من القوانين والدساتير، وأن عليه الاستجابة لرسالته التاريخية في صوغ البلاد وفق مقاساته.
فمنذ أن آمن العراقي بالشرعية الثورية وصفق لأبطالها وركض خلف سرفات دباباتها، والبلاد تدور في فلك الحروب والأزمات واللااستقرار. ومنذ تلك اللحظة بدأت مكابدات العراقي مع حكامه الذين يخضع لهم في الشارع ويبصق على صورهم في غرفة نومه. فهاقد جرّبنا شرعية البنادق والخاكي، فدعونا نتمسك بشرعية القانون والدستور ونعمل على انضاجه واصلاحه.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي