رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الأربعاء - 24 تشرين الاول( اكتوبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2067

رباعيات عمر الخيام: الشعر مقابل لعبة القدر

احمد الشيخاوي*
[أولى بهذا القلب أن يخفقَ/ وفي ضرام الحبّ أن يُحرقَ
ما أضيع اليوم الذي مرّ بي/ من غير أن أهوى وأن أعشقَ].
تمثل الرّباعيات من حيثُ هي نوع شعري ذو هوية فارسية،أفقا لانسكاب فلسفي في روح الشعر وتقمّص تيماته،أقلّه لدى رائدها عمر الخيام ، وقد ازدهرت على نحو ملموس في المرحلة التي شهدت تفشّي مذهب الصوفية وأخذه بالانتشار.
 إذ استطاع الموسوعي غياث الدين أبو الفتح عمر بن إبراهيم الخيام أو الخيامي، أن ببلغ بخطاب الرباعيات مراتب السمو ،ممكّنا له ومرسّخا أصوله وقواعده ،مانحا إياه ذيوعا أسهمت فيه من ناحية أخرى الترجمة إلى عدّة ألسن ،على رأسها لغة الضاد.
الرجل الذي آثر الإقامة وللأبد في منطقة المابين، واطمأن إلى معاني الذات والغيرية والوجود، وهي ترخي عناقيد الغواية ،متقمّصة ذلكم المختزل في برزخية عادلة لا ترجع بإحدى الكفتين، بل ترفل بتجربة فريدة عند حدود التماس بين ضديدين: الجنّة والنار.
كون ترنيمته تفيد وببساطة،ما يفجّر طقوس الفطرة في الكائن،ويبديه في صورة المسلّم بما تسطّره الأقدار، إن هو أراد حياة الجمال والارتواء الروحي والانتشاء بفلتات القبض الطفولي على جمرة الحياة.
من درره نورد الأنشودة التالية:
[ عبد حسن وعابد الصهباءِ
لا مداج أو زاهد ذو رياء
في عداد الأخيار الأصفياء
ولئن صحّ أنّ للعشاق
والنّدامى مواطن الإحراق
عمرك الله والأنام سقوطُ
من سوى الله في السماء تعالى].
لم يقل" كلوا واشربوا وتناكحوا، غدا تموتون" لكنه قال، حسب المستشف من منجزه الموغل في خلطة وجودية تتعانق فيها الاتجاهات وتُضغط الجهات ،تتواشج فيها الحمولات عرفانية وجمالية وفلسفية وصوفية وانطباعات مادية صرفة.
قال مؤكّدا القول: " ضاجعوا المُدام وتناسوا أوجاعكم ،قبل أن تقطفكم يد الرّدى،و يعضّ على أجسادكم بأنيابه الرحيل".
نضج وعيه بما يكفي كي يملي عليه أسباب تلمّس سبل المجد والسؤدد، حين زهد في حياة البلاط وما تنطوي عليه من تضيق حدّ الاختناق على العقل، كما تقمع ترعرع فسائل الجمال الروحي كشرط أساس للنجاة من نكبات الدّهر وعدم خسران الذات إزاء مشهد سقوط وريقات العمر تباعا ،ملدوغا بصروف العيش ومبرقعا بطعنات الواقع.
بارك نبوغه وتبنّى حكمته ومواقفه الإمام الموفق النيسابوري فأغدق عليه من نعم كرامة العيش،وكفاه وعثاء الكدّ،حظوظا خوّلت له التفرّغ للعلم والفلسفة وقرض الشعر.
تتضارب الآراء حوله بشأن أصوله أعربي هو أم فارسي، لكنه يبقى قامة وازنة في المشهد الإبداعي والإنساني على حدّ سواء، واسما راسخا منقوشا في سجلات الخلود ورافدا الذاكرة والوعي الإنساني بمعين الشعر والفلسفة ومختلف العلوم. 
في مناسبة يقول: 
[ ها حياتي كالماءِ في الأنهارِ
أو كريح حيرى بعرض القفارِ
فمسائي دان وناء نهاري
وليوم مذ بان لستُ أراه
وليوم لعلّني ألقاه
لم أسُمْها حمل الهمومِ وإني
لسوى اليوم ما حسبتُ حسابا].
لوحة هامسة تناطح بمتاهات الغيب، لتسرّ لنا بالمختزل النفسي المُلجم بهواجس درء موجبات جلد الذات.
وكأنها حياة تستعير غرابتها من المنظر الإبراهيمي مغازلا سادية النمرود ،ناسفا ثقافة التّسلطن وإيديولوجيات الملك الجائر،في تلك ،النمرود أنموذجها، وهنا عمر الخيام محمولا على دوال الشعر كمعادل للوهم،تلهيه الشهوة التي يقتضيها العجز البشري، منشطرا ما بين معنيين وجوديين يُنتحلان في أقصى مستويات الرّمزية والتعالي : معسول الخليلة ومعسول الكأس.
الأولى تضجّ أنوثة تغزل خيوط الملهاة ،مُجابهة لسائر ما قد يصنعه بالإنسان قدره، والثانية أنوثة أيضا تجود بلذة منسية كذلك،مقارعة للعبة الوجودية وكيفّ أنها ما تنفكّ ترشق بمعادلاتها الصعبة مكامن العطب فينا، حتّى لنصير ضحايا لمرايا ضمنيتنا التي لا تكذب، فنرتجل بالتالي مجالات من الشكوك والقلق واللايقين، تقينا ــ لحظيا ــ حرائق تأويل المصير،وتبرّد قيامة الانشغال بهواجس ما هو غيبي وقريب مستشفّ بالحدس مُفتضٌّ الحجب بالبصيرة الشعرية. 
قد تتصادى رباعيات عمر الخيام مع "لزوميات" أبي العلاء المعري،بخاصة عند النقاط المسكونة بفلسفة السؤال المتمحور على أزمة الذات ودوختها بثقافة التوأمة مابين معنييْ تقاطع: اللذة والفناء.
بيد أن فضيلة أو ميزة هذه عن تلك ،تكن في قدرة الرباعيات على الارتقاء بالشعر إلى صهوة معاندة لعبة الأقدار، بحيث تطرق باب السّليقة والفطرة الآدمية ،عبر تصالح كلي مع الطبيعة على تنوّع عناصرها وأصواتها وإيقاعاتها، داخل هذا المركبّ الشاغل بحقيقة الجنّة والنار.
تريد للذات جالدة ومجلودة أن تسلّم بمسطرة الأقدار ،وألاّ تحارب بإملاءات العقل،حقول الحكمة الإلهية مثلما نسجتها ريشة الله في إحاطته العلمية بكلّ ما هو كائن ومخلوق.
ومن ثمّ نجد هذه الرباعيات تُجاهر بنزعة فلسفتها المادية، فتدعو إلى قبول هذه الحياة بأريحية وانشراح دائم مهما يك مفتعلا أو متصنّعا ،وهكذا عبورها بمخملية وتفاؤل وانسيابية، وبأسلوب يشقّ جحيم عيشها ،بفعل ممارسة مدغدغة بثمالة فراديس المحسوس،الوالج في نارية الراهن وغليانه نتيجة ما يغلب عليه من أقدار وأقدار مضادة لا تشتهيها الذات المجبولة على فطرة تولّد فيها شتّى مناحي العجز والعوز.
لَوُجود منذور لمؤانسة النساء وأقداح معسول الصهباء والشعر،أقدر على تخفيف ألام صفعات القدر للذات، وأجدى للروح الباحثة عن موجبات التقليص من حدّة انثيالات المصائر المهمومة . 
شاعر وكاتب مغربي   * 

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي