رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 13 كانون الاول (ديسمبر) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2097

يوم مع الدبلوماسية: لطافة أصحاب القوط

هديل الجواري

لا تحتاج وانت تراجع السفارة العراقية سوى ان يكون برفقتك شخص يرتدي "قاطا" انيقا، ويكون حليق اللحية، شريطة ان يرتدي رباطا وحذاء "روغان"، كما ان وضع المنديل في جيب السترة سيزيد من فرص الاستفادة والتفعل بالتأكيد.
كنت اعتقد ان تلك الادوات الضرورية هي ما تحتاجه في العراق وحده، وانت تراجع لاي موضوع معقد او بسيط، لكن يبدو ان اللعنة تمتد الى جميع الدوائر التي ترتبط بالعراق بما فيها السفارات العراقية في مختلف مدن وانحاء العالم.
فالسفارات بيت حقيقي للعراقيين، ليس لأنها تخصغ لقانون الدولة، بل لان ذات الاليات والاشكال والاساليب التي تشاهدها في العراق سواء في الروتين او الازدراء، ستشاهدها هنا بشكل اكبر وافظع احيانا... في السفارة جلسنا بانتظار دورنا نزولا لتوجيهات السيد مدير القسم، لكن المفاجأة ان "اصحاب القوط" يتجاوزون الروتين الاداري بكل اريحية ولا علاقة لهم بالدور، واذا اردت ان تحفظ قدر مهم من كرامتك التي يمكن ان تهان بواسطة اي موظف بكل بساطة، فعليك ان تقضي ساعات وساعات بانتظار دورك الذي راح ضحية عدم اصطحاب شخص بقاط ورباط.
اصحاب القوط يدخلون بهواتفهم النقالة متجاوزين وجه صاحب الاستعلامات البائس وتوجيهاته البوليسية، وحين يتجولون في اروقة السفارة تكون الاجهزة النقالة علامة على اهميتهم وفوقيتهم عن القانون، تعلو على وجوههم ابتسامة بنوع من الغل الممزوج بالتعالي والتكبر.. هم لا ينظرون الى الموجودين بوصفهم كائنات حية ذات كرامة وتقدير. يدخلون ويخرجون ويتجاوزن الترتيب والدور دون ان تهتز لهم شعرة ضمير.
الموظف هو الاخر يستدعي كل دونياته النفسية حين يقابل هؤلاء الاشخاص، فغالبا ما يقوم بالقاء خطبة عصماء على البقية الجالسين ممن لا حول ولا قاط لهم. والهدف الاساس من ذلك هو اسماع اصحاب القوط واستعراض العضلات امامهم.. واذا اردت ان تجمع ما تحدثوا به مقابل ما تم انجازه من معاملات ستجد نسبة مخجلة، بالفعل. اما عن الموضوعات التي تشنفت اسماع الجالسين بالاطلاع عليها فهي محط اعتزاز ترتفع لها القبعات، لقد تعلمنا خلال الجلسة الرائعة "ان الجبل يمثل بانوراما رائعة من شرفة السيدة الموظفة"، وان مفهوم الوكالة "كلها بمعنى وكلته ووكلتها" حسب ما عرفها صاحب القاط بافاضة رائعة، و"ان لغة باكستان هي الاردو"، وجملة معلومات ما كان حتى لمحرك "كوكل" الاحاطة بها.
الموظفات بكم الخواتيم التي ترتديها وحجم المكياج الذي انفقته على وجهها، والموظفون الذين يرددون ذات العبارات التي فارقها الجالية عند حدود البلاد، لا يبدأ عملهم الا في حدود الساعة التاسعة وبعد منتصف النهار لا يستقبلون معاملة ووسط ذلك ينفقون من الاحاديث الجانبية والسفاهات ما يقتل بقية الوقت، والاكثر مفارقة ان بعض الاقسام يستمعون بالعطل بشكل مزدوج بين البلد العراق وايران.
في المرات اللاحقة التي يعود فيها صاحب القاط يدخل ويخترق الصفوف ليجلس على مقربة من الموظف والاخير يعتذر منه في انه سيؤدي عمله، اما صاحب المعاملة ممن يرافق صاحب القاط، فهو مستكثر على الجمهور جلوسهم على المقاعد بانتظار دورهم، فهو في كل مرة ياتي ويذهب يتوجب على الاخرين ان يفسحوا له متسعا للجلوس.
في التسعينات كنا صغارا حين كنا نذهب الى كراج السيارات وهناك تبدو زحمة الموجودين ملفتة، فما ان تاتي سيارة الكوستر حتى يتجمهر الناس بطريقة فظيعة، وفي لجة الازدحام حين يوفق احدهم للصعود الى مقعد السيارة من الباب او عبر زجاج النوافذ، يتكئ وينظر الى الاخرين شزا متناسيا انه وللحضة سابقة كان جزءا من هذا المشهد الفظيع. فالعراقيون الذين صعدوا الى مقاعد الدبلوماسية من الابواب او الشبابيك لا يختلفون كثيرا عن ذلك. الادوار تختلف والوجوه تتبدل، ولا امل ان تتحسن الدبلوماسية العراقية وان تتغير صورة الخارجية امام الجالية او امام حتى انفسهم.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي