رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 12 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2076

"كم أكره القرن العشرين": رصد لحالة الحرب بالعراق

قراءة/ سماح عادل
رواية (كم أكره القرن العشرين) للروائي العراقي عبد الكريم العبيدي، تتناول رصد لحالة الحرب في العراق، وما تخلفه من ضحايا، ليس فقط من القتلى والجرحى، وإنما الهاربون الذين فقدوا سنوات شبابهم وأحلامهم، وفقدوا الكثير أمام شهوة الحكام المستبدين الذين يشعلون الحروب.
الشخصيات..
مولود البلوشي: هو بطل الرواية، شاب من أقلية عرقية في العراق، كتب عليه الهرب لسنوات طويلة أثناء الحرب بين العراق وإيران في الثمانينات من القرن الفائت، لأنه خاف من أن يقتل في الحرب، وعاش سنوات من الرعب والخوف والضياع في شوارع البصرة هربا من الحرب، وتعرض لأهوال، لكنه نجا واستطاع أن يهرب من بلده إلى هولندا ليموت بالسرطان.
مراد البلوشي: والد “مولود”، مات قهرا بسبب معاملته بشكل عنصري هو وعائلته بسبب كونهم من الأقلية.
سليكة: جدة “مولود”، كانت تحبه كثيرا وتتمنى أن يقوم هو بدفنها لكنها تحسرت في حياتها على موته.
ميا البلوشي: أخت “مولود”، وهي طبيبة، عانت هي أيضا من العنصرية ومن ملاحقة “صارم” أحد أبناء الجيران الذي كان يطمع في الاستحواذ عليها، وأخذها كمحظية وفقا لتقاليد عرفية بالية.
ريا البلوشي: اخت “مولود” الثانية، وهي أكثر تماسكا من “ميا” في التعامل مع حياتهم الصعبة المليئة بالأحداث المفجعة.
صارم: كان في عمر “مولود”، وهو فتي من أبناء الجيران، كان يتنمر على “مولود” في فترة الطفولة، ثم أصبح يلاحقه في شبابه، لأنه أصبح من رجال الجيش الذين يقبضون على الهاربين، وانتهي نهاية بشعة حيث مات في الحرب وتحللت جثته.
نهلة ونهودة: أختا “صارم” وكانا يتعاملان بشكل سيء مع عائلة “مراد البلوشي”، ثم تحولتا في النهاية إلى مقايضة جسديهما لإنقاذ أخيهما “صارم” من مصير سيء، وكانا يقيمان ليالي حمراء للضباط ورجال المخابرات ليضمنا لأخيهما مناصب جيدة.
زوج ميا: طبيب نفسي ساعد “ميا” على تجاوز أمراضها التي أصابتها نتيجة الحياة القاسية التي عاشتها.
الكاتب: شخصية لا اسم لها تقوم بكتابة رواية داخل الرواية عن حياة “مولو البلوشي”.
الراوي..
الرواية بها أكثر من راو، الأول هو الكاتب مجهول الاسم الذي سوف تقع دفاتر يوميات “مولو” في يده، ثم راو عليم يحكي عن “ميا” عندما تكتشف أن أخيها لازال على قيد الحياة، ثم يحكي عن “سليكة” لحظة وصول الجثمان الذي قيل لها أنه جثمان “مولو” وكيف استقبلت خبر وفاته، ثم الراوي الذي احتفظ بالنصيب الأكبر من الرواية، وهو “مولو” حيث يسلم الكاتب زمام الرواية ل”مولو” ويومياته في سنوات الهروب، والتي يقسمها إلى أجزاء بعناوين طريفة، ثم يعود الكاتب المجهول ليحكي عن “مولو” ومصيره ومصير أختيه وعائلة “ميا”.
السرد..يتمتع السرد بالتجريب على مستوى الشكل، حيث يقوم الكاتب على مدار 440 صفحة من القطع المتوسط، هو حجم الرواية، بالانتقال ما بين السرد بضمير المتكلم والسرد بضمير الغائب، ثم الانتقال ليوميات تنقسم لأكثر من جزء ونوع، ثم نهاية الرواية التي يوجزها الكاتب المجهول، ثم هوامش لشرح معان الكلمات الصعبة الخاصة بالبيئة العراقية، وتعتمد الرواية على لغة ثرية يكن تسميتها بلغة خاصة بالكاتب، كما تعتمد الرواية على تشويق لكنه مثقل بالحزن والشجن.
ضياع الهروب من وحشية الحرب..
أهم ما تتناوله الرواية هو ضياع الهروب من وحشية الحرب، حيث يعاني جيل كامل من الشباب من الضياع وقت الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الفائت، فهم إما ضحايا لحرب وحشية يموتون فيها بأعداد كبيرة ويتساقطون كالذباب، أو جرحى يعانون من عاهات، أو هاربون يختبئون من جنود النظام الذين يلاحقونهم لإعادتهم إلى الجيش، أو لتنفيذ حكم الإعدام فيهم بسبب كونهم خونة من وجهة نظر النظام المستبد الذي يهوى الحروب.“مولو” البطل يهرب من الجيش، ليس هو وحده، وإنما كثير ممكن حوله، يتنقل في الليل في الشوارع خوفا من الإمساك به، وفي النهار يختبئ في أي مكان، يتنقل في الأماكن التي تأوي هاربين مثله، يحتسون الخمر ويتجرعون وجعهم معه، شباب في عمر الورد لا هم له سوى الهروب من الموت، دون أحلام ودون أمل في مستقبل، أيام تتساقط من عمرهم كأوراق الشجر الذابلة، ولا يحسبون لها حساب وإنما تمر عليهم بعذاب الخوف. 
الرواية لا تدين فقط الحروب في العراق التي أرقت الناس وحولت حياتهم لجحيم مستمر، وإنما تدين أيضا حروب القرن العشرين بكامله، ذلك القرن الذي يصفه الكاتب بأنه أكثر القرون وحشية، فقد حدثت فيه حروب غاية في الوحشية والقسوة، ومات ملايين من البشر في بقاع عديدة من العالم.
عذاب الأقلية في مجتمع عنصري..
يرصد الكاتب أيضا العنصرية التي تعرضت لها عائلة “مراد البلوشي” من قبل عائلة “صارم”، وكيف أنهم كانوا يتعذبون فعليا بقهر تلك العائلة، وذلك فقط لكونهم أقلية عرقية، فقد عانت “ميا” و”مولو” أكثر بسبب تلك العنصرية، كما رصد التفاوت الكبير في نظام المجتمع حيث يتمتع ضباط الجيش والمخابرات بكل الامتيازات ويعيشون حياة الرفاهية والعبث، في حين يعاني باقي أفراد الشعب ويتعرضون لشتى صنوف القهر، وحتى “صارم” نفسه الذي كان سببا في شقاء “مولو” وعائلته تعرض هو أيضا للقهر، بسبب صديق ل”مولو” تقابل معه بالمصادفة في أحد الأيام، وساعده واستطاع أن يقهر “صارم” ويحول أختيه إلى فتاتين تبيعان جسديهما أو تمنحانه لأجل راحة أخيهما، ورغم ذلك فقد زج ب”صارم” في أتون الحرب، وقتل وهو يحاول حفر حفرة يختبئ فيها وتحللت جثته، ولم يكن هذا مصيره البشع وإنما زاد الأمر حين دفن في مقبرة تحمل اسم “مولو البلوشي” وكأنه حكم عليه بالنفي ميتا، فقد قام”مولو” بوضع أشياءه بجانب جثة “صارم” في لحظة عفوية لينتقم مما حدث لها طوال سنوات حياته.
تعذب “مولو” في حياته وأصبح مجهولا بعد أن دفن “صارم” بالنيابة عنه، وكان صعبا عليه التواصل مع عائلته، ورغم نجاحه في الهرب أخيرا والذهاب إلى هولندا إلا أنه أصيب بالسرطان، ليموت في البلد التي حلم بالذهاب إليها ويدفن وحيدا.
الكاتب..
عبد الكريم العبيدي، روائي عراقي صدر له روايات: (الضياع في حفر الباطن- الباب والزمرد- كم أكره القرن العشرين).

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي