رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الخميس - 15 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2079

مقتل خاشقجي: ليست دارك يا الأخضر

مازن الزيدي

طيلة السنوات الماضية كان طيف معروف من الساسة يهرول بشكل متسارع نحو الحضن العربي بحجة إخراج العراق من عزلته. والمقصود من الحضن العربي كان زجّ العراق في محور تقوده السعودية وحلفائها من مشعلي نيران الحروب في المنطقة.
كانت فرضية العودة الى الحضن العربي مواربة حدّ الغموض، فلم يوضح هذا الطيف ثمن هذه العودة وهذا اللهاث الذي بدا واضحا في ملامحهم ونبرة كلامهم. لم يقدم هؤلاء إجابات واضحة عن تساؤلات بشأن هذا الاندفاع المتسارع، ولم يبدوا اهتماما بالمخاوف التي رسختها الدبلوماسية السبهانية في بلد كان منشغلاً بالحرب ضد جيوش التكفير الوهابي التي تتخذ من بلاد الحرمين عاصمة دينية لها.واصل المرحبون تبشيرهم بعهد جديد من الانفتاح العربي رغم انهم يقصدون الانفتاح على السعودية تحديدا التي كانت بدأت للتو حرباً ظالمة على شعب اليمن، بعد أن فرغت من احراق الجارة سوريا. كان هذا الطيف السياسي يخفّ مسرعاً للحجّ الى الرياض وجدة لمناقشة الحرب على داعش فيما لازالت بصمات المفخخات والانتحاريين ماثلة للعيان في شوارعنا وأجسادنا كندوب عميقة وغائرة ستبقى مثالة للاجيال قادمة.استكثر عرابو سياسة "الدسكاونت" تحفظاتنا ومخاوفنا من خطورة الانسياق الأعمى خلف شعارات الانفتاح والتطبيع في الوقت الذي تواصل ماكنات الاعلام الخليجية النفخ في نار الفتنة والعزف على وتر التقسيم بين مكونات العراق. بل إن الانفتاح سرعان ما تحول الى فتح الأبواب والشبابيك على مصاريعها ليواصل الخطاب السبهاني معزوفته من داخل بغداد محرضاً هذا الطرف ضد ذاك، مشوهاً سمعة قواتنا المنشغلة آنذاك بتحرير الانبار والفلوجة وديالى وصلاح الدين.وضع ساسة التطبيع والتسوية جرائم النظام السعودي خلف ظهورهم، واصروا على تناسي انهار الدماء التي شاركت "المملكة" بإراقتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين، مصدّقين إمكانية ان يتحول نظام بهذا الحجم من الوحشية الى "وليّ حميم" يساعدنا على بناء ما خربته فتاويه المتوحشة.اصرّ بعض الساسة بشكل غريب على غضّ ابصارهم عن دبلوماسية البلطجة والاستعلاء الذي مارسه النظام السعودي طيلة الأعوام الماضية مع حليفه الوثيق سعد الحريري واختطافه بشكل مهين أمام انظار العالم للضغط عليه ليتخذ موقفاً مجنوناً ضد حزب الله الذي اجهض مخططاتهم في سوريا والعراق. بالتزامن مع هذه الفضيحة الدبلوماسية كان العبادي ووزراؤه يتسابقون لزيارة ولقاء ابن سلمان الذي كان يقابلهم قادماً من فندق الريتزكارلتون، الذي حولّه الى قاعة خلد سعودية، صفّى من خلاله اعمامه وابنائهم ممن قد يشكلّون عائقاً نحو وصوله الى عرش المملكة.
تحمّس العبادي وحكومته ومن خلفهم ساسة التطبيع لمجلس التنسيق الأعلى بين العراق والسعودية، الذي رعاه السمسار ترامب ووزير خارجيته، علّه يجود عليهم ببعض الفتات بحجة فتح باب الاستثمار والتبادل التجاري والاقتصادي، واكتشفنا لاحقاً الى انه بوابة لعودة بلاكووتر من بوابة طيبيل! هلّل هؤلاء لمؤتمر إعادة الاعمار الذي أقيم في الكويت بدعم سعودي وتوصية ترامبية، وصرخوا بوجوهنا: الخير جاي، واكرمونا بسكوتكم!
بدورنا اخترنا الصمت والسكوت، منتظرين ذهاب السكرة وعودة الفكرة لساستنا الذين تذكروا فجأة انهم عرب أقحاح متناسين تهم الصفوية والعمالة لإيران التي ظلّ يرددها الاعلام السعودي حتى وهم في ضيافة "مبس".
ذهبت سكرة العودة الى الحضن العربي، وصحا ساستنا على نبأ المجزرة الوحشية التي نفذها ابن سلمان بحق احد المبشرين بعهد اصلاحاته، في مقر القنصلية السعودية في إسطنبول. بالتأكيد فان اغلب المتسعودين من ساستنا تحسسوا رقابهم وهم يتابعون طيلة الأسبوعين الماضيين السيناريوهات الوحشية لمقتل الصحفي جمال خاشقجي، وقبله الحريري. فبعد هاتين الفضيحتين الدبلوماسيتين المدوّيتين، اللتين شغلا العالم، سيسأل ساسة الحضن العربي أنفسهم مراراً عن خطورة تطبيلهم لافتتاح قنصليات سلمانية في البصرة والنجف. وسيسألون أنفسهم ألف مرة عن الثمن الذي كاد العراق ان يدفعه جراء مكرمة المدينة الرياضية التي حاول "طويل العمر" شراء دمائنا مقابلها. سيتردد هؤلاء المطبعون كثيرا عندما يردد انصارهم "ايران بره بره"، ويرفعون شعار "دارك يالأخضر دارك".ليست هذه مقالة كراهية ضد اشقائنا العرب، وليست مقالة تدعو لعزل العراق عن محيطه، بقدر كونها جرس انذار يذكّر بخطورة ديبلوماسية الديسكاونت التي رفعها بعض الساسة؛ ممن اختبرنا استعدادهم للتخلص من دماء شهدائنا بأقرب مجرى للصرف الصحيّ مقابل بقائهم في دائرة الضوء والزعامة الكاذبة.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي