رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 12 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2076

فنون التربية المفقودة

هديل الجواري

ما ان بدأت مديرة روضة الاطفال بالحديث عن برنامج مؤسستها التعليمي والترفيهي حتى اثار فضولي تفاعل اولياء الامور الحاضرين وانصاتهم بصورة ملفتة لكلام تلك السيدة التي ترى ان عملها هواية وحرفة تسعى من خلاله الى الا يغادر طفل روضتها الى روضة اخرى. وما تبرح ان تستغل اية مناسبة لتأكيد حرصها المفرط على اتباع الاساليب الحديثة في التعليم والاستعانة بأفراد من ذوي التخصص والمهارة..
في الاجتماع الدوري مع ذوي الطلبة الذي اعتدت منذ تسجيل ابنائي في الروضة على حضوره، مستغلة ما يوفره من متعة حقيقية في الانصات الى ثقافة وتجربة اخرى في تربية الابناء، ومراس لم يعهده مجتمعنا الابوي؛ في ذلك الاجتماع كانت هناك العديد من الاسئلة التي تدور في ذهني حول فهم الطالب المربك لكيفية رسم الحروف الانكليزية وعن الغاية وراء اهمال تعليم الطلاب شكل الكتابة الصحيح وتركهم يمارسون بعض الاخطاء الكتابية التي من الممكن أن تقّوم بالتمرين المستمر والاصرار! لكني فوجئت ان العديد من الأمهات والاباء الذين حضروا الاجتماع كانوا يحملون نفس التساؤل وسؤالات مشتركة اخرى كثيرة.  
والمفاجأة الاكبر بالنسبة لي جواب المربية حين قالت انهم لا يضغطون على الاطفال في الفترة هذه لكي يرسموا بالشكل الصحيح، وطلبت من الحاضرين الا يحاسبوها عن ذلك قبل 6 اشهر من ذلك التاريخ، واوضحت بان التدريس يقوم على برنامج خاص يبسط المعلومة ويطرحها بالشكل الذي لا يسأم الطالب منها وان تعديل الاخطاء يتم على وفق خطة، ومثل ذلك كانت اجابات مربية العلوم واللغة والرياضة والالعاب وكل الكادر التعليمي! حتى معلم المهارات الحياتية كانت له فلسفته الخاصة التي تقوم على تعليم الاباء كيفية التعامل بموازاة المهارات التربوية الحياتية التي يعطيها للابناء، مستندا الى القاعدة النفسية التربوية الرائدة "ما يراه الطفل، يفعله الطفل".
فریاض الاطفال في العاصمة طهران، لا تعطي مهارات التعليم الاكاديمي وحسب، بل هناك مهارات التدريب الحياتي والفنون والرسم والباليه والجمناستك وغيرها الكثير الكثير، والاهم بالنسبة لي انها تعمل على تقوية خط الاطفال بصورة عجيبة فنظام التعليم يعتمد بالاساس على الصور وتقوية خط اليد الذي يبدأ مع الاطفال منذ سن مبكرة. فالاطفال هنا لا يزجون في دوامة حفظ الاحرف الذي تتباهى به الامهات في العراق وهن يثرثرن عن تعلم اولادهم وهم في سن الثلاث سنوات كتابة الاحرف او احتساب الارقام وحفظ عدد من ايات القران. في وقت تتناسى فيه المؤسسات التربوية ان رداءة الخط تعد اليوم من اكبر المشكلات التي تواجه العوائل العراقية والمعلمين، فغالبا ما تكون نسبة الرسوب عالية بسبب عدم فهم المصحح ما يكتبه الطالب، اعتبارا من طالب الابتدائية وصولا الى طلبة الدراسات العليا.
التدريس هنا يقوم على اسس صحيحة سلسة، لا يمل معها الأطفال الذين يجدون فيها متعة كافية باشباع رغباتهم الطفولية وهم يرسمون دوائر وخطوطا غير متوازنة، غالبا ما ينالون عليها جوائر لطيفة.. اقول ذلك، واستحضر في ذهني كم الاوراق التي اطلعت عليها صدفة عندما كانت احدى صديقاتي في العراق تعمل على تصحيحها وهي تشكو رداءة الخط وانعدام الذوق والادب!
الوضع الاقتصادي وحتى الامني لا يكون مسوغا لتدهور التعليم اطلاقا، فعلى الرغم من ازمات الايرانيين الاقتصادية وارتفاع تكاليف معيشتهم وازدياد اجور التعليم، لكنهم لا يتذمرون من ذلك، ولهم اهداف محددة بخلق اكبر فرص لكسب المهارات والتعليم لابنائهم. فلماذا تتعكز وزارة التربية في العراق على حجج واهية في تبرير التراجع المهول في التربية والتعليم وأمامها فرص قد لا يحلم الايرانيون فيها مع اوضاعهم الاقتصادية المتردية؟!
التربية العراقية فاشلة في ايجاد خطط تربوية استراتيجية، شأنها شأن الدول المجاورة التي تنتمي الى العالم الثالث نفسه، بل اكثر من ذلك تعمد الوزارة التربوية الى الغاء دروس النشيد والفنية والرياضة والتربية الاسرية بصورة غير مباشرة، وكأنها تقتل كل مساحات الجمال في حياة الاطفال، واذا كانت التربية حتى العام السابع للاطفال تعتمد على المشاهدات وفق القاعدة "مايراه الاطفال، يفعله الاطفال" فان الجيل القادم اذا استطاع ان يتجاوز ثقافة الموت والقتل والصراعات العشائرية وثقافة الغاء الاخر وغيرها، فانه لا يتجاوز ان يكون شاعرا شعبيا فاشلا بالتاكيد! فأي قيمة جمالية يمكن ان يعطيها المجتمع المنهك اذا غابت المدرسة وهي غائبة بالفعل ان لم تكن اصل المشكلة؟!

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي