رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 12 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2076

خيارات الرئيس المكلف!

عبدالعظيم البدران

حتى اللحظة لا يوجد تفسير واحد ومنطقي يمكن ان يحل احجية الترشيح واليات تشكيل الحكومة الجديدة، فبين الدعوة الى الترشيح عبر بوابة الكترونية التي تفترض الحياد وتتيح قدرا من المشاركة الجماهيرية لم يسبق اعتمادها، وبين طموح الاحزاب والحديث المتواصل عن النسب والتمثيل والاستحقاق؛ خطان لا يستقيم الواحد مع الاخر، وفرضيات عدة اقربها الى الذهن اكثرها تعقيدا وعدم انسجام يمكن ان يطيح بأسطورة الحياد والاستقلالية.
الفرض الاول يقوم على اعتماد الالية المطروحة بالترشيح العام عبر البوابة الالكترونية فقط، وعلى الرغم من ان الخيار هذا اشبع بحثا وتنظيرا و"تهكما"، غير ان اعتماد شكل ينتمي الى روح العصر كما يصفها "هيغل" حسنة لا يمكن التغاضي عنها، ومراس جديد في عالم السياسة من شأنه ان يوجد شكلا جديدا في اساليب الانظمة الديمقراطية يتجاوز حاجز التمثيل الحزبي، لكنه في الوقت نفسه يبدو بعيدا عن امكانية التطبيق مع الانظمة البرلمانية التي يمرر فيها رئيس الوزراء عبر بوابة المجلس النيابي ببداهة ان الكابينة الوزارية بحاجة الى تصويت برلماني لنيلها الثقة، وحتى مع فرضية ان الرئيس ذاته جاء تحت ظرف استثنائي والركون الى حيادية وصوله وانتمائه، فان تسويق كابينة وزارية بكامل طاقمها امر مستبعد تماما! فما الذي يمكن ان يجبر الاحزاب السياسية على ان تحمل وزر كابينة لا ناقة لهم فيها ولا جمل!
الفرض الاخر يقوم على المزاوجة بين اسلوب "الكابينة نت" وبين خيارات الاحزاب وترشيحاتها، وهو يفترض جدلا ان تقوم الاحزاب ذاتها باعتماد آلية رئيس الوزراء والترشيح على وفق السياق الذي حدده، وخلاف ذلك يضع الرئيس المكلف نفسه امام احراج مفاده عدم المصادقية امام عموم الشعب يمكن أن تعرّض مصداقية الحكومة حتى وان كتب لها التوفيق باجتياز حاجز الثقة البرلمانية. وذلك قطعا يثير تساؤلات عديدة عن مصير الطلبات التي رشحت عبر النت ووضعت اعتمادها بالية الرئيس المكلف ووثقت بخطواته "الجادة" في التغلب على سياق المحاصصة، او تسويق مبدأ الفضاء الوطني كما يشير اليه مناصرو المشروع. 
والفرض هذا لا يستقيم مع الاحداث الجارية بما تتضمنه من تصريحات وتلميحات عن اسماء وقوائم وترشيحات لشخصيات حزبية واخرى مستقلة مرتبطة باحزاب وضمن قوائم وكتل سياسية معروفة. وبالتالي، فان وصول هؤلاء تحت اي ظرف من شأنه هو الاخر ان يعطل الية الرئيس المكلف ويعرض مصداقية ادعائه للسؤال!
الفرض الثالث وهو اكثر الفروض ترويجا، هو المزاوجة بين خيارات الاسماء التي يمكن ترشيحها عبر بوابة الترشيح الالكترونية والاشخاص الذين يتم ترشيحهم بواسطة الاحزاب السياسية هو فرض يبدو في واقعه اقرب الى المخرج منه الى كونه خيارا ذا مصداقية يهدف الى تقديم كابينة حيادية مستقلة! فما يعنيه ذلك ان تكون هناك جهة تقرر وسط الخيارات وتختار من بين الاسماء المطروحة، فاذا كان الرئيس المكلف نفسه واختار بعيدا عن الاحزاب فوت على نفسه فرصة التأييد البرلمانية واذا اختار من خيارات الاحزاب عرض مصداقيته للسؤال واذا ترك الخيار للاحزاب كما يشاع حاليا، فذلك يلغي فكرة استقلاله بالمطلق ويعني فيما يعنيه ان الحكومة تلك ستكون اضعف الحكومات لغياب الداعم المباشر وتجاذب الصراعات بين الكتل المتبارية في المجلس!
كل ذلك، وثمة تسريبات لا تقل اهمية عن الخيارات المطروحة في اعلاه تقول ان الاحزاب التي تعففت في الظاهر عن تقديم مرشحيها وتركت الخيارات للرئيس المكلف، وجدت في مشروع البوابة الالكترونية للترشيح فرصة لزج مرشحيها بصيغة المستقل والتكنوقراط لتجنب الرئيس الحرج في الاختيار المباشر ولتعطي مصداقية لادعائها بحرية الاختيار، واكثر من ذلك للتنصل مستقبلا من اية تبعات يمكن ان تلحق بالحكومة.
السيناريوهات المطروحة والممكنة والمتوقعة كلها تشير الى ضعف الاعتماد على خيار الترشيح الالكتروني بالشكل الذي يصل من خلاله المستقل، وابعد السيناريوهات واكثرها خيالية وطموحا لا تنسجم مع المعطيات الموجودة، حتى وان اضيف إليها فرض رابع باطلاق يد الرئيس المكلف ومجيء وزراء تكنوقراط فسوف يكون موقفهم البرلماني ضعيفا في مقابل استحواذ الكيانات السياسية على الدرجات الخاصة والوسطى في الوزارات، ما يعني ان وجود الوزير سيكون شكليا ليس إلا.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي