رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 12 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2076

القوى المألوفة.. استكشاف نظرية بنية القصة

نيي إييكوي باركز*
بوصفنا قراء، فإننا جميعا نحمل انحيازاتنا معنا، لكنّ الاعتراف، وعلى نطاق أوسع للمعايير المألوفة يجعل الاختلاف بين “أنا لا أفهم معاييرك المألوفة” وبين “أنا  أرفض الاعتراف بمعاييرك”.
بينما سنة أخرى تتسارع لتضربني؛ لأنني كنت أدرِّس الكتابة الإبداعية، بصيغة أو أخرى، وعلى مدى أكثر من عقد من الزمان. فإنني في ذلك الوقت؛ كنت أواجه عددا من النظريات في بناء القصة القصيرة والتقاليد السردية؛ ابتداء من هرم غوستاف فريداغ PyramidgustavFretag إلى بناء الفصول الثلاثة Struture Three Act؛ إلى معشوق هوليود، حيث رحلة الكاتب لكرستوفر فوغيلر، التي استلّها من جوزيف كومبيلس، البطل ذو الوجه الألفHero with Athousand Faces إلى حبكات كرستوفر بوكر السبعة، تجنبت تدريس هذه التحليلات بوصفها نماذج قيادية. بيد أنني أشير بين الحين والآخر إلى إحداها، فإنني في الوقت ذاته أؤكد إلى طلابي أنها لم تكن تحليلات عالمية كونية وعليهم أن يتحدّوها.
إنّ عدم ارتياحي للنماذج 3- 5-7  كما يحلو لي أنْ أسميّها. هي أنها لم تكن تماما في محاولة منها أن تستل سخافة تقطير وتعقيد نمو تراث العالم للقصص الى نماذج متناثرة، فضلا عن تحذيرات استثنائية. كلا، كان اهتمامي الأكبر هو أنّ النماذج 3 - 5- 7 قد تحوّلت بشكل واسع إلى مؤسسات إقصاء لسياقات القصص القصيرة، والتركيز على نماذج شبيهة إلى حد ما بالطريقة التي قضى فيها اقتصاديو العالم سنوات طويلة يحثون فيها النماذج للعمل نحو الأفضل دون الإهتمام بحقيقة أنًّ الامم الرأسمالية الناجحة كانت تبني استغلالا لا إنسانيا لتقنين المرأة، والأراضي المحتلة، والعبيد، والأطفال، والقصص القصيرة الأكثر نجاحا حاليا مثل سنغافورة وكوريا اللتين ترزحان تحت العمالة والقمع. ولكن، فقط من خلال عالم الرواية التي تركز على نماذج اقتصادية وليس على تحيّزات تأريخية وثمة فارق بسيط مُضًّلِل.
وما تشارك فيه النماذج، 3-5-7، هو نظرية المألوف؛ ونقطة الانطلاق، غالبا ما تكون نهايات قصص تقتضي الضرورة أن تكون مألوفة، وما يحدث بين الجيشان والدراما فهو مألوف هنا أيضا. ومن الغريب، أن لا أحد ثمة يبدو أن يتساءل عمّا هو المألوف، فضلا عن ذلك، أنًّ الكتّاب وكتّاب القصة القصيرة بالذات الذين يعيشون على الهوامش سيبقون متأثرين بهذا المألوف دون أن تذكر كلمة واحدة عكس ذلك، بهذا الشأن. وسيعلمون أنَّ قصصهم تلك لم تكن متقنة، ومبنية بناء نوعيا عاليا جدا.. إلخ. وربما تكون هذه الأشياء هي حقيقية أحيانا، وغالبا ماتكون بوابات، ومدرسية تماما في نماذج 3- 5-7، ولكن ليس هناك من رأي كامن وراءها، يقول "إنني لا أميّز مألوفيتك" أو سلطة حازمة تقول له "أرفض الاعتراف بمألوفيتك" وهكذا، فإنّ من الضروري جدا، نرى أنًّ ما تعلّمه العالم كثيرا؛ وعليه أيضا أنْ يتعلم الآن ما هو المألوف السائد، ويقيّم القصص التي هي مألوفة ومُموَّلة أيضا. 
وبهذه الطريقة يتحول التركيز على فوغلير Vogler، ضد بوكر Booker ، أو تعزيز صلة وثيقة من منظور جديد أكثر جدة من إعجابات جون يورك John Yorke ، المنتج السابق للصابون البريطاني EastEnders، الذي ألف كتاب الدخول إلى الغابة Into the Woods، ويتساءل عن السرد القصصي وجنين قصة هارمونز، والذي كان مسلسله التلفزيوني Community يعتمد على الجدل في ثماني مراحل (1. العالم المألوف 2. الموضوع المرغوب فيه 3. الدخول الى العالم الجديد ليكتسب المادة المرغوبة 4. تبني العالم الجديد 5. ايصال المادة المرغوب فيها 6.دفع اسعارها 7. العودة الى العالم المألوف 8. تغيرات العالم).
فهذه كلهّا وجهات نظر مفيدة، بيد أنًّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو: ما هو المألوف؟ ويبقى هذا السؤال دون إجابة. ذلك أنه يستتر في الخلف مثل أي نوع آخر لإضفاء طابع التحيّز المؤسساتي. إننا هنا،  جميعا نعترف أننا نحمل هذا التحيّز، ونعترف أيضا وعلى نطاق واسع لجميع أصناف المألوف الذي يجعل التباين بين “أنا لا أفهم مألوفيتك وأنا أرفض الاعتراف بها “."فإنْ أحصيت عملي ابتداء من العمل في مجلات المدرسة بوصفي محررا لمدة ثلاثين سنة في غانا، ففي كل أسبوع من السنين تلك؛  كنت أواجه تباينات جديدة لما هو مألوف أو سائد. وبخاصة الجديرة بالذكر هنا، حينما كنت أعمل أستاذا مقيما في جامعة كاليفورنيا، ولوس انجلز، حينها كنت أقرأ مجموعات قصصية لكاتب صيني اسمه مو شن Mu Xin الموسومة غرفة شاغرة. وكانت كتابته بمثابة لغة مثيرة للذكريات، وبكفاءة، وشعرية، بيد أنني شعرت أنني بعيد عنها. ومن حسن الحظ، فإنّ مترجم المجموعة القصصية جون ليو  Jun liu تلميذ فوكنر اشتغل هو الآخر على عمل Cal State LA؛ وتحدثت إليه وشرح لي تأثير عمل _sanwen– على عناصر الأدب الصيني لأجناس الشعر والمقالة والرواية – على عمل مو شين Mu Xin. وفجأة ومع السياق المألوف الآخر، كانت قراءتي للقصص قد تغيرت تماما: فتحولت مجموعة الغرفة الشاغرة الى الكتاب الذي أعشقه فحرفة المؤلف البارعة شيء يثير الإعجاب حقا.
وما هو مثير للاهتمام، في ذلك السيناريو، هو أنّ ذلك الكتاب الذي قد صدر الآن. وعلى كل حال، لو كنت محررا له لدققت النظر فيه، وستكون ملاحظاتي مفيدة تماما – ولتساءلت عنه على الأقل –.
وببساطة لأنًّ عصر - سانوين sanwen القديم، لم يكن ضمن مفرداتي للمألوف. وما هو حاسم هو أنّ مفرداتي للأعمال المألوفة وبكلتا الطريقتين- ما قد قبلته وما تساءلت عنه لهما تاثير- وما هو سائد ومألوف ربما يكون له قراء فقراء محتملون. وعلى سبيل المثال، ففي كثير من دول أميركا اللاتينية وإفريقيا أيضا، ثمة عدد كبير من الأسر الكبيرة من لا يهوى القصة القصيرة، وإنَّ إحدى الطرق الكثيرة التي يتواجد الناس فيها، هو العالم المألوف وهذا شيء غريب؛ ولكنْ استخدامه “مقبول” أنها فقط واحدة من الإمكانات لإحدى علامات الأصالة للمنطقة بأكملها التي كانت غائبة، وهي ذات المقترب الذي يمنح الولادة لمعالجة هذا الوباء وباء الفقر، وإنها إحدى المحفزات على تساؤلات الفقر القادم من إفريقيا.لذلك، فإنّ قوة التحوّل في القصة القصيرة تعلّقا بي، هو متأتٍ من البناء المألوف- وينبغي الانتقال الى مستوى التحول – السياسي الاجتماعي – ومن المفيد أن نراقب من الذي يسمح بتحول المألوف. اذ ليس ثمة تزامن من ذلك النوع الذي ينمو للفائدة في سينما هونك كونك بعد بروز كونتن تارانتينو، `Quentin Tarantin ذلك الأميركي الأبيض الفحل الذي طبَّع عنف أسلوب الغرافيك، وأضافه إلى مفردات للسائد المألوف. هذا التغيير يفتح الباب جملة إشارات أميركية، ولكنها في الوقت ذاته هي أيضا طبيعية في أفلام هونك كونك لتصبح ناجحة وفي نوعيتها ذاتية الحدث.
فإذا كان مألوفك لم يكن حاضرا من خلال معجمك المألوف، ومهما كان العالم الذي تخلقه طبقا للتساؤل، فإن مألوفك هذا سيكون مرفوضا، ولهذا ستغادر محيطك هذا.
وحيثما يجلس موثق ما يتعلق بما هو مألوف ليقرر ما هو واقعي، وما هي الواقعية السحرية (فإنك ستجد كثيرا من الكتّاب موسومين بوصفهم رافضين لهذه  الفكرة)، أما الرومانسية، فتعتمد على ما هو مقبول للنهايات السعيدة، حيث الانتقام أو رجل العصابة هو المألوف. فإن كانت مألوفيتك غير حاضرة في معجم المألوف السائد، بغض النظر عن عالمك الذي تخلقه، فهو يبقى موضوع تساؤل. فإنّ مألوفيتك ستُرفض وإنك ستغادر محيطك. وهذا ما كانت الرواية تشكل فيه المركز في القرن التاسع عشر، لأن بريطانيا العظمى في ذلك الوقت كانت تشكل المركز في حكم الاختبار؛ وقد أبى جيستيرتون G.KChesterton  السير على جادة والده في السرديات ”وكانت إحدى الهوايات لوالده، أن ينتظر شكسبير الأميركي – وكان صبر الهواية أكثر صبرا من انتظار الصنارة”، ويسأل سدني سمث Sydnney Smith في طبعة كانون الأول 1820 لـEdinu burgh Review ، الذي يقرأ كتابا أميركيا؟ وفي الأقطاب الأربعة فمن يقرأ فيه كتابا اميركيا؟ وكانت الروايات القادمة من أمريكا كانت من الحجم بحيث يرفضها النقاد الانجليز بوصفها روايات عاطفية وتحتاج الى نوعية أدبية؛ أما العمل الروائي الروسي فهو يقرأ كحب استطلاع. وبينما يتوسع المركز، تتحول روسيا وأميركا إلى مساحة أوسع للآداب المألوفة.
 وهكذا، تكونا مؤهلتين شفاهيا للنطق في حدود الأدب المألوف. وهكذا أيضا، أكون حقا مؤهلا في أن أكون في أحد الصفوف لقراءة الرواية الروسية، وبالطبع، سأقرأ الرواية الروسية، فضلا عن محاضرات وأعمال فلاديمير نابوكوف التي تُطبع بغزارة منذ العام 1980 إلى أن دخل الأدب المألوف الفضاء الأوسع. وعلى كل حال، سأكون خاضعا لمحرر يقدم لي بحوثا جيدة، فضلا عن أعمال وُضعت بدقة ليعرف كل قارئ عن مألوفية تفكيرك في العمل الإستثنائي. فإنه تماما ليس قابلا للروي، لنوعيتة العالية جدا.. إنك أصيل، إنك ريفي نيكاراغوي. إنك رقم هام في الأقليات، إنك خارج البوابات، فلا فوغلار ولا بوكر ولا نيويوركي يمكن أن ينقذك، لأنك تمثل القوى المألوفة.
* نيي إييكوي باركز: من مواليد 1970، في المملكة المتحدة ومن أصل عائلة غانَّية، ترعرع منذ نعومة أظفاره على قراءة الشعر والرواية والنقد والقصة القصيرة. تمتاز هذه الأعمال في ما يسمى بالإبداع ما بعد الحداثوي، مستخدما فضلا عن ذلك الصورة والصوت في إيصال ما ينادي فيه إلى هذا الجنس من الأدب وكأنه مبشر. درس في جامعة مانشستر وأصدر عدة كتب منها رواية (ذيل الطائر الأزرق)، وصفها النقاد بأنها بسيطة في بنائها الفني ولكنها تحتدم بشدة من أجل الدفاع عن قضيتها.
 تتحدث عن قرية “سونومكروم” في غانا، لم يشملها التغيير الحضاري والاجتماعي، ولمئات السنين يتكلم رجالها ونساؤها لغة الغابة ويشربون منشطات شرب الخمر في راحة أياديهم، ويختطون أو يتبعون أرواح أسلافهم! وله أيضا مجاميع قصص قصيرة منها (المدينة ستحبكم)، و(عين صبي)، (شفتا رجل). وهو فضلا عن ذلك حائز على عدة جوائز عالمية منها على سبيل المثال لا الحصر صناعتك، وحاصل أيضا على جوائز عدة مثل، جائزة دول الكومنولث للكتاب.. إلخ.
ترجمها للعربية/ خضير اللامي

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي