رئيس التحرير هيئة التحرير الاعلانات والاشتراكات اتصل بنا

الاثنين - 12 تشرين الثاني( نوفمبر ) 2018 - السنة التاسعة - العدد 2076

جيوشنا وجيوشهم الالكترونية

مازن الزيدي

كشفت الازمة المتصاعدة على الضفة الأخرى من الخليج بين السعودية وقطر جانباً مخيفاً من أدوات الصراع الناشب بين البلدين منذ ثلاثة أعوام. وبفعل الردع الأمريكي فإن الازمة الخليجية لم تتعد التراشق الإعلامي عبر الفضائيات تارة، وعبر العالم الافتراضي تارة أخرى.
ومن هنا استثمر البلدان امكاناتهما الكبيرة في انشاء وتجييش الجيوش الالكترونية في ظاهرة هي الاوسع عالمياً. وبحكم الموارد البشرية والمالية فقد كان للسعودية دور أكبر في هذا المجال لاسيما مع صعود نجم محمد بن سلمان واقترابه من عرش المملكة، وانخراط بلاده في حرب اليمن والتصعيد مع ايران وتركيا وقطر.
طيلة الأعوام الماضية كان الحديث عن الجيوش الالكترونية مجرد فرضيات لا تدعمها معطيات حقيقية لجهة صعوبة اثبات ذلك، وان كان الواقع الافتراضي يؤكد ذلك.
لكن ومع تفاعل ازمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي تكشفت معطيات جديدة سلطت الضوء على استعانة السعودية طيلة السنوات الماضية بجيوش افتراضية، عملت بشكل مكثّف على صناعة محتوى مضبّل وتعميمه على السوشيال ميديا العربي.
فقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز هذا الأسبوع عن قيام النظام السعودي بتجنيد جاسوس سعودي يدعى علي ال زيارة يعمل لدى شركة تويتر منذ عام ٢٠١٣ في اطار ستراتيجية لانشاء مجموعات افتراضية بدأ التخطيط لها منذ ٢٠١٠. وقد التحق ال زيارة، بحسب الصحيفة الامريكية، للعمل مع الفريق السعودي في الرياض بعد ان تم طرده من تويتر.
وجاء هذا الكشف بعد أيام قليلة من قيام تويتر باغلاق مئات الحسابات الوهمية التي كانت تدافع عن موقف السعودية من قضية اغتيال خاشقجي. اذ كشفت الشركة ان هذه الحسابات أنشئت عام ٢٠١٢ وبفارق دقائق فقط.
وكان تحقيق اجرته قناة بي بي سي، نشر في اذار مارس الماضي، كشف عن تلاعب جهات سعودية بترندات الهاشتاكات التي تظهر في تويتر. واظهر التحقيق تعامل شركات مع جهات سعودية لدعم هاشتاكات معينة مقابل ٢٠٠ دولار فقط. 
وأشار التحقيق الى امتلاك السعودية ما لا يقل عن ٢.٤ مليون مستخدم نشط على تويتر، وهو ما يشكل نسبة ٤٠٪ من اجمالي المغردين العرب، وفقاً لإحصائية صدرت عام 2014.
وبحسب التحقيق ذاته فإن الحسابات الوهمية التي تستخدمها الشركات الوسيطة تمكنت من رفع معدل استخدام الهاشتاغ إلى أكثر من 600 تغريدة في اليوم.
هذه المعطيات التي تكشفت مؤخرا قد تسلط الضوء على الاحصائية التي اعدها معهد بروكينز ونشرتها الخارجية الامريكية، اثناء صعود تنظيم داعش عام ٢٠١١ – ٢٠١٤، والتي اشارت الى ان السعوديين جاؤوا بالمرتبة الأولى في تأييد التنظيم على تويتر.
عراقياً تم الحديث عن تأسيس جيوش الكترونية بعد العام ٢٠١٤ بدعم منظمات اجنبية أقدمت على استقطاب مئات المدونين بهدف التصدي لدعاية داعش في العراق. لكن هذه الشبكة ما فتأت ان تحولت الى أداة سياسية لتنفيذ برامج لا علاقة لها بداعش، وظهر لاحقاً انحيازها الواضح بالدفاع عن سياسات رئيس الحكومة ومهاجمة خصومه، وبث الدعاية الصفراء ضدهم. وقد لعبت هذه الشبكة الممولة من بعض السفارات الغربية، دورا واسعا في الدعاية الانتخابية والدعوة لاعادة انتخاب العبادي لولاية ثانية، بتنسيق مع موظفين في مكتب الأخير، بحسب بعض المطلعين.
ولم يقتصر نشاط هذه الجيوش الالكترونية على هذا فحسب، بل تم استخدامها من قبل مقاولين وشركات معينة كانت تسعى للحصول على عقود مغرية من الحكومة العراقية. كما أسهمت هذه الجيوش في تضليل الرأي العام والتحريض ضد بعض الأطراف والشخصيات والشخصيات العامة. واضطلعت بدور كبير للتبشير بالانفتاح السعودي المتسارع على العراق، وسط انباء تم تداولها عن صلات تربط بعض هذه الجيوش مع السفير السعودي السابق في بغداد ثامر السبهان.
للأسف لم تتصد الجهات الأمنية والاستخبارية العراقية للأدوار الخطيرة التي لعبتها هذه الجيوش الالكترونية طيلة السنوات القليلة الماضية. فلم نسمع ولم نر أي دور مسؤول لفريق "الحرب السبرانية" الذي اعلن عن تشكيله مطلع ٢٠١٧.
قد يكون مردَ هذا الإخفاق هو صلة بعض المسؤولين الأمنيين ببعض الجيوش الالكترونية، وتورطهم بتشكيل جيوش تقوم بتلميع صورتهم والترويج لنجاحاتهم ومهاجمة منتقديهم، ودعم التجديد لهم ضمن الحكومة المقبلة.
في ظل هذه التحديات السايبرية، التي كشفتها الازمة الخليجية، فإن رئيس الوزراء المكلّف ملزم بوضع هذا الملف على رأس أولوياته الأمنية، والعمل على انهاء هذه المليشيات التي تعتاش على الفوضى الإعلامية والرقمية التي يعيشها العراق.

جميع الحقوق محفوظة لجريدة العالم , برمجة واستضافة وتصميم ويب اكاديمي